الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
سلاح فصائل المـ ـقاومة .. بين متطلبات بناء قوة الدولة والمخاطر المحتملة

بقلم: الفريق الركن حسن سلمان البيضاني
هيئة الحشد الشعبي
هدأت نوعما العاصفة التي اثارتها قرارات البعض من فصائل المقاومة الإسلامية العراقية بالتخلي عن خياراتها العسكرية والركون الى وضع أسلحتها تحت عباءة الدولة العراقية وسيطرتها هذه العاصفة التي قادتها وروجت لتصعيدها الى الحد الأعلى وسائل الاعلام المخالفة لتوجه تلك الفصائل، بل وصل الامر بالبعض منها من انه ربط هذا التخلي والذهاب باتجاه مدنية الدولة الى الخشية من التهديدات الأمريكية المزعومة والتي هي الأخرى انتابتها ضبابية كثيفة بحيث من الصعب القرار على مدى دقة وصحة هذا التصريح او ذاك اذ تضاربت الى حد كبير تلك التصريحات التي نسبت في غالبيتها الى احد أعضاء الكونجرس والى من اسماه ترامب بممثله او مبعوثه الى العراق (سافيا) رغم ان الأخير وحسب ما ورد على لسان وزارة الخارجية الامريكية لا يمثل رأي الحكومة الامريكية ولم يسمح له لحد الان بزيارة العراق.
بالمقابل فان قراءة للواقع الأمني والعسكري داخليا واقليميا قد يكون هو الدافع للبعض من تلك الفصائل لنزع أسلحتها والذهاب باتجاه الخيار المدني حيث قوة الدولة فهي تشعر بان ما حصل من متغيرات ومن صعود القوى الممثلة للفصائل بأعداد غير مسبوقة الى قبة البرلمان يستوجب الموازنة بين خيار البقاء على ما كان الامر عليه قبل الانتخابات وبين ما تستوجبه الحالة الحاضرة أي الواقع القائم ما بعد الانتخابات من تغييرات جذرية في طبيعة المواقف، في ذات الوقت الذي لم يؤيد البعض الاخر من تلك الفصائل هذا الخيار بل وجدو فيه نوع من التخلي الغير المضمون لمقومات ومرتكزات قواتها تجاه التهديدات والتحديات القائمة، وبين هذا الخيار او ذاك وبين الدافع الحقيقي للتخلي عن الاسلحة وما يطرح من احتمالات يجد المواطن العراقي نفسه غارقا في ضبابية غير معهودة لاستقراء ما حصل وما سيحصل.
مصادر تسليح الفصائل (العودة الى ما قبل 2014)
حال سقوط بغداد و انهيار النظام الصدامي برزت الى الأفق الكثير من الجهات الرافضة للتواجد الأمريكي على ارض العراق البعض منها ارتدى عباءة الإرهــ ــاب وتعامل مع الحالة القائمة بشكل دموي حيث اعتبر ان كل ما يمثله النظام الجديد في العراق بمثابة عدو يتوجب مقاتلته ولم يتوقف الامر عند هذا الحد لدى هؤلاء بل انهم باشروا وبدفع من قوى إقليمية ودولية الى جر العراق برمته الى حرب طائفية، البعض الاخر نأى بنفسه عن ان يكون طرفا في استهداف النظام الجديد او عموم الشعب وراح يعمل من اجل مقاومة المحتل فقط دون غيره وهكذا نجد ان الساحة المسلحة بالعراق قد بدأت بالاتساع مما استوجب ان تحصل هذه الفصائل سوى من قاوم منها المحتل فقط او من اندرج ضمن قائمة التنظيمات الإرهــ ــابــ ـــية على كم هائل من الأسلحة التي باتت تدخل الى العراق بكل حرية رغم الوجود الأمريكي وقوته المزعومة، ظاهرة التسلح المعلن منها لا يتعدى أجزاء بسيطة او محدودة من القدرات التي تمتلكها سواء من ناحية التسليح او التجهيز او الاستعداد القتالي وهنا برت الى الوجود ظاهرة التسلح العقائدي والتسلح القبلي والتسلح المناطقي وبين هذا التسليح او ذاك لم يعد بالإمكان السيطرة على بيئات كاملة اما لأسباب تتعلق بقدرتها على المواجهة نتيجة ضعف قدرة الأجهزة الأمنية الحكومية، او تلك التي تتطلبها الحالة القائمة لمحاربة الإرهــ ــاب او التي اريد منها ان تكون قوة توازن بين هذا الطرف او ذاك داخل العراق.
