الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

إشكالية الدور الروسي كراعٍ دولي .. سوريا إلى فنزويلا

الوعود السياسية وحدود التنفيذ .. يبالغ بوتين في الوعود ويُخفق في الوفاء بها

بقلم: ألكسندر غابويف

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

في الثالث من كانون الثاني ومع تداول أنباء عن تنفيذ الولايات المتحدة عملية عسكرية استهدفت منشآت عسكرية فنزويلية أصدرت وزارة الخارجية الروسية بياناً اعتبرت فيه أن الولايات المتحدة نفّذت عملاً من أعمال العدوان المسلح ضد فنزويلا ووصفت التطور بأنه باعث على قلق بالغ ويستوجب الإدانة، ولاحقاً وبعد تأكيد البيت الأبيض قيام قوات خاصة أميركية باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى نيويورك لمحاكمتهما بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات وجرائم أخرى، دعت موسكو القيادة الأميركية إلى إعادة النظر في موقفها والإفراج عن الرئيس المنتخب شرعياً لدولة ذات سيادة وزوجته.

غير أن هذا الموقف ظلّ في إطار التصريحات السياسية من دون أن يواكبه أي تحرك عملي لدعم النظام الذي سبق لروسيا أن وصفته بأنه شريك استراتيجي رئيسي في أميركا اللاتينية، ففي أيار الماضي أي قبل نحو سبعة أشهر فقط عقد مادورو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتماعاً في الكرملين تُوِّج بتوقيع معاهدة للشراكة والتعاون الاستراتيجي نصّت على تعزيز التعاون العسكري وتطوير القدرات الدفاعية للبلدين في مواجهة ما وُصف (بالتهديدات الخارجية المعادية)، ومع ذلك لم تبادر موسكو إلى تحذير مادورو من العملية الأميركية ولم توفر له حماية مباشرة أثناء تنفيذها مكتفيةً بدور المتفرج.

ويعكس هذا العجز الروسي في الحالة الفنزويلية نمطاً متكرراً في السياسة الخارجية لموسكو برز بوضوح منذ الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا قبل أربعة أعوام فانخراط روسيا في حرب طويلة الأمد ضد كييف استنزف مواردها العسكرية والسياسية وقيّد قدرتها على دعم شركائها السلطويين، ففي عام 2024 التزمت موسكو موقفاً سلبياً إزاء انهيار نظام بشار الأسد أحد أقدم حلفائها في سوريا كما أنه في صيف العام الماضي وعلى خلفية الضربات الأميركية-“الإسرائيلية”* التي استهدفت إيران وهي شريك استراتيجي آخر عرضت روسيا القيام بدور الوسيط بين الأطراف المتحاربة لكنها عجزت عن توفير دعم استخباراتي فعّال أو منظومات دفاع جوي كان من شأنها التأثير في مجريات المواجهة، وفي السياق الفنزويلي بدا الدور الروسي أكثر محدودية حتى مقارنة بما قُدّم لدمشق أو طهران.

أما على الصعيد السياسي الداخلي للكرملين فقد مثّل سقوط نظام مادورو ضربة رمزية ذات وقع خاص على الرئيس فلاديمير بوتين، فعلى الرغم من أن فنزويلا شكّلت عبئاً مالياً متواصلاً على الخزينة الروسية نتيجة القروض غير القابلة للاسترداد والمشاريع النفطية الخاسرة فإنها وفّرت لموسكو هامشاً من المكانة الرمزية بوصفها موطئ قدم روسياً في النطاق الجغرافي الأقرب للولايات المتحدة، وقد سعى الكرملين في خطابه الموجّه إلى أنظمة سلطوية تمتد من ميانمار إلى نيكاراغوا إلى ترسيخ صورة روسيا بوصفها قوة موازنة قادرة على الحد من النفوذ الأميركي، غير أن إطاحة مادورو لا تُقوّض صدقية هذا الخطاب فحسب بل تكشف أيضاً أن فنزويلا لم تكن في أي وقت رصيداً استراتيجياً راسخاً بيد موسكو.

