الاكثر قراءةدراساتغير مصنف
الجهود الدولية والوطنية لمكافحة التغير المناخي.. العراق أنموذجاً
دراسة علمية تعالج مشكلة في المجتمع العراقي

بقلم: أ. م. د هديل حربي ذاري*
المقدمة
أضحى التغير المناخي ظاهرة عالمية تهدد الأمن البيئي والاقتصادي والاجتماعي للدول كافة، إذ يمتد أثره إلى الأمن الغذائي والمائي والصحي، ويزيد من احتمالات النزاعات على الموارد الطبيعية. وقد أجمعت الأدبيات العلمية والتقارير الدولية على أن الدول النامية، بما فيها العراق، تُعد الأكثر هشاشة أمام تداعيات التغير المناخي بسبب ضعف بنيتها المؤسسية واعتمادها على أنماط إنتاج واستهلاك غير مستدامة. وفي الحالة العراقية، تتجسد الأزمة في تراجع الموارد المائية، تفاقم التصحر، وتكرار العواصف الترابية، فضلا عن، التأثيرات المباشرة على الزراعة والتنمية الاقتصادية. وانطلاقاً من كون العراق طرفاً في الاتفاقيات الدولية للمناخ، وفي ظل التحديات الوطنية المعقدة، برزت الحاجة إلى دراسة متكاملة تستعرض الجهود الدولية، وتقيم الاستجابات العراقية، وتطرح استراتيجية مقترحة لتعزيز قدرة العراق على التكيف والتخفيف من آثار التغير المناخي.
مشكلة البحث
ما مدى فاعلية تكامل الجهود الدولية والوطنية في التصدي لتحديات التغير المناخي في العراق، وما هي المعوقات التي تحدّ من تحقيق الأهداف البيئية المستدامة؟
فرضية البحث
تتوقف فعالية استجابة العراق لتحديات التغير المناخي على مستوى تكامل سياساته الوطنية مع الالتزامات الدولية، ومدى قدرته على استثمار الدعم الفني والمالي الخارجي في تعزيز التكيف وبناء القدرات المؤسسية.
أهداف البحث
-
تحليل الأطر الدولية لمكافحة التغير المناخي وأثرها على العراق.
-
تقييم الاستراتيجيات والخطط العراقية في مواجهة التغير المناخي.
-
رصد التحديات المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية في تطبيق السياسات المناخية.
-
تقديم مقترحات عملية لتعزيز التكيف وبناء القدرات الوطنية.
أهمية البحث
-
الإسهام في سد فجوة معرفية تتعلق بمدى انسجام السياسات الوطنية العراقية مع الأطر الدولية لمكافحة التغير المناخي.
-
توفير توصيات عملية لصانعي القرار لتعزيز فاعلية خطط التكيف والتخفيف، بما يدعم الأمن البيئي للعراق.
المحور الاول
الجهود الدولية لمكافحة التغير المناخي
الأطر القانونية والمؤسسية الدولية
-
اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية المتعلقة بالتغير المناخي1992 (UNFCCC): يعد اول مؤتمر للأمم المتحدة للبيئة والتنمية المستدامة الذي عقد على هامش قمة الأرض في ريو دي جانيرو في البرازيل عام 1992، ذو أهمية بالغة لموضوع التنمية المستدامة، اذ كان باكورة ظهور أهم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية البيئة، الذي كان اهمها اتفاقية تغير المناخ والتي هدفت الى تثبيت معدلات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي إلى مستويات لا تفسد نظام المناخ العالمي بشكل خطير)[1](، أشارت اتفاقية التغيرات المناخية من خلال ديباجتها عن القلق الذي تواجهه الدول بسبب النشاط البشري الذي أدى إلى زيادة كبيرة في تركيزات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وأنّ هذه الزيادة تعزز تأثير الاحتباس الحراري الطبيعي الذي سيؤدي في المتوسط القريب إلى زيادة إحترار سطح الأرض والغلاف الجوي، مما قد يؤثر سلبًا على النظم البيئية الطبيعية والإنسانية، اذ نصت (المادة 2 ) صراحة على الهدف الذي سعى إليه مؤتمر الأطراف من خلال إبرام هذه الاتفاقية والذي عبرت عنه بمصطلح (الهدف النهائي)، “الوصول إلى تثبيت تركيزات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي عند مستوى يحول دون تدخل خطير من جانب الإنسان في النظام المناخي، لذلك ينبغي بلوغ هذا المستوى في إطار فترة زمنية كافية تتيح للنظم الإيكولوجية أن تتكيف بصورة طبيعية مع تغير المناخ، وتضمن عدم تعرّض إنتاج الأغذية للخطر، وتسمح بالمضي قدماً في التنمية الاقتصادية على نحو مستدام”، لذا تعد الاتفاقية الإطار الأساسي للتعاون الدولي في مواجهة الظاهرة، وتُلزم الدول بتقديم تقارير دورية عن انبعاثاتها وخططها للتكيف، مع مراعاة مبدأ “المسؤوليات المشتركة لكن المتباينة” بين الدول المتقدمة والنامية)[2](.