جميع الفصائل التي قاتلت الإرهــ ــاب حاولت ان تبني لنفسها أنظمة عسكرية مغلقة غير قابلة قدر الإمكان للاختراق كما انها حاولت ان تمد جسور التعاون مع جهات إقليمية لرفدها بالأسلحة او التجهيزات فضلا عن ما حصلت عليه من تلك المعدات او الأسلحة سواء بعد سقوط النظام الصدامي او بعد اجتياح د1عش للموصل ومناطق واسعة من العراق وترك الجيش والشرطة الاتحادية لأسلحته وتجهيزاته حتى خارج حدود المواجهة او ما تم الاستيلاء عليه خلال معارك التحرير بعد انهيار تنظيم داعش وخسارته لكل الأراضي التي سبق له ان سيطرت عليها خلال حزيران وتموز من عام 2014، وهكذا نجد ان مصادر تسليح الغالبية العظمى من هذه الفصائل لم يكن يجري وفق السياقات التقليدية لعقود التسليح وهذا الامر ساهم والى حد كبير في صعوبة تخمين ما تمتلكه تلك الفصائل من أسلحة.

الانهيار والبديل المقـ ـاوم
لم تكن الأيام التي سبقت ليلة سقوط الموصل والتي ابتدأت من يوم 3 حزيران وحتى ليلة 9/ 10 حزيران بالأيام التقليدية على عموم العراق والمنطقة فقد كانت بوادر تمددت د1عش قد ظهرت الى الوجود بعد ان جرى خلق افضل بيئة مناسبة لهذا التمدد، بل ان كل ما كان يحصل حينها محسوب من قبل دوائر إقليمية ودولية لتحقيق هدف فشلت في تحقيقه لسنوات طويلة امتدت من الربع الأخير من عام 2003 حيث تفجير مبنى الأمم المتحدة و السفارة الأردنية و استهداف الشهيد الحكيم في مركز الحوزة العلمية في النجف الاشرف وحتى نهاية عام 2013 حيث باتت الانبار بكاملها تحت الهيمنة المطلقة لد1عش بفضل تصاعد شدة الاحتجاجات المصحوبة بالدعم الإرهـ ــابي المطلق في ما اطلق عليه (ساحات العزة والكرامة) يقابل ذلك تصعيد غير مسبوق في العمليات الإرهــ ـــابــ ــية في الوسط والجنوب التي وصلت ذروتها بتفجير (مطعم فدك) في طريق الناصرية والتفجيرات التي استهدفت أي وجود شيعي في آمرلي و داقوق وتلعفر ولم يسلم حتى الشبك من هذه التفجيرات، ناهيك عن ما كان يحصل في بغداد من تفجيرات البعض منها ذو طابع سياسي صرف اريد منه تصفية الحسابات والبعض الاخر اتخذ شكلا دمويا غير مسبوق وتنفيذ عالي الدقة من قبل تنظيمات د1عش ومنها ما حصل في مدينة الصدر، كل ذلك كان يحصل ود1عش ترفع من مستوى خطابها الإرهــ ــابي والاجرامي بعد الإعلان عن قيام (الدولة الإسلامية في العراق والشام) في 8 نيسان 2013 تحت قيادة من جرى تهيئته وهو في معسكر بوكا (أبو بكر البغدادي) وتحت اشراف مباشر من قبل الامريكان انفسهم.