 

نمرٌ من ورق

الاستثمار الروسي في النفط الفنزويلي

 

حافظت روسيا وفنزويلا على علاقات ودّية على مدى ربع قرن ففي عام 2000 التقى فلاديمير بوتين والرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز وكلاهما كان حديث العهد بالسلطة للمرة الأولى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، غير أن العلاقة بين موسكو وكاراكاس ظلّت لما يقارب عقداً من الزمن ذات طابعٍ تبادلي وبراغماتي في الأساس ولم تتخذ بعدُ بعداً أيديولوجياً واضحاً ومع شروع تشافيز في انتهاج مسار شعبوي معادٍ للولايات المتحدة مدعوماً بعائدات نفطية مرتفعة في ظل صعود أسعار الطاقة عالمياً اتجه إلى شراء أسلحة روسية لإحلالها محل المعدات الأميركية المتقادمة التي ورثها عن أسلافه، واستغل الكرملين الذي لم يكن قد تبنّى آنذاك نهجاً أيديولوجياً صدامياً مع الغرب هذا التوجه المعادي لواشنطن من أجل فتح سوق تسليح جديدة.

وتعمّقت العلاقة على نحو ملحوظ عقب الحرب الروسية- الجورجية التي استمرت خمسة أيام في آب 2008 لتبدأ بعدها بالتحول التدريجي نحو بعد أيديولوجي قوامه العداء المشترك للهيمنة الأميركية، ففي تلك المرحلة سعت موسكو إلى حشد اعتراف دولي بالمناطق الانفصالية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بوصفها دولتين مستقلتين وأوفدت مسؤولين كباراً لإقناع شركائها حول العالم بذلك، غير أن هذه الجهود لم تلقَ نجاحاً يُذكر في البداية إذ كانت نيكاراغوا في عهد الرئيس دانيال أورتيغا الدولة الوحيدة التي انحازت إلى الموقف الروسي مباشرة بعد الحرب، إلا أن المشهد تغيّر في أيلول 2009 حين أعلن تشافيز خلال زيارة رسمية إلى موسكو اعتراف فنزويلا بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. ورغم أن هذا الترتيب ظل في جوهره تبادلياً فإنه مثّل نقطة تحوّل في مقاربة الكرملين تجاه فنزويلا مبتعداً تدريجياً عن البراغماتية الصِرفة، فخلال أيام قليلة فتحت روسيا خط ائتمان بقيمة 2.2 مليار دولار لكاراكاس لشراء معدات عسكرية روسية على الرغم من امتلاك النظام الفنزويلي آنذاك إيرادات نفطية كافية للسداد النقدي، كما أعلنت موسكو عن استثمارات كبيرة في قطاع النفط الفنزويلي عبر تحالف يضم أكبر خمس شركات نفط روسية، وكان تشافيز قد أقدم قبل ذلك بفترة قصيرة على تأميم أصول شركتي إكسون موبيل وكونوكو فيليبس الأميركيتين ما جعله في أمسّ الحاجة إلى شركاء جدد يتمتعون بالخبرة التقنية والقدرة الاستثمارية لتطوير مشاريع نفطية معقدة.

وفي السياق ذاته أرسلت موسكو إشارات عن استعدادها للاستثمار في مشاريع صناعية وبنى تحتية وبرامج اجتماعية داخل فنزويلا بما يعزز شعبية تشافيز ويدعم ترسيخ سلطته التي اتسمت بقدر متزايد من السلطوية مع مرور الوقت، وعلى الرغم من أن العداء للولايات المتحدة بات دافعاً أكثر وضوحاً للشراكة فإن موسكو كانت لا تزال تتحرك وفق حسابات المصلحة العقلانية إذ إن أسعار النفط بعد تراجع مؤقت أعقب الأزمة المالية العالمية عام 2008 عادت إلى الارتفاع، ما جعل الاستثمارات والقروض الروسية تبدو قابلة للاسترداد.

غير أن وفاة تشافيز بالسرطان عام 2013 شكّلت نقطة بداية لتفكك ما تبقى من ركائز التعاون البراغماتي ففي عهد نيكولاس مادورو ازداد النظام قمعاً فيما أدّت الشعبوية الاقتصادية- ولا سيما مشاريع الإسكان منخفضة الكلفة وتأميم الشركات الأجنبية- إلى إنهاك الاقتصاد، ثم جاءت لحظة التحول الكبرى في آذار 2014 حين أقدمت روسيا على ضمّ شبه جزيرة القرم وأطلقت حربها في شرق أوكرانيا واضعةً الكرملين على مسار مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وفي العام نفسه انهارت أسعار النفط ما وجّه ضربة قاصمة لعائدات فنزويلا التصديرية وقلّص بشدة التدفقات النقدية الحكومية ودفع شركات النفط الروسية إلى خفض نفقاتها وتقليص برامجها الاستثمارية.

