الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الهوامل والشوامل.. الماركسية وأسئلة الصراع وسلب المعنى وإعادة البناء

بقلم: د. ساعود جمال ساعود
جامعة دمشق
في مقاله المعنون: ” كيف تفكك الماركسية؟” على منصة رؤى “شرق أوسطية”، كتب الأستاذ ستار جبار رحمن المدير التنفيذي للمركز الأوروبي (للشرق الأوسط) وشمال أفريقيا، أوضح فيه أن “الاقتصادوية” ليست مجرد تبسيط عابر للماركسية، بل هي توجه أيديولوجي مُتعمّد يهدف إلى تحييدها وتدجينها. بدلاً من كونها مشروعًا ثوريًا يسعى لتغيير النظام، تُقدّم الماركسية كأداة تحليلية محايدة لفهم الأسواق والعمل، كما تحدث المقال عن ملاحظته لتكتيكات تفريغ الماركسية من محتواها الثوري من خلال نزع البعد الجدلي والسياسي، وعزل رأس المال عبر تجاهل خلفيته الفلسفية والمادية التاريخية التي تُشكّل جوهره، وتجاهل قدرة الماركسية على تفكيك البنى الفوقية مثل الدين، والقانون، والثقافة، والتي تُعدّ أدوات للسيطرة. وفي خضم التنبيهات التي أشار إليها المقال، فقد نوّه لمسألة خطيرة مفادها أيُشير المقال إلى أن المؤسسات الأكاديمية والمالية الدولية، مثل الجامعات والبنك الدولي، لعبت دورًا في هذا التفكيك عبر تحويل الماركسية إلى منهج تقني: تُدرّس أفكار ماركس كأدوات لفهم “عدم المساواة” أو “الفقر البنيوي” دون التطرق إلى مشروعها السياسي الكامل الذي يدعو إلى نقد جذري للنظام الرأسمالي نفسه، وعبر استعارة المفاهيم وتفريغها: تستعير هذه المؤسسات مفاهيم ماركسية جزئية مثل “الطبقات”، ولكنها تُعيد تأطيرها كـ”مشاكل إدارية” أو “تقنية” قابلة للحل دون المساس بجوهر علاقات الإنتاج. وبرأي الأستاذ ستار، لا يقتصر التفكيك على القوى الخارجية فقط، بل يساهم فيه أيضًا بعض الماركسيين أنفسهم، لا سيما في تيارات مثل “الماركسية التحليلية” أو “الماركسية العلمية”، التي تُركّز على الجوانب الكمية والتقنية، ممّا يحوّل الماركسي من مُناضل سياسي إلى مُحلل اقتصادي، ويُفصل النظرية عن جذورها النضالية. وفي الختام، شدّد المقال على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلّب استعادة الماركسية كمنهج جدلي وثوري شامل، وهذا لا يتم عبر بناء “اقتصاد ماركسي بديل”، بل من خلال ربط النظرية بالممارسة: إعادة ربط الماركسية بالحياة اليومية، وصراعات الناس الحقيقية، والعمل السياسي، وفهمها كقوة تغيير: اعتبار الماركسية أداة لفهم العالم وتغييره، لا مجرد أرشيف فكري أو نصوص تاريخية تُقتبس، وتجاوز المراكز الأكاديمية: إعادة ربط الماركسية بالطبقات التي تُعاني من الاستغلال، حيث يُصبح الوعي بالتناقض بداية لفعل جماعي تحرري، باختصار، يرى الكاتب أن الاقتصادوية تُشكّل أخطر تحدٍ للماركسية لأنها لا تُهاجمها صراحةً، بل تُفرّغها من مضمونها الثوري وتمنحها شرعية زائفة ضمن النظام الذي تسعى لتغييره.