فصائل المقـ ـاومة الإسلامية في العراق التي قاتلت الارهــ ــاب لم تقف حينها مكتوفة اليد بل ان العديد منها وفي مقدمتها كتائب حZب الله اشتركت بشكل مباشر في درء الخطر الد1عشي وهذا ما حصل حينما كلفت قوة من هذا الفصيل بمسك منطقة الهياكل المحاذية للفلوجة (ابنية جامعة الفلوجة الغير مكتملة حينها) في مطلع عام 2014 بعد ان فرضت د1عش كامل سيطرتها على الفلوجة الكرمة والصقلاوية والنعيمية وما حولها بحيث تحول هذا الفصيل المقاوم الى ما يمكن ان نسميه (القوة الساترة للدفاع عن بغداد ) بعد ان عجزت القوات الأمنية الأخرى التي كانت تعاني من بوادر تفشي الضعف والانهيار في صفوفها في منع خطر تمدد د1عش، وقد اسند هذا الفصيل بمجاميع من فصائل أخرى غير معلنة، في ذات الوقت بدأت قيادات العديد من الفصائل تشعر بان الأيام القادمة حبلى بالأحداث الجسام وحاولت جاهدة ان توضح للقائمين على الملف الأمني من وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز مكافحة الإرهــ ـــاب وللقائد العام للقوات المسلحة شخصيا ان هنالك بوادر لانفلات امني خطير يتوجب اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة الا ان إرادة الامريكان في منع الفصائل من ان تلعب أي دور في تلك المرحلة فضلا عن معارضة قوى سياسية أخرى منع أي توجه مبكر تتخذه حكومة المالكي لتكرار تجربة كتائب حZب الله الناجحة في هياكل الفلوجة لمواجهة الاخطار القائمة والمحدقة بالعراق حينها.
ماهي الا أيام معدودة وبعد انتهاء معركة جس النبض التي حصلت داخل ازقة سامراء للأيام من 3 الى 6 حزيران 2014 والتي ارادت منها قيادة د1عش العسكرية تحديد قوة رد الفعل للقوات المسلحة العراقية، حتى بدأت د1عش بإخضاع خمسة احياء من الشمال الغربي للموصل بالكامل لسيطرتها المطلقة لتنطلق منها ليلة 7 /8 حزيران نحو عمق المدينة قاصدة جسورها الأربعة ومن بعدها الاستيلاء على الساحل الايسر منها، بعد ان يكون الساحل الأيمن بالكامل قد خلى من أي مقاومة تذكر، وان مراكز الثقل العملياتية فيه والمتمثلة بمقر قيادة العمليات و معسكر الغزلاني و مطار الموصل وفندق نينوى اوبرا قد باتت تحت السيطرة الكاملة لمجاميعها الإرهــ ـــابــ ـــية التي لم تعاني كثيرا وهي تنهي احتلال الموصل بالكامل والمدافع عنها بأكثر من 70 الف مقاتل من القوات المسلحة العراقية بسهولة بالغة فاجئت قيادات د1عش نفسها، لتغير د1عش من تعبية القضم التي اعتمدها الى تعبية الاندفاع السريع حتى وصلت الى جدران بغداد واحتلت قرابة 40 % من الأراضي العراقية في اقل من 72 ساعة.
أسلحة فصائل المقـ ـاومة ومعارك التحرير
بعد كل الذي حصل باتت الحكومة العراقية على المحك امام الشعب الذي صعق بما كان يحصل لم تكن هنالك خيارات متعددة فالأمريكان كعادتهم تخلوا تماما عن الدفاع عن بغداد ووجهوا كل طائراتهم المتيسرة في الأراضي العراقية صوب حدود أربيل بعد ان باتت عاصمة الإقليم على مرمى حجر من مجاميع د1عش الإرهــ ــابـ ــية التي ازاحت قوات البيشمركة عن طريقها دون قتال نتيجة الروح الانهزامية التي تلبست في هذه القوات وقياداتها كما هو الحال للغالبية العظمى من القوات المسلحة العراقية، في حين ان احتياطات القائد العام للقوات المسلحة التي عول عليها كثيرا كانت قد استهلكت في معارك فاشلة منها عمليات (الثأر للشهيد محمد) في وادي حوران وغيرها من قبل قيادة العمليات المشتركة التي كانت تقاد من قبل عقليات متحجرة لا تعي خطورة الموقف ولم تكن تمتلك أي تصور مستقبلي لما كان قد يحصل مستقبلا.