وبحلول عام 2015 كانت العلاقة الروسية- الفنزويلية قد انحدرت إلى ما يشبه مشروعاً أيديولوجياً صرفاً تغذّيه طموحات بوتين الجيوسياسية، ففنزويلا مادورو في حدها الأدنى كانت تمثّل دليلاً رمزياً على قدرة الكرملين على إسقاط نفوذه عالمياً ولا سيما في (الحديقة الخلفية) للولايات المتحدة غير أن بوتين وقع في الخطأ ذاته الذي ارتكبتْه القيادة السوفيتية سابقاً حين سعت- رغم التكاليف المتزايدة- إلى الإبقاء على شركائها الأيديولوجيين، فقد قدّمت شركة (روسنفت) الروسية العملاقة على سبيل المثال مليارات الدولارات كدفعات مسبقة لشركة النفط والغاز الوطنية الفنزويلية  (PDVSA) وهي أموال يُستبعد إلى حد كبير استردادها.

 

شعار مجموعة فاغنر الروسية

 

كما ساعدت موسكو كاراكاس على الالتفاف على العقوبات الأميركية واستثمرت في تعزيز قدرة نظام مادورو على الصمود في وجه الضغوط القادمة من واشنطن، وشملت هذه الجهود تنظيم مناورات عسكرية مشتركة وتنفيذ برامج تدريب وإرسال سفن حربية إلى السواحل الفنزويلية فضلاً عن تحليق قاذفات (تو–160) القادرة على حمل أسلحة نووية فوق البحر الكاريبي، وفي عامي 2019 و2024 أرسلت موسكو طائرات عسكرية تقلّ عناصر من شركة (فاغنر) شبه العسكرية المدعومة من الدولة إلى كاراكاس في إشارة واضحة إلى دعمها المباشر لمادورو خلال الاحتجاجات التي أعقبت انتخابات رئاسية مطعون في نزاهتها كما وفّرت روسيا دعماً استخباراتياً وأنظمة دفاع جوي وأسلحة أخرى كلما واجه النظام أزمات حادة بما في ذلك خلال أحدث حشد عسكري أميركي في منطقة الكاريبي. ومع ذلك ظلّ مدى التزام روسيا الحقيقي تجاه فنزويلا موضع تساؤل دائم ففي عام 2019 ألمحت القيادة الروسية على نحو براغماتي بارد إلى استعدادها للتخلي عن فنزويلا إذا ما خففت الولايات المتحدة من انخراطها في أوكرانيا وفق شهادة أدلت بها فيونا هيل المديرة السابقة لشؤون روسيا وأوروبا في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال إدارة ترامب الأولى، وعندما بلغ التوتر ذروته لم تكن الولايات المتحدة بحاجة إلى هذا التنازل الروسي والأسوأ من ذلك أن الأدوات التي وظّفتها موسكو تبيّن عجزها عن حماية حليفها الرئيسي في أميركا اللاتينية، إذ فشلت في توفير معلومات استخباراتية دقيقة وفي الوقت المناسب لتحذير مادورو من العمليات الأميركية كما أن أنظمة الصواريخ من طراز S-300 وBuk-M2  التي زوّدت بها فنزويلا لم تكن مُصانة على النحو المطلوب ولم تُدمج ضمن شبكة دفاع جوي متكاملة- وهو تقصير يُفترض بروسيا تلافيه في تعاملها مع شريك استراتيجي ومشترٍ رئيسي لمعداتها العسكرية.

 

ملفّات غير مكتملة

على مدى العقدين الماضيين أظهرت موسكو قدرةً ملحوظة على التسلّل كلاعب مؤثّر إلى مناطق تتسم بانتشار مشاعر معاداة الولايات المتحدة، غير أنّ هذه المغامرات المكلفة لم تُفضِ حتى الآن إلى مكاسب عملية تُعزّز المصالح الأمنية الجوهرية لروسيا أو تدعم ازدهارها الاقتصادي، ففي حالات مثل فنزويلا لا يبدو أن الانخراط الروسي يخدم سوى نزعة فلاديمير بوتين الاستعراضية وتأمين بضعة أصوات تضامنية مع موسكو في الجمعية العامة للأمم المتحدة إضافةً إلى إتاحة فرص ربح لمسؤولين روس فاسدين.