عند المراجعة للمقال (كيف تفكك الماركسية؟)، تولّد لدينا العديد من الأسئلة ذات الطبيعة الفلسفية والاقتصادية، فجاءت هذه الدراسة كمحاولة لتوضيح الأسئلة الغامضة التي يثيرها المقال، تاركاً لصاحب المقال السيد ستار جبار العودة للإجابة عليها، إذ هي مجموعة من الأسئلة العميقة التي تتجاوز مجرد تلخيص المحتوى، وتُركز على تحليل الحجج والبنية والآثار، ومن هذه الأسئلة نذكر:
-
هل ما زالت الماركسية مشروعًا ثوريًا في عام 2025؟ نعم، الماركسية لا تزال مشروعاً ثورياً، ولكن بصيغ مُتجددة، لم تعد الثورية تقتصر على الانقلاب السياسي المسلح كما في القرن العشرين، بل تتجلى في النقد الجذري للرأسمالية المعاصرة وقدرتها على تحليل أزماتها المُتجددة (مثل التفاوت الاقتصادي، الأزمة البيئية، والاستغلال الرقمي)، هي مشروع ثوري لأنها تسعى إلى تغيير العلاقات البنيوية للسلطة والملكية، لا مجرد إصلاح النظام من الداخل.
-
لماذا نستغرب محاولات تحجيم الماركسية لطالما أن الأيديولوجيات المتنافسة متحاربة فيما بينها وكل منها يظهر أن الأصح والأنسب وما عداه قاصر؟ لا يوجد استغراب من محاولات تحجيم الماركسية، بل هو أمر متوقع، فكل أيديولوجيا مهيمنة تسعى إلى تحييد أو استيعاب الأفكار التي تهدد وجودها، وإن تحجيم الماركسية إلى مجرد “نظرية اقتصادية” هو استراتيجية واضحة لتفريغها من محتواها الثوري بدلًا من مواجهتها كعدو، يتم “ترويضها” لتُصبح جزءاً من الأكاديميا أو النقاشات المحدودة، مما يُفقدها قدرتها على التعبئة السياسية وهنا الخطورة. ولو سألنا أنفسنا: هل الأطروحة القائلة بأن “الاقتصادوية” تُفرغ الماركسية من محتواها الثوري هي أطروحة جديدة أم أنها تكرار لأطروحات سابقة؟ وما مدى أصالتها في سياق النقد الماركسي الحالي؟ فالجواب إن أطروحة المقال ليست جديدة تماماً، فقد تناول العديد من المفكرين الماركسيين، مثل أنطونيو غرامشي ولوي ألتوسير، فكرة تحييد الماركسية وتحويلها إلى مجرد أداة تحليلية، ومع ذلك، فإن المقال يعيد طرح هذه الأطروحة في سياق معاصر، مسلطًا الضوء على دور الليبرالية الجديدة والمؤسسات العالمية في هذه العملية.
-
ما الأصل من النظرية الماركسية؟ فكر أم سياسة؟ هل العزل ممكن؟ ولطالما أن الجسد الفكري قد أوضح الرؤية الشمولية والمغزى الأيدولوجيا للنظرية، أليس من الأفضل التثبيت على الترجمة النفعية التي تتجلى بالعمل السياسي لتحقيق أهداف الماركسية؟
من المعروف أن الأصل في الماركسية هو الجدل بين الفكر والسياسة، ولا يمكن فصلهما، فالفكر (التحليل النظري) يخدم السياسة (العمل الثوري)، والسياسة تُوجّه وتُغذّي الفكر، لذا إن محاولة عزل الجانب الفكري عن الجانب السياسي هي في جوهرها عملية تفكيك للنظرية. كما أن التثبيت على “الترجمة النفعية” للعمل السياسي فقط هو فخ خطير يؤدي إلى فقدان العمق النظري الذي يمكّن من فهم التحولات في النظام الرأسمالي، ويحوّل الماركسية إلى مجموعة من الشعارات الجاهزة وغير الفعالة.
-
هل يمكن إعادة صياغة الأسس التي قامت عليها الماركسية بهدف سحب الحجة ممن يحولها إلى مقاربة نظرية للتفسير والتحليل فقط، بهدف لتتناسب وتلبي التطورات المستجد فيما يتعلق بالنظريات الاقتصادية وأنماط الإنتاج وأدواته ومصادره؟
من غير الممكن إعادة صياغة الأسس (مثل المادية التاريخية، الصراع الطبقي، وفائض القيمة) دون تدمير جوهر النظرية، هذه الأسس هي الإطار التحليلي الذي يجعل الماركسية قادرة على تفسير التطورات الجديدة في أنماط الإنتاج (مثل الرأسمالية الرقمية والبيانات كسلعة)، والمطلوب ليس إعادة صياغة الأسس، بل تطبيقها بشكل خلّاق على الواقع المعاصر، فالماركسية منهج حيّ يُستخدم لفهم التغييرات، وليس عقيدة جامدة تحتاج إلى تعديل.
-
هل نحن بحاجة إلى إعادة التعريف بدور ماركس؟ هل رسم ماركس خارطة لإدارة الاقتصاد أم أنه دخل في نطاق التنظير الاقتصادي فقط؟
نحن بحاجة إلى إعادة قراءة دوره الحقيقي، حيث لم يكن ماركس يهدف إلى رسم “خارطة لإدارة الاقتصاد” بقدر ما كان يسعى إلى نقد الاقتصاد السياسي البرجوازي، وكشف آليات الاستغلال التي يقوم عليها. كما أن كتابه “رأس المال” ليس مجرد عمل في الاقتصاد، بل هو تحليل فلسفي عميق لطبيعة السلعة والعمل، كاشفًا عن الأبعاد الاجتماعية للقوة والسيطرة، إذ كان دوره تنظيرياً بامتياز، بهدف توفير الأدوات الفكرية اللازمة للتحرر.
-
على فرض نحن مضطرين لإعادة إثبات أن كتاب رأس المال نقداً للاقتصاد البرجوازي وأنه مشروع فلسفي ينبع من المادية التاريخية؟ فكيف نعيد إثبات ذلك؟ وماذا نستفيد اقتصادياً في عالم اليوم؟
لإعادة إثبات أن “رأس المال” عمل فلسفي ونقدي، يجب أن نبتعد عن قراءته ككتاب اقتصادي بحت، ويُمكن إثبات ذلك بالتركيز على المنهج الجدلي بهدف إظهار عدم اكتفاء ماركس بوصف آليات السوق، بل حلل التناقضات الداخلية التي تقود النظام الرأسمالي، مثلاً بدأ بظاهرة بسيطة مثل “السلعة” وأظهر كيف تحمل في داخلها تناقضات أعمق تؤدي إلى مفاهيم مثل القيمة، والعمل، وفائض القيمة هذا المنهج الجدلي هو جوهر الفلسفة الماركسية التي ترى أن الواقع ليس ثابتًا بل هو في حالة تطور وصراع مستمر. إضافة إلى المنهج الجدلي يمكن التركيز على نقد الاقتصاد السياسي، كان هدف ماركس هو تفكيك الافتراضات الأساسية للاقتصاديين الكلاسيكيين مثل آدم سميث وريكاردو، حيث لم يأتِ لتقديم نظرية اقتصادية بديلة، بل ليُظهر أن قوانين السوق التي يراها هؤلاء الاقتصاديون “طبيعية” و”أزلية” هي في الحقيقة نتاج تاريخي لعلاقات إنتاج معينة.
إضافة إلى ما سبق يُمكننا الاستفادة من هذه القراءة لإظهار أن الأزمات الاقتصادية (مثل الأزمة المالية 2008) ليست مجرد “أخطاء إدارية”، بل هي نتيجة حتمية للتناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي، حيث يُساعد هذا الفهم على تجاوز الحلول السطحية، ويُحفّز التفكير في بدائل جذرية للنظام الاقتصادي الحالي.
-
ما الغايات التي تقف وراء إعادة تشكيل الماركسية بطريقة تُناسب الأطر النيوليبرالية من قبل المؤسسات الليبرالية؟ ولماذا تتعمد إضعاف البعد الثوري؟ بنظرهم هذا امر مشروع وضروري، والهدف الرئيسي من إعادة تشكيل الماركسية بما يتناسب مع الأطر النيوليبرالية هو تحييدها وتجريدها من طابعها الثوري، حيث تتعمد المؤسسات الليبرالية إضعاف البعد الثوري لعدّة أسباب أبرزها نزع الشرعية عن النقد الجذري من خلال تحويل الماركسية إلى مجرد أداة تحليلية، يصبح النقد الماركسي للنظام الرأسمالي مقبولا أكاديمياً، ولكنه يُفقد قوته كدعوة للتغيير الجذري، هذا يُحوّل الماركسي من ثوري إلى محلل اقتصادي، مما يجعله جزءاً من المنظومة بدلاً من كونه خصمًا لها، بالإضافة إلى سبب أخر يتمثّل بتجنب المواجهة الطبقية، حيث يُركّز الفكر النيوليبرالي على حل المشاكل ضمن إطار النظام القائم، فعندما تُفهم المشاكل مثل الفقر وعدم المساواة كمشاكل “تقنية”، فإن ذلك يُلغي الحاجة إلى الحديث عن الصراع الطبقي أو إعادة توزيع السلطة والثروة بشكل جذري.
-
ما هي الأسباب التي تقف خلف تصوير المؤسسات الليبرالية لماركس كمفكر كلاسيكي، لا كثائر جدلي؟ عندما يُصنّف ماركس بجانب سميث وريكاردو، فإنه يبدو كأحد المنظرين الاقتصاديين الذين ساهموا في فهم الرأسمالية، وليس كمنظر ثوري سعى إلى هدمها، هذا التصوير من شأنه أن يُقلل من تهديده الأيديولوجي، حيث يُحيل ماركس من شخصية ثورية محرضة إلى مجرد “مؤلف تاريخي” أو “أستاذ جامعي”. إضافة إلى إغفال مشروعه السياسي، فيُصبح النقاش حول ماركس مقتصرًا على نظرياته في القيمة أو تراكم رأس المال، مع تجاهل أطروحته الأساسية حول ضرورة الثورة لتغيير علاقات الإنتاج.
-
على فرض ان هناك محاولات لنسف الماركسية وتحويلها إلى إرث نظري، هل هذا من باب العيوب التي تعاني منها؟ أم أن هناك محاولات لتعويم الرأسمالية الليبرالية باعتبارها النموذج الأهم والأصح؟
تحويل الماركسية إلى إرث نظري ليس عيباً ذاتياً فيها، بل هو محاولة واعية لتعويم الرأسمالية الليبرالية وإظهارها كنموذج نهائي، فالرأسمالية التي واجهت انتقادات حادة من ماركس، تسعى إلى استيعاب هذه الانتقادات وتفكيكها من الداخل عبر تحويل الماركسية إلى مجرد “أرشيف فكري” تُصبح أدواتها التحليلية مجرد مادة بحثية، بينما يُفقد مشروعها الجذري هدفه في تغيير الواقع، هذه العملية جزء من الهيمنة الأيديولوجية التي تعمل على إضعاف كل ما يُهدد النظام القائم، بدلاً من قمعه بشكل مباشر.
-
ماذا يقوم السلوك المؤسساتي للمنظمات الدولية بنك دولي صندوق دولي باستخدام مصطلحات الماركسية وإنكار مضمونها بالمعنى الماركسي؟
هذا السلوك هو أحد أكثر أشكال “الاقتصادوية” دهاءً، حيث تستخدم المنظمات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مصطلحات مثل “الطبقات” و”الفقر البنيوي” و”الاستغلال” لأهداف مثل إعطاء مصداقية لخطابها، إذ إن استخدام هذه المصطلحات يُعطي انطباعاً بأن هذه المؤسسات تُدرك عمق المشاكل الاجتماعية وتتعامل معها بجدية. إضافة لهدف أخر يتمثل بإفراغ المصطلحات من محتواها رغم استخدام الكلمات، تُعيد هذه المؤسسات تعريفها، فـ”الفقر البنيوي” لا يُصبح نتيجة لعلاقات الإنتاج الرأسمالية، بل مشكلة “إدارية” يمكن حلها عبر برامج التنمية، و”الطبقة” لا تُفهم كطرف في صراع اجتماعي، بل كمجموعة سكانية تحتاج إلى الدعم، هذه أمثلة، الهدف الأهم هو استيعاب المقاومة فمن خلال تبنّي لغة الخصم، تُضعف هذه المؤسسات الخطاب النقدي الماركسي، مما يجعل من الصعب على الثوريين انتقادها عندما تستخدم نفس المصطلحات.
-
هل نحن أمام ظاهرة تسطيح الفكر الماركسي؟ ما الغايات؟ ما المكاسب؟ نعم، نحن أمام ظاهرة تسطيح واضحة للفكر الماركسي تُعرف بـ”الاقتصادوية”، وأما الغايات، فتهدف هذه الظاهرة إلى تحييد الفكر الماركسي، وتجريده من طابعه الثوري والسياسي، وتحويله إلى مجرد أداة تحليلية محايدة. هذا يتيح للنظام القائم استيعاب بعض مفاهيمه دون المساس بجوهره.
أما المكاسب، فالنظام الرأسمالي الليبرالي يكسب من هذا التسطيح من خلال إظهار قدرته على استيعاب النقد، مع الحفاظ على بنيته الأساسية. كما أنه يُضعف من قدرة الماركسية كقوة مُحرضة للتغيير الجذري، ويُفرّغها من محتواها النضالي.
-
على فرض نحن أمام محاولات ممنهجة لتحجيم الماركسية كإيديولوجيا خصوصا الجانب العقائدي الفلسفي الفكري، هل يوجد تيار يركز بممارساته الفكرية على إعادة بناء الأساس النظري وتشكيل درع وقائية ضد الهجمات ضد الجانب النظري للماركسية؟ نعم، توجد تيارات فكرية ومجموعات أكاديمية تكرس جهودها لإعادة بناء الأساس النظري للماركسية، تُعرف هذه التيارات بـ”الماركسية النقدية” أو “النظرية النقدية، تعمل هذه المجموعات على تحديث المفاهيم الماركسية لمواجهة تحديات عالم اليوم، مثل الأزمات البيئية، وتأثير التكنولوجيا، وأشكال الهيمنة الثقافية الجديدة، بهدف تشكيل درع وقائية ضد التسطيح الأيديولوجي.
-
ما مدى قدرة الدول المقتنعة بالماركسية على إحداث تغيير جذري في علاقات الإنتاج في عالم اليوم؟ هنا السؤال الأهم والأخطر، الجواب، إن قدرة الدول المقتنعة بالماركسية على إحداث تغيير جذري في علاقات الإنتاج ضعيفة جدًا في عالم اليوم، لماذا؟ أولًا، لا توجد دول تتبنى الماركسية بشكلها الثوري الكامل، ثانياً، حتى الدول التي تُصنّف نفسها اشتراكية (مثل كوبا أو فيتنام) تواجه ضغوطًا اقتصادية وعقوبات دولية تُجبرها على التكيف مع النظام الرأسمالي العالمي، كما أن التغيير الجذري يتطلّب نضالاّ أممياّ، وليس قراراّ من دولة واحدة.
-
هل الماركسيون اليوم بحالة تؤهلهم لخوض ثورة في دول رأسمالية؟ الجواب الصريح لا، الماركسيون اليوم ليسوا في حالة تؤهلهم لخوض ثورة بالشكل الكلاسيكي، لماذا؟
هناك العديد من الأسباب منها: تفتقر الحركات الماركسية إلى التنظيم الجماهيري القوي والقيادة الموحدة، وتتوزع جهودها بين العمل الأكاديمي والحركات الاجتماعية المتفرقة، بالمقابل، تتمتع الدول الرأسمالية بآليات قمع ورقابة قوية، وتتحكم في وسائل الإعلام، وتُدير نظماً اقتصادية تُتيح لها امتصاص الصدمات، لذا، فإن الحديث عن ثورة تقليدية يُعتبر غير واقعي في الوقت الحالي.
-
على فرض أن الرسمالية الليبرالية تسد ثغراتها من أفكار ومبادئ ماركس بعد إعادة تحويرها، هل يمكن تحقق التجانس بين الأفكار المأخوذة من ماركس وأفكار الرأسمالية الليبرالية اصطلاحاً، هل يمكن التوفيق وإلى أي درجة؟!
الجواب: لا، لا يمكن تحقيق التجانس بين أفكار ماركس والرأسمالية الليبرالية، لأن أفكار ماركس (مثل الصراع الطبقي، وفائض القيمة، وإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج) تتناقض بشكل جذري مع المبادئ الأساسية للرأسمالية الليبرالية (الملكية الفردية، والسوق الحرة، والفردية(، وما يحدث هو استيعاب جزئي للمفاهيم الماركسية بعد تحويرها، وليس تجانساً، على سبيل المثال، يمكن للرأسمالية الليبرالية أن تتبنى مفهوم “الفقر البنيوي” كذريعة لإصلاحات اجتماعية محدودة، دون أن تعالج سبب الفقر الأساسي وهو علاقات الإنتاج. هذا التوفيق هو شكلي وليس جوهرياً، ولا يلغي التناقض الأساسي بين النظامين.
-
حول أسباب الاستهداف، لماذا لم تقل لقلة الترجمات العملية للفكر الثوري الماركسي، ولانعدام الثقة بألياته ونتائجها على أرض الواقع؟ لم يتم ذكر ذلك، لأن السبب يكمن في طبيعة الاقتصادوية نفسها، التي لا تُقيد الماركسية بالآليات العملية، بل تفرغها من محتواها الثوري، بمعنى آخر، المشكلة ليست في نقص الترجمة العملية، بل في أن الماركسية تُدرّس وتُستخدم كأداة تحليلية محايدة ضمن الأطر الرأسمالية، كذلك انعدام الثقة بالآليات الماركسية هو نتيجة مباشرة لعملية التدجين هذه، وليس سببًا لها، عندما تُقدَّم الماركسية كعلم نظري جامد، ينفصل عن صراعات الناس اليومية، يصبح من الطبيعي أن تتلاشى الثقة في قدرتها على إحداث التغيير.
-
إذا اعتبرنا الكلام صحيح أن الاقتصادية تفرغ مضمون الماركسية من الداخل وتمنحها شرعية من الخارج، لنسأل أنفسنا: ما الجدوى العملية للنظرية الماركسية في عالم اليوم في ظل الأيديولوجيات والنظريات الاقتصادية المتنافسة والمسيطرة والأنماط الإنتاجية والعلاقات الاقتصادية السائدة؟
تكمن الجدوى العملية للماركسية في قدرتها على تقديم تحليل نقدي عميق للواقع الاقتصادي والاجتماعي المعاصر، ففي عالم اليوم، حيث تتزايد التفاوتات الاقتصادية وتتعمق الأزمات المالية والبيئية، لا تزال الماركسية قادرة على الكشف عن التناقضات، حيث تُفسّر الماركسية لماذا لا يُؤدّي النمو الاقتصادي بالضرورة إلى تحسين حياة الأغلبية، وتُشير إلى أن الأزمات هي جزء لا يتجزأ من النظام الرأسمالي، إضافة إلى توفير إطار للعمل، حيث تُقدم مفاهيم مثل الاستغلال الطبقي وفائض القيمة أدوات لفهم الصراعات في مكان العمل وخارجه، مما يُساعد الحركات الاجتماعية على تنظيم نفسها بشكل أكثر فعالية. وكذلك المساعدة في بناء البدائل، حيث لا تكتفي الماركسية بالنقد، بل تُشجع على التفكير في أشكال تنظيم اجتماعي واقتصادي بديلة، لا تقوم على الاستغلال والربح، بل على التعاون والعدالة.
-
هل نحن متعصبون عندما نتحدث عن الاقتصادوية؟ وهل من يعتبرها مجرد جسد اقتصادي أكثر واقعية؟
التحدث عن الاقتصادوية ليس تعصبًا، بل هو نقد منهجي يهدف إلى حماية الفكر الماركسي من الاختزال والتحريف، هذا النقد يُميّز بين “اقتصاد ماركس“ الذي هو تحليل شمولي للنظام الرأسمالي، وبين “الاقتصادوية” التي تُجرّد هذا التحليل من محتواه الفلسفي والسياسي.
-
هل يقع المقال في فخ “المركزية الأوروبية” في تحليله، أم أنه يأخذ في الاعتبار كيف أن الماركسية تُفهم وتُطبق في سياقات عالمية مختلفة (مثل أمريكا اللاتينية أو العالم العربي)؟
أعتقد أنه تم الوقوع جزئياً في فخ “المركزية الأوروبية” في التحليل المذكور بدليل التركيز بشكل كبير على كيفية استيعاب وتشويه الماركسية من قبل المؤسسات الليبرالية الغربية مثل الجامعات والمنظمات التنموية في حين تم تجاهل السياقات العالمية، فالمقال لا يأخذ في الاعتبار بشكل كافٍ كيف تم تكييف الماركسية وتطبيقها في سياقات غير أوروبية، ففي أمريكا اللاتينية، تطورت تيارات ماركسية فريدة مثل “لاهوت التحرير” و”الماركسية اللاتينية”، التي دمجت التحليل الطبقي مع قضايا الاستعمار، والعرق، والقومية، هذه التيارات لم تُختزل في مجرد نظرية اقتصادية بل ظلت مرتبطة ارتباطًا وثيقاً بالنضالات التحررية.
بالمقابل يتجاهل المقال خصوصية الماركسية في العالم العربي، حيث تأثرت بالصراع ضد الإمبريالية، وقضايا الاستبداد السياسي ودور القومية، وكانت الماركسية العربية في كثير من الأحيان قوة فاعلة في حركات التحرر الوطني، وتجاوزت كونها مجرد أداة تحليل اقتصادي، بالنتيجة إنّ هذا المقال وإن نقدًا مهماً لظاهرة “الاقتصادوية”، إلا أنه يفشل في تقديم تحليل شامل لكيفية فهم وتطبيق الماركسية في سياقات عالمية متنوعة، مما يجعله يقع في قصر النظر الأوروبي في هذا الجانب.
-
الرؤية البناءة لاستعادة الماركسية لا تهدف إلى إعادة قراءة ماركس كنص مقدس، بل إلى إعادة تنشيط الماركسية كأداة تحليلية وفعل سياسي، تتكون هذه الرؤية من عدة محاور أساسية:
أ. العودة إلى الجدل: يجب التوقف عن قراءة الماركسية كعلم اقتصادي جامد والعودة إلى منهجها الجدلي الأصيل، وهذا يعني فهم العلاقات بين البنية التحتية (الاقتصاد) والبنية الفوقية (الثقافة، السياسة، القانون)، كعلاقة تفاعلية ومتبادلة، وليست علاقة سببية خطية، حيث ترى الماركسية الجدلية أن التناقضات لا تظهر فقط في قوانين السوق، بل تتجسّد أيضاً في الأيديولوجيات والمؤسسات الاجتماعية.
ب. التأكيد على البعد البنيوي: يجب مواجهة النزعة الليبرالية التي تختزل المشاكل الاجتماعية إلى قضايا إدارية أو فردية، حيث إن مجرد إصرار الماركسية الثورية على أن الفقر والبطالة والاستغلال هي نتائج بنيوية للنظام الرأسمالي، وليست مجرد “أخطاء في السياسات”. من هنا، يصبح النضال من أجل التغيير البنيوي- الذي يتطلب إعادة توزيع وسائل الإنتاج والسلطة- أمرًا لا مفر منه.
ج. ربط النظرية بالعمل المباشر: يجب العمل من قبل طبقة المنظرين الجدد على تطويع المفاهيم الماركسية بحيث تصبح أدوات للتحليل في سياق النضالات اليومية، فمثلاً يمكن استخدام مفهوم “فائض القيمة” ليس فقط في الدراسات الأكاديمية، بل في حملات العمال من أجل أجور أفضل، كما يمكن استخدام مفهوم “الاستلاب” لتفسير شعور الأفراد بالغربة في ظل نظام إنتاجي لا يتحكمون به، مما يحفزهم على التنظيم والمقاومة.
د. توسيع مفهوم الطبقة: يجب تجاوز الفهم الضيق للطبقة العاملة كعمال المصانع فقط، إذ يجب على الماركسية الحديثة أن تشمل العاملين في الخدمات والمهمشين والمزارعين والمهاجرين والطبقة العاملة الرقمية، حيث يعاني هؤلاء من أشكال مختلفة من الاستغلال، وتوحيدهم هو خطوة ضرورية نحو بناء حركة ثورية واسعة.
ه. تجاوز المراكز الأكاديمية: على الماركسيين النزول من “برج العاج” الأكاديمي، والعمل مع الحركات الاجتماعية والمنظمات الشعبية. فالمعرفة الماركسية يجب أن تُنتج وتُثقف وتُطبَّق في قلب الصراع الاجتماعي، وليس فقط في قاعات المحاضرات.
و. الرؤية الشمولية الإجمالية: الرؤية البناءة للماركسية الثورية تتلخص في تحويلها من مجرد “نظرية تحليلية” إلى أداة كفاح، تُستخدم لفهم العالم، وتغييره في الوقت نفسه، هذا هو جوهر التزام ماركس الأصلي.
تبقى لنا أن نسأل: أين هم الثوريون الماركسيون في عالمنا اليوم؟
الواقع يشهد ويقر ولا مجال للتجاهل، أن الأحزاب الشيوعية التقليدية تراجعت، وتزايدت الانتقادات للماركسية، إلا أن الماركسيين الثوريين ما زالوا موجودين وفاعلين في عالمنا اليوم، ولكن لم يعد الماركسيون الثوريون مقتصرين على قيادة ثورات مسلحة أو حكم دول، بل أصبحوا يعملون ضمن سياقات متعددة، حيث نجد الماركسيين الثوريين اليوم في الأوساط الأكاديمية والفكرية، حيث العديد من الفلاسفة، وعلماء الاجتماع، والمنظرين السياسيين يواصلون تطوير النظرية الماركسية، وتقديم تحليلات نقدية للرأسمالية المعاصرة، ويركز هؤلاء المفكرون على قضايا مثل العولمة، الليبرالية الجديدة، الأزمات البيئية، وأنظمة السلطة، ومن أبرز الأسماء المعاصرة التي استلهمت الماركسية: سلافوي جيجيك ودافيد هارفي، وفردريك جيمسون، كما نرى الماركسيين في الحركات الاجتماعية والنضالات المحلية التي تُعنى بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية، حيث يشاركون في تنظيم النقابات العمالية، وحركات الاحتجاج ضد التقشف، والنضالات من أجل حقوق المهاجرين، ويسعون إلى ربط هذه القضايا بجذورها البنيوية في النظام الرأسمالي، كما نراهم ضمن الأحزاب والمنظمات السياسية، حيث هناك أحزاب ومنظمات ماركسية ثورية صغيرة ومؤثرة في العديد من البلدان، ومن الأمثلة على ذلك التيار الماركسي الأممي الذي له فروع في أكثر من 40 دولة، وبالمجمل، يمكننا القول أن الماركسية الثورية لم تختف، بل انتقلت من كونها قوة سياسية موحدة وقائدة، إلى قوة فكرية ومنهجية تؤثر في مختلف الحركات الاجتماعية والسياسية والفكرية.
الخاتمة
إن القول إن هناك من يريد تحويل الماركسية من مشروع ثوري إلى “مجرد أداة تحليلية محايدة” المراد به تحويل الماركسية إلى مقاربة نظرية فقط، للتفسير والتحليل وتقويم السلوك على أساسها ومن منظورها، ولكن الماركسية في أحد أبعادها تُعنى بهذا المسار، لذا لا ضير، لطالما أن هناك دول تبنتها بفترات سابقة ولغاية الأن، كأساس للبناء والتخطيط الاقتصادي من جهة، وجوهر عقيدتها الاقتصادية، رغم محاولات المواكبة والمسايرة التي تجلت بالدمج بين النظم الاقتصادية. وفيما يتعلّق بالقول إن: ” الاقتصادوية إحدى آليات تفريغ الفكر من بعده الجدلي، فتصبح اللغة الثورية مجرد قشرة، لا تهدد جوهر النظام”. نقول: إذا ما المطلوب؟ المطلوب جيل جديد من منظري الماركسية يعيدون يعيدون تعريفها بوصفها أيديولوجيا قامت على فلسفات وأفكار وعقائد …، وإفراد أبعاد النظرية بعضها عن بعض على شكل أجزاء، تؤلف بالنهاية الجسد الإجمالي لها.