ما بعد التحرير ضرورات البقاء ومخاطر الانفلات
بعد ان خاضت الفصائل وعلى امتداد الثلاث سنوات والنصف أكثر من 57 معركة فاصلة والعشرات من العمليات ذات الطابع التعبوي وانتهت جميعها بالنصر في هذه المعارك لتشكيلات الحشد الشعبي الذي تمثل فصائل المقاومة الإسلامية العماد الأساسي لقواتها القتالية عدا بعض الإخفاقات التي جرت معالجتها بالسرعة القصوى، هذه المعارك اثبتت بما لا يقبل الشك العديد من الحقائق التي لا يمكن اغفالها والتي تمثلت بما يلي:
ان فصائل المقاومة وحدها هي التي رفدت ساحات القتال بأكثر من 50 لواء كامل التجهيز خلال مدة لا تتعدى الشهر.
ان قيادات الفصائل هي من قاد عمليات التحرير وبشهادة الجميع وبتنسيق مع رئاسة اركان الجيش في الوقت الذي فقدت باقي قيادات القوات المسلحة قدرتها على إدارة المعارك خلال المراحل الأولى بعد تمدد د1عش وتهديد العاصمة بغداد بالاجتياح.
ان الغالبية العظمى من الأسلحة والمعدات المستخدمة في المعارك تعود ملكيتها للفصائل المسلحة فضلا عما قدمته الجمهورية الإسلامية من دعم للقوات المسلحة وللحشد الشعبي ولهذه الفصائل.
تميز مجاهدو الفصائل بكفاءة قتالية عالية ابهرت الجميع لاسيما أولئك الذين سبق لهم مقارعة النظام او محاربة الإرهاب.
حجم التضحيات التي قدمتها الفصائل تفوق اضعاف ما قدمته باقي أذرع وأفرع القوات المسلحة العراقية.
من مجموع 57 معركة خاضتها تشكيلات ووحدات الحشد الشعبي والذي تشكل فصائل المقاومة الإسلامية في العراق عمادها الأساس لم يخسر أي معركة عدا تكريت الأولى والتي لم تكن هي من ادراتها في حينها لكونها حصلت في بداية صدور الفتوى.
حرب الاثنا عشر يوم وتحديد هوية العدو
قد تكون فصائل المقـ ـاومة الإسلامية في العراق من اكثر الجهات المرتبطة بوحدة الساحات التي تصاعد عطائها دعما لحماس اثناء طوفان الأقصى واجتياح غزة تأثرا بما حصل بين ايران و(إسرائيل) من تصعيد عسكري وصل حد الضربات الجوية المتبادلة، اذ أفرزت تلك المجابهة العسكرية رغم قصرها من ان سماء العراق تكاد ان تكون مستباحة تماما وان منظومات الدفاع الجوي الحالية والتي دمر جزء منها اثناء الحرب هي ادنى من ان تكون قادرة على حماية جزء يسير من الاهداف الحيوية داخل العراق وان طائرات ال ف 16 الامريكية المنشأ والتي تشكل العمود الفقري للقوة الجوية العراقية لا يمكنها باي حال من الأحوال ان تعمل كطائرة متصدية لأجيال متطورة من الطائرات التي تصاعد انتاجها واستخدامها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كطائرة ال اف 35 التي استخدمها (إسرائيل) على نطاق واسع والتي كانت تجد في سماء العراق ممرا امنا ً لها للذهاب والعودة صوب الأهداف المحددة لها داخل العمق الإيراني، ناهيك عن المئات من الطائرات المسيرة التي كانت تجوب سماء العراق اثناء المواجهة دون ان تكون لدفاعتنا الجوية القدرة على كشفها وتدميرها، وهنا يطرح التساؤل الأهم كيف للعراق كقيادة سياسية وعسكرية ان يقنع فصائل المقاومة الإسلامية بضرورة التخلي الكلي عن السلاح في الوقت الذي استبيحت سمائه لأيام دونما أي رد فعل مقابل، ثم من هو العدو الذي تقلص تأثيره الى ادنى حد لكي تتولد القناعة لدى الجميع ان لا سلاح يعلوا على سلاح الدولة فهي قادرة على رد العدو أي كان؟
امام هذا كله لابد من توليد قناعة وطنية وعلى ضوء المعطيات والإفرازات التي نتجت عن حرب الاثناء عشر يوما من ان الخطر الداهم لايزال قائما وان العدو (الإسرائيلي) قادر على اختراق الجبهة العراقية في الوقت والزمان والأسلوب الذي يحدده هو، كما ان الولايات المتحدة الامريكية تعتبر الساحة العراقية باسرها ساحة قتال مفتوحة تستخدم بها أسلحتها ومعداتها متي تشاء وفي أي موقع تراه مناسبا حينما تجد ذريعة او سبب حتى وان لم يكن مقنعا وواقعيا من اجل ان تحقق ما تريد هي بالدرجة الثانية وما يرده (إسرائيل) منها بالدرجة الأولى ورغم كل ما قيل ويقال عن وجود تنسيق امني واستمرار للاجتماعات والمحادثات للتوصل الى صيغ متقدمة لتحدد طبيعة العلاقة الأمنية والعسكرية بين العراق والولايات المتحدة ومع ذلك فان أمريكا لا تعير لكل ما يحصل او يجري الاتفاق عليه أي اهتمام اذا ما تولدت لديها الرغبة في ضرب او تدمير هذا الهدف او ذاك او اتخاذ القرار بتصفية أي شخص تجد انه يشكل خطرا على امنها او على امن (إسرائيل).