وفوق ذلك فإن المقاربة الانتهازية للكرملين لا تترجم إلى قدرة مستدامة على تشكيل ما آلت له الأحداث فقد تتمكن موسكو من الإبقاء المؤقت على أنظمة سلطوية قائمة أو في حال فشل ذلك- توفير منفى (مُذهّب) لزعمائها لكنها تعجز عن مساعدة شركائها على معالجة مكامن الضعف البنيوية في أنظمتهم عبر بناء القدرات المؤسسية، ففي سوريا على سبيل المثال وفّرت روسيا لدمشق قوة جوية وأدوات عسكرية أخرى لكنها لم تستطع معالجة مستويات العنف المفرط أو سوء الكفاءة أو الفساد أو سوء الإدارة الاقتصادية وهي عوامل أسهمت مجتمعة في سقوط نظام الأسد، وفي فنزويلا أخفقت روسيا في تزويد نظام مادورو بمعلومات استخباراتية آنية أو تدريب كافٍ أو معدات تعمل بكفاءة، ويبرز هذا الفشل بوضوح عند مقارنته بنجاح الولايات المتحدة في مساعدة أوكرانيا على إحباط مخطط بوتين لتغيير النظام في كييف.

وخلال السنوات الأربع الأخيرة تآكلت قدرة موسكو على التأثير في مجريات الأحداث الدولية على نحوٍ أكبر مع استنزاف مواردها في (الثقب الأسود) الذي تمثّله الحرب في أوكرانيا، صحيح أن هذه الحرب عزّزت مناعة نظام بوتين داخليًا بفعل القضاء شبه التام على مظاهر المعارضة لكنها في المقابل استحوذت على جلّ المعدات العسكرية والكوادر والموارد المالية والاهتمام السياسي- وهي عناصر كان من الممكن، نظريًا توظيفها لدعم أنظمة حليفة مثل نظام مادورو. ولا تزال موسكو قادرة إلى حدّ ما على ممارسة نفوذها في ساحات لا تُعد ذات أولوية استراتيجية لواشنطن مثل جمهورية أفريقيا الوسطى أو طاجيكستان، غير أنّ التطورات الجارية في فنزويلا تُظهر بوضوح أن روسيا غير مستعدة لمواجهة الولايات المتحدة عندما تكون هذه الأخيرة حازمة وعازمة ولا سيما في مسارح بعيدة جغرافيًا، وبالنسبة لصنّاع القرار في واشنطن تبدو الخلاصة جلية الكرملين ليس عملاقًا يتعيّن التصدي له في كل بقعة من العالم.

ومع ذلك يتعيّن على الولايات المتحدة الحفاظ على قدر عالٍ من اليقظة، فقد أثبتت موسكو قدرتها على الصمود واستثمار الفرص في السياقات التي تظل فيها التدخلات الغربية غير مكتملة بما يخلّف فراغات قابلة للاستغلال، فبعد عام على إطاحة الأسد يقيم الرئيس السوري السابق في موسكو فيما زار الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بوتين في الكرملين ولا يزال الوجود العسكري الروسي قائمًا في سوريا بما يمكّنه من إسقاط نفوذه في شرق المتوسط وأفريقيا، وبالمثل لم تتخلَّ روسيا عن فنزويلا إذ لا تزال قواتها ومعداتها العسكرية حاضرة هناك، وسيبقى الكرملين مترقّبًا فرصةً لتوظيف هذا الوجود ولا سيما إذا لم يؤدِّ إخراج مادورو من السلطة إلى تفكيك نظامه بل إلى إعادة تجمّعه أو إلى مزيد من الفوضى الميدانية.

وإذا ما استمرت الأوضاع في فنزويلا بالتدهور فلن تتردد موسكو في إذكاء عدم الاستقرار الإقليمي، قبل أن تقدّم فنزويلا بوصفها مثالًا جديدًا على (الإفراط الأميركي الفاشل) إلى جانب أفغانستان والعراق وليبيا، وفي المحصلة ستسعى روسيا إلى التعويض عن ضعفها كحليف موثوق بالعودة إلى دورها المألوف كقوة مُعطِّلة في النظام الدولي.

 

* Alexander Gabuev and Sergey Vakulenko, Russia Is the World’s Worst Patron from Syria to Venezuela, Putin Has Overpromised and Underdelivered, FOREIGN AFFAIRS, January 15, 2026.
*  لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل رأي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى