الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
قراءة في تداعيات “حصان طروادة” الإرهـ ــابـ ــي بين سوريا والعراق
إستراتيجية الإزاحة الجيو مكانية لـ "الفواعل غير الحكومية العنيفة"

بقلم: د. مها شكر محمود حسن الطائي
جامعة بغداد/ كلية العلوم السياسية
تبحث هذه الورقة في المآلات الأمنية لعمليات نقل معتقلي تنظيم “د1عش” من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى السيادة العراقية. وتفترض الورقة أن هذه العمليات لا تندرج ضمن “تحييد التهديد”، بل تمثل إزاحة مكانية للأزمة (Spatial Displacement)، مما يخلق ظاهرة “حصان طروادة” الجيوسياسي، حيث يتم نقل الكتلة البشرية الراديكالية كـ “مدخلات أمنية” داخل بيئات هشة، مما يهدد بانهيار النسق الأمني من الداخل على المدى المنظور.
أولاً: أمننة السجون وسيكولوجية الاختراق من الداخل في إطار دراسات الأمن الدولي، تُصنف مراكز الاحتجاز الكبرى كبيئات عالية المخاطر (High-Risk Environments) قادرة على إنتاج فواعل راديكالية جديدة. إن تحويل آلاف العناصر المنتمية لـ “د1عش” إلى العراق يمثل تحدياً لـ “بنية الدولة الوطنية”. التشبيه بـ “حصان طروادة” هنا ليس استعارة أدبية فحسب، بل هو وصف بنيوي لعملية إدخال “عناصر تقويضية” إلى داخل النطاق السيادي، حيث تتحول السجون إلى “منصات إنضاج أيديولوجي” (Ideological Incubation Platforms) تعمل تحت غطاء القانون بانتظار ثغرة في جدار الأمن القومي.
ثانياً: حصان طروادة المعاصر.. من الخشب إلى الأيديولوجيا البشرية في القراءة الكلاسيكية للحروب، كان “حصان طروادة” جسماً مادياً صامتاً يحمل في أحشائه مقاتلين، لكن حصان طروادة المعاصر الذي يتمثل في عمليات نقل معتقلي “د1عش” هو كيان أيديولوجي يتجاوز المفهوم المادي، إننا أمام “حصان طروادة بشري” لا يكتفي باختراق الأسوار الجغرافية، بل يمتلك القدرة على اختراق البنى السوسيوسياسية والنفسية للبيئة المستضيفة. وتتجلى خطورة هذا الحصان المعاصر في “الكمون الاستراتيجي”، فهو لا ينفجر فور دخوله، بل يمارس حالة من إعادة بناء الشبكات التنظيمية داخل الزنزانات، بانتظار لحظة التصدع السياسي الخارجي. تماماً كما اعتقد أهل طروادة أن الحصان علامة على انتهاء الحرب، قد تتوهم القوى الدولية أن إيداع هؤلاء في السجون هو إغلاق للملف، بينما هو في الحقيقة انتقال من “التنظيم المكاني” إلى “التنظيم الشبكي المستتر”.
ثالثاً: معضلة “الاستشراف الاستراتيجي” وقصور الاستجابة الدولية إن المجتمع الدولي، في محاولته للتخلص من عبء المخيمات (مثل مخيم الهول)، يتبنى مقاربة “الحلول القريبة ” (Short-termism)، وهي مقاربة تفتقر إلى الاستشراف الاستراتيجي. (Strategic Foresight) إن نقل المقاتلين إلى العراق يعزز من فرضية “تصدير الأزمة”، حيث يتم استبدال الاحتواء العسكري المباشر باحتواء قانوني هش، وهو ما يوفر للتنظيم فرصة تاريخية لإعادة هيكلة قياداته داخل “بيئات مغلقة” آمنة من الملاحقات الاستخباراتية المباشرة.
الخاتمة
أن الاستقراءات السوسيوسياسية تؤكد أن سقوط “طروادة” التاريخي لم يكن نتاجاً لتفوقٍ عسكري نمطي، بقدر ما كان تجسيداً لقصورٍ استراتيجي وفشلٍ في تقدير المخاطر الكامنة (Latent Risks) للمدخلات الخارجية. إن نقل المعتقلين لا يمثل “نهاية المطاف” للتنظيم، بل هو إعادة تموضع لمركز ثقل التهديد. إن العالم اليوم أمام مسؤولية إدراك أن “حصان طروادة الإرهابي” لا يُفكك عبر نقله من جغرافيا إلى أخرى، بل عبر استراتيجية شاملة تضمن التحييد الأيديولوجي الكامل، وإلا فإننا بصدد انتظار لحظة الانفجار القادمة من داخل الأسوار.
إن التعامل مع ملف سجناء تنظيم “د1عش” بمنطق “الإزاحة المكانية” هو بمثابة استحضار لسيناريو طروادة بوعي كامل. إن الحصان قد دخل بالفعل، والرهان الآن يعتمد على قدرة الدولة والمجتمع الدولي على إفراغه من محتواه المتفجر قبل أن تفتح الأبواب من الداخل. إن استدامة الأمن القومي لا يتحقق بإبعاد الخطر خلف الجدران، بل بتفكيك البنية التي صنعته من الأساس.
بناءًا على التحليل المتقدم لمخاطر “حصان طروادة الإرهـ ــابـ ــي”، تضع هذه الورقة مجموعة من التوصيات أمام صناع القرار الوطني والدولي:
-
لا يجب الاكتفاء بالفصل الجسدي للسجناء، بل يجب البدء ببرامج “تفكيك الراديكالية” (Deradicalization) تحت إشراف خبراء في السيكولوجيا السياسية وعلم الاجتماع الديني، لضمان عدم تحول السجون إلى حواضن فكرية.
-
تعزيز السجون العراقية بأنظمة مراقبة ذكية قادرة على رصد التفاعلات الحركية واللفظية بين النوى الصلبة للتنظيم وبقية المعتقلين، لمنع تكوين “خلايا السجون النائمة”.
-
يجب على المجتمع الدولي عدم التنصل من التزاماته عبر الاكتفاء بالتمويل اللوجستي لعمليات النقل، بل من خلال إنشاء صندوق دولي لدعم المنظومة العدلية والتأهيلية في العراق، وضمان استعادة الدول لرعاياها من المقاتلين الأجانب لتقليل “الكتلة الحرجة” داخل السجون.
-
ضرورة بناء قاعدة بيانات استخباراتية عابرة للحدود تتبع مسارات السجناء المنقولين وعلاقتهم بالبيئات الاجتماعية المحلية، للحد من مخاطر “العدوى الأيديولوجية” خارج أسوار السجون.