توازن الردع بعد الانهيار السوري وتحجيم حماس
في اعقاب حرب عام 2006 وانتهاء عمليات عناقيد الغضب التي شنها (إسرائيل) تجاه حZب الله في جنوب لبنان، بدأت بوادر تصاعد قدرات فصائل المقاومة الإسلامية في العراق لاسيما وان مؤشرات حصول حرب أهلية ذات طابع طائفي داخل العراق بدأت تتصاعد نتيجة التعامل الغير المتوازن من قبل قوات الاحتلال الأمريكي في العراق تجاه الجماعات الشيعية المسلحة التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال في ذات الوقت الذي كانت فيه هذه الفصائل ومؤيديها تخوض غمار حرب ضروس مع التنظيمات الإرهــ ـــابــ ــية المدعومة إقليميا وامريكيا والتي كانت تستهدف المكون الشيعي بشكل رئيسي مع عمليات محدودة للغاية تجاه قوات الاحتلال الامريكي يراد منها ذر الرماد في العيون، استمر الامر على هذا المنوال مما دفع العديد من الفصائل الإسلامية المسلحة للإعلان عن نفسها ومنها جيش المهدي وكتائب حZب الله وتشكيل النجباء ولاحقا العصائب، جاءت احداث الانهيار المفاجئ للقوات العراقية في 10 حزيران 2014 لتصل بالأمور الى ان تعاود غالبية فصائل المقاومة الإسلامية قراءة استراتيجيتها العسكرية ولتعلن وجودها العسكري على الساحة العراقية علانية بعد ان بات خطر د1عش يهدد بسقوط بغداد.
حال انتهاء عمليات التحرير حاولت الغالبية من فصائل المقاومة الإسلامية عدا تلك التي كانت تقاتل داخل سوريا ان تنتظم ضمن تشكيلات الحشد الشعبي وتكون تحت سلطة الدولة العراقية وبشكل قانوني لاسيما بعد ان اقر قانون الحشد الشعبي من قبل مجلس النواب العراقي وبات هذا التشكيل جزء من المنظومة العسكرية العراقية وفق القانون، لم تسير الأمور نحو التهدئة بل ان اندلاع المواجهة بين حماس و(إسرائيل) على اثر عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين اول 2023 و وما تبعها من اجتاح (الإسرائيلي) لمحافظات قطاع غزة الخمسة مما دفع فصائل المقاومة الإسلامية في العراق للدخول في حلبة الصراع ضمن ما اطلق عليه وحدة الساحات حيث نفذت هذه الفصائل العشرات من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة تجاه العمق (الإسرائيلي) وهنا ادركت (إسرائيل) ان خطورة هذه الفصائل بدأت بالتصاعد وان كبح جماحها امر لابد منه وباي وسيلة كانت لذلك اشتركت القوة الجوية (الإسرائيلية) ولمرات عديدة ويشكل غير معلن وبتنسيق مسبق مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في توجيه ضربات الى مقرات القيادة و السيطرة التابعة للحشد الشعبي ولفصائل المقاومة الإسلامية كما استهدفت العديد من القادة في هذه الفصائل لاسيما أولئك الذين تعتقد ان لديهم اليد الطولى في استهداف عمق (إسرائيل).
الا ان ما حصل لاحقا من تراجع خطير بعد ان نفذت الاجندة (الإسرائيلية) الامريكية التركية في سوريا والتي أدت الى سقوط نظام الأسد وسيطرة تنظيمات جند الشام على مقاليد الحكم وانكفاء حZب الله الذي فقد احد اهم اركان قوته باستشهاد امينه العام وتراجع قدرات فصائل المقاومة الإسلامية العراقية في الداخل السوري بررت الى الوجود جهة أخرى لا تقل خطورة عن د1عش تحاول بشكل او باخر ان تصعد الموقف الى حد المواجهة المسلحة مع فصائل المقاومة الإسلامية في العراق من خلال تصريحات ذات طابع استفزازي وصلت الى حد التهديد بالاجتياح رغم معرفة الجميع بان لا قدرة لها على حماية نفسها داخل سوريا وان هذه التصريحات الجوفاء والغير الرسمية هي بدوافع طائفية بحتة، الا ان الوقائع على الأرض في جانبها الاخر قد تحمل بين طياتها ولادة عدو جديد يتخذ مما اطلق عليه (الإقليم السني) منطلقا لتصفية الحسابات مع الحشد العشائري في بادئ الامر باعتباره حاضنة حكومية رسمية لعناصر تنأى بنفسها عن الإرهـ ــاب والطائفية و من ثم التحول الى صراع من نمط اخر من أهدافه اخراج الحشد الشعبي من جميع المناطق المحيطة بالمحافظات والمناطق الكائنة بغرب وشمال بغداد لخلق بيئة مناسبة لمعاودة التنظيمات الإرهابية للعمل في تلك المناطق بغية إعادة ذات السيناريو الذي بدا بما اطلق عليه حينها ( ساحات العزة والكرامة) وصولا الى اجتياح جديد لتلك التنظيمات وبمهادنة أمريكية، في مقدمة ذرائعها ان من يسيطر على مقاليد الحكم في العراق بعد الانتخابات هم فصائل المقاومة المولية لإيران حسب وجهة النظر الامريكية.
بقاء السلاح ام تحجيمه (الدوافع والمبررات)

يقابل كل ذلك حالة التأرجح في الموقف السياسي من انسحاب قوات التحالف الذي تقوده أمريكا من العراق من قبل اطراف متعددة داخل الطيف السياسي العراقي، لذلك فان فصائل المقاومة باتت تعرف بان هنالك نوع من المراوغة من قبل كتل سياسية بذاتها حول بقاء هذه القوات او على اقل تقدير إعادة تمركزها وفق خريطة جيوستراتيجية تمنحها قدرة عالية على التدخل حيثما تشاء ومتى ما تشاء وبالطريقة التي تجدها مناسبة في ضرب تلك الفصائل وتدمير قدراتها ان هي عاودت مجددا ان تشكل جزء من الخطر تجاه (إسرائيل) او انها حاولت التأثير على نظام الشرع في سوريا او ساندت ايران في صراعها الدائم مع الكيان، او انها حاولت بشكل من الاشكال تهديد المصالح الامريكية او (الإسرائيلية) في الخليج العربي او أي بقعة أخرى ضمن الاطار الإقليمي للعراق وعليه فان الفصائل تدرك جيدا حقيقة هذا الامر وان كل ما يقال عن مغادرة نهائية لقوات التحالف وفي مقدمتها القوات الامريكية وبكامل عدتها وعددها امر يحتاج الى اثبات عملي وهذا ما ركزت عليه اللجنة التنسيقية لفصائل المقاومة الإسلامية في العراق في بيانها الصادر يوم 5 كانون الثاني 2025 حينما ذكرت ما نصه:
-
سلاح المقـ ـاومة سلاح مقدّس وهو الضمانة وصمّام الأمان في الدفاع عن الأرض والمقدّسات ونرفض رفضاً قاطعاً أي حديث عنه من الأطراف الخارجية.
-
الحوار بشأن سلاحنا مع الحكومة لا يكون إلا بعد تحقيق السيادة الكاملة للبلاد وتخليصها من كل أشكال الاحتلال وتهديداته.
-
على الحكومة المقبلة اعتماد الوضوح والجدّية في تقديم الخدمات لشعبنا المضحي بما يحقق النهوض بالبلد وواقعه الاجتماعي ويضمن محاربة الفساد وإنهاءه.
-
إعطاء الأولوية للتشريعات والقوانين التي تخدم بلدنا وتحفظ كرامة شعبنا ولا سيما إقرار قانون الخدمة والتقاعد للحشد الشعبي.
-
إنهاء جميع أشكال وعناوين الوجود الأجنبي المحتل للأراضي العراقية وسمائها ومنع أي نفوذ له مهما كان شكله.
مخاطر البقاء وعواقب التحجيم
بعد التجربة الطويلة لفصائل المقاومة الإسلامية في العراق في علاقاتها مع الولايات المتحدة الامريكية تلك العلاقة التي لم ترتقي يوما الى مستوى التصالح او المهادنة على اقل تقدير وكذلك طبيعة الحالة الأمنية الغير مستقرة في عموم الجوار الإقليمي للعراق نتيجة الصراعات الرئيسية والثانوية التي تعيشها المنطقة والمتمثلة بالصراع (الإسرائيلي) الفلسطيني بعد تخلي العرب عن هذا الصراع، وكذلك الصراع الإيراني (الإسرائيلي) المتجذر والذي غالبا ما يصل الى حافة الانفجار، في ذات الوقت يتصاعد وبشكل غير مسبوق الصراع القائم في سوريا بين مختلف الأطراف وبمختلف مسمياتها هذا الصراع الذي أتاح لجيش (إسرائيل) ان يحتل النقطة الأقرب لدمشق وهي قمة جبل الشيخ التي لا تبعد سوى 21 كم عن مركز العاصمة دمشق هذا الصراع الذي فتح الباب اما توغل اخر مجاور للحدود العراقية والذي يمثله (ممر داود) المعلن وبشكل رسمي من قبل (إسرائيل) كمشروع مستقبلي للتنفيذ، فضلا عن معاودة داعش للتحرك بعد ان تخلت عن أسلوب الدفاع المرن لتعاود مجددا استخدام الحرب المفتوحة سوى داخل العراق او داخل سوريا، كل تلك المعطيات القلقة والغير مستقرة تعطي إشارات واضحة ان طبيعة المخاطر التي قد يعاني منها الامن الوطني العراقي ذات اشكال وانماط متعددة ومتنوعة من حيث مصادر التهديد مما يتطلب ان تكون هنالك قوة مقابلة لإدارة أي ازمة امنية قد يفتعلها الأعداء في الداخل العراقي.
ان التهديد المستمر والذي يتخذ من الاعلام وسيلة له من قبل الولايات المتحدة الامريكية تجاه عدم السماح بالبقاء على القدرات التسليحية لفصائل المقاومة ووجوب انهاء أي قدرات لها قد يؤدي فعلا الى ان تستخدم الولايات المتحدة الامريكية قوتها المتاحة من اجل تحقيق ذلك، هذه القوة التي قد تتخذ واحد او أكثر من اشكال استخدام القوة التالية:
-
ضربات مخطط لها سواء بالصواريخ او الطائرات بمختلف أنواعها من قبل الجيش الأمريكي او منح جيش (إسرائيل) الضوء الأخضر للقيام بذلك.
-
استهداف مبرمج ودقيق لقيادات الفصائل سواء بالاغتيال عن بعد او بالطائرات المسيرة او باي وسائل تفجير أخرى كرسالة لهذه الفصائل مفادها ان قيادتها ليست بمنأى عن القدرات العسكرية الأمريكية.
-
قد يتكرر سيناريو كركاس (فنزويلا) رغم ان ذلك مستبعدا لأسباب لوجستية وفنية.
-
فرض عقوبات مشددة على الحكومة القادمة ومطالبتها بتنفيذ إرادة الإدارة الامريكية بأنهاء قدرات الفصائل المسلحة.
-
تصعيد الموقف داخليا بغية حصول صدام داخلي بين الفصائل ذاتها او بينها وبيت باقي القوات المسلحة مما يتح للجيش الأمريكي التدخل تحت ذريعة تطبيق الاتفاقية الأمنية.
امام كل هذه الاحتمالات فان مخاطر بقاء الفصائل مصرة على عدم الرضوخ للإدارة الامريكية ورفضها تسليم أسلحتها سيجعلها تحت ضغط سياسي مصحوب بضغط شعبي مفتعل يجري تصعيده إعلاميا باستغلال منصات وسائط التواصل الاجتماعي، كذلك سيمنح الأطراف السياسية الأخرى المشتركة بالعملية السياسية والتي تجد في قوة الفصائل العسكرية تهديد لمصالحها فرصة للمطالبة برلمانيا بأنهاء المظاهر المسلحة والدفع باتجاه تسليم أسلحة فصائل المقاومة من خلال تعطيل أي مشروع قانون او قرار تريد الأطراف المؤيدة للفصائل تمريره من خلال البرلمان، يضاف الى ذلك ان الوعي الجمعي في المجتمع العراقي هو الاخر يعاني من ضبابية عالية المستوى فالغالبية لا تدرك طبيعة المخاطر وقسم كبير منه يتصور ان خلاصها وخلاص العراق من كل المشاكل التي يعاني منها تكمن في رضوخ تلك الفصائل للإرادة الامريكية.
اما اذا ما وافقت الفصائل على تسليم أسلحتها ودخلت في مرحلة تحجيم الأدوار فأنها والحالة هذه قد باتت عرضة للتدمير المبرمج سواء بالوسائل السلمية او من خلال تحريك قضايا قانونية ضدها من قبل اطراف داخلية تضمر العداء والكراهية لها نتيجة مواقفها تجاه تمدد داعش تحت ذرائع شتى منها المغيبين و انتشار الحشد داخل المدن و غيرها، كما انها ستكون في غير قادرة على اتخاذ أي موقف اذا ما حصل أي تصعيد امني يستهدف الأراضي العراقية لاسيما وان من الصعب على هذه الفصائل اذا ما رضخت لمشيئة الامريكان ان تقنع مجاهديها مجددا بالتوجه الى ساحات المعارك كما حصل في حزيران من عام 2014 عند صدور الفتوى المباركة، حيث ان ما سيرافق عملية التحجيم والتسليم من حصول البعض من قيادات تلك الفصائل لامتيازات ومناصب سيدخل المجاهد في دوامة عدم الوثوق بمن كانوا يقوده، وهذا الامر ستكون له انعكاسات خطيرة على مستقبل الامن الوطني العراقي الذي لايزال يعاني من الهشاشة وعدم الاستقرار بالشكل الذي يضمن عدم حصول انهيارات امنية وعسكرية مستقبلا.
الحلول المتاحة
في حال كان لابد من ان تتخذ الفصائل قراراتها النهائية والملزمة بتسليم أسلحتها فان الحال يستوجب ان توضع استراتيجية من قبل اللجنة التنسيقية لفصائل المقاومة الإسلامية في العراق هذه الاستراتيجية تطبق على مراحل ووفق ما يلي:
-
لا تسليم ولا تحجيم دون انهاء كلي للتواجد الأجنبي العسكري داخل العراق.
-
ان يكون القرار بعد انهاء الوجود الأجنبي عراقيا خالصا وبإرادة الغالبية الممثلة بالبرلمان.
-
التسليم يحدد بجهة واحدة فقط هي هيئة الحشد الشعبي وبأشراف اللجنة التنسيقية على ان تسلح الالوية حسب مرجعياتها بالأسلحة التي تم تسليمها.
-
قد يقتضي الامر استحداث تشكيلات جديدة في الحشد الشعبي لاستيعاب الأسلحة والمعدات والتجهيزات والمبتكرات التي بحوزة الفصائل.
-
يرافق كل هذه الإجراءات جملة من المتغيرات في بنية هيئة الحشد الشعبي بما يجعها بودقة قادرة على صهر كافة أطياف فصائل المقاومة.
-
في الوقت ذاته يفترض بالاستراتيجية التي يجري وضعها ان تتناغم مع طبيعة التهديدات القائمة والمحتملة وان تحتوي على حلول مرنة للمعاضل الأمنية والأزمات التي قد تحصل.