-
بروتوكول كيوتو (1997): يشكل بروتوكول كيوتو الذي عقد في مدينة كيوتو في اليابان عام 1997، الإضافة الإجرائية الأولى لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، حيث ألزم الدول الصناعية الكبرى بتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة لا تقل عن 5% مقارنة بمستويات عام 1990 خلال المدة 2008-2012، وقد وضع البروتوكول آليات مرنة مثل “التجارة في الانبعاثات” و”آلية التنمية النظيفة” و”خطط الاستثمار الأخضر” لتمكين الدول من تحقيق أهدافها بطرق أكثر كفاءة، كما نص على التمييز الصارم بين مسؤوليات مختلفة بين الدول بسبب انبعاثات الغازات الدفيئة، ولتنفذ الدول التزاماتها يجب طبقا لنص المادة 2 من البروتوكول تفعيل الاتي:([3](
-
تعزيز كفاءة الطاقة في قطاعات الاقتصاد الوطني ذات الصلة.
-
حماية وتعزيز بواليع ومستودعات الغازات الدفيئة وتعزيز ممارسات الإدارة المستدامة.
-
تعزيز أشكال الزراعة المستدامة في ضوء الاعتبارات المتصلة بالتغيرات المناخية.
-
إجـراء الـبحوث بشـأن الأشكال الجديدة والمتجددة من الطاقة وتكنولوجيات إزالة ثاني أوكسيد.
-
الكربون، والتكنولوجيات المتقدمة والمبتكرة السليمة بيئياً وتشجيعها وتطويرها وزيادة استخدامها.
-
التشجيع على إدخال إصلاحات مناسبة في القطاعات ذات الصلة بهدف تعزيز السياسات والتدابير التي تحد أو تخفض من انبعاثات غازات الدفيئة.
-
التخفـيض من انبعاثات غاز الميثان من خلال الاسترجاع والاستخدام في إدارة النفايات.
-
نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات (EU ETS) عام 2005: اطلق ليكون أول وأكبر سوق للكربون في العالم، ويعتمد على مبدأ الحد والاتجار (Cap and Trade)، الهدف منه خفض انبعاثات الاتحاد الأوروبي بنسبة 20% بحلول 2020 مقارنة بمستويات 1990، وبالفعل نجح النظام في إنشاء سوق كربون موحد، و تحفيز الشركات على الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة والطاقة المتجددة، فضلا عن تقليل الانبعاثات بأقل تكلفة ممكنة، اذ حدد سقف إجمالي لانبعاثات غازات الدفيئة ثم يمنح الشركات حصصًا قابلة للتداول فيما بينها، في المرحلة الأولى (2005–2007) كان النظام تجريبيًا وشمل محطات الطاقة والصناعات الثقيلة، إلا أنه واجه مشكلة الإفراط في التخصيص مما أدى إلى انخفاض أسعار الكربون بشكل حاد([4])، ومع المراحل اللاحقة توسع ليشمل قطاعات أخرى مثل الطيران، وانتقل تدريجيًا من التوزيع المجاني للحصص إلى المزادات العلنية، مع إدخال إصلاحات مثل احتياطي استقرار السوق، اليوم يغطي النظام نحو 40–45% من الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي، وأسهم فعليًا في خفضها بتكلفة أقل مقارنة بالآليات التقليدية، رغم وجود انتقادات تتعلق بالعدالة البيئية ومخاوف تسرب الكربون([5])، ويُعد تجربة رائدة عالميًا دفعت دولًا أخرى كالصين وكوريا الجنوبية إلى إنشاء أنظمة مشابهة.
-
مؤتمر كوبنهاغن لتغير المناخ عام 2009 (COP15): عُقد في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن بين 7–18 كانون الأول 2009 بمشاركة أكثر من 120 رئيس دولة وحكومة، ليكون من أكبر المؤتمرات الدولية حول المناخ آنذاك، وقد كان الهدف الرئيس وضع اتفاقية جديدة تخلف بروتوكول كيوتو وتلزم الدول بخفض الانبعاثات ([6])، لكن المؤتمر شهد انقسامات حادة بين الدول المتقدمة والنامية حول المسؤوليات التاريخية وتقاسم الأعباء، خرج المؤتمر باتفاق غير ملزم عُرف بـ”اتفاق كوبنهاغن”، الذي نص على ضرورة حصر ارتفاع حرارة الأرض دون درجتين مئويتين، مع تعهدات طوعية من بعض الدول، كما تضمّن التزامًا مبدئيًا بتقديم 100 مليار دولار سنويًا للدول النامية بحلول عام 2020 لمواجهة التغير المناخي، ورغم الانتقادات واعتباره فاشلًا في إقرار اتفاق ملزم، إلا أنه مهّد لاحقًا لاتفاق باريس 2015 ([7]).
-
مؤتمر كانكون لتغير المناخ عام 2010 (COP16): عُقد في مدينة كانكون بالمكسيك خلال المدة من 29 تشرين الثاني إلى 10 كانون الأول 2010، بمشاركة 194 دولة تحت مظلة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، جاء المؤتمر بعد خيبة أمل مؤتمر كوبنهاغن 2009، وهدف إلى إعادة الثقة بعملية التفاوض متعددة الأطراف([8])، أبرز ما نتج عنه ما عُرف بـ”اتفاقيات كانكون” (Cancun Agreements) التي أقرت إنشاء الصندوق الأخضر للمناخ (Green Climate Fund) لدعم الدول النامية في مواجهة آثار التغير المناخي، كما تم تثبيت هدف حصر ارتفاع درجة الحرارة العالمية بما لا يتجاوز درجتين مئويتين، مع الاعتراف بإمكانية السعي لتثبيته عند 1.5 درجة نزولًا عند مطالب الدول الجزرية الصغيرة، الاتفاقيات شملت أيضًا آليات لتعزيز نقل التكنولوجيا، وتطوير برامج للحد من إزالة الغابات (REDD+)، اعتُبر المؤتمر أكثر نجاحًا من كوبنهاغن لأنه أعاد الثقة بين الدول وأرسى مؤسسات تمويلية وتنفيذية مهمة، رغم بقاء مسألة الالتزامات القانونية محل خلاف([9]).
-
اتفاق باريس للمناخ (Paris Agreement) 2015: تم اعتماده في 12 كانون الأول 2015 خلال أعمال مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين (COP21) في العاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة 196 دولة، وعد أول اتفاقية مناخية عالمية ملزمة قانونيًا تلزم جميع الدول (المتقدمة والنامية) بالتحرك لمواجهة التغير المناخي، نص الاتفاق على إبقاء ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، والسعي للحد من الارتفاع عند 1.5 درجة مئوية، كما ألزم الدول بتقديم “المساهمات المحددة وطنياً” (NDCs) لخفض الانبعاثات وتحديثها كل خمس سنوات مع تعزيز طموحها([10])، أنشأ الاتفاق كذلك آليات لدعم الدول النامية من خلال التمويل، التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع الالتزام بجمع 100 مليار دولار سنوياً حتى عام 2025 لدعم جهود التكيف. تميز الاتفاق بمرونته، حيث سمح لكل دولة باختيار التزاماتها، لكنه اعتمد آلية للشفافية والمراجعة الدورية لضمان المتابعة. اعتُبر اتفاق باريس إنجازاً تاريخياً في الدبلوماسية المناخية لأنه جمع تقريباً كل دول العالم حول رؤية موحدة لمواجهة التغير المناخي([11]).
دور المنظمات الدولية المتخصصة والمنظمات الإقليمية
يعد دور المنظمات الدولية المتخصصة والمنظمات الإقليمية في مكافحة التغير المناخي محورًا أساسيًا لفهم آليات إدارة هذه الأزمة العالمية المعقدة، لاسيما ان تأثيرات التغير المناخي يتجاوز حدود الدولة الواحدة ويتطلب تعاونًا متعدد المستويات، ويمكن إبراز دور هذه المنظمات على النحو الآتي:
-
المنظمات الدولية المتخصصة التابعة للأمم المتحدة:
-
برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP): يعد من أبرز الأذرع الأممية في مواجهة التغير المناخي، إذ يعمل على إعداد التقارير البيئية العالمية (GEO Reports) التي تقدم تقييماً علمياً لحالة البيئة وتأثيرات تغير المناخ على النظم الطبيعية والبشرية. كما يقود مبادرات لتعزيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر، ودعم الدول النامية في بناء القدرات المؤسسية لمواجهة التحديات البيئية، فضلا عن ذلك يؤدي البرنامج دوراً محورياً في التنسيق بين الحكومات والمنظمات الدولية لتطبيق السياسات البيئية المستدامة، مع تركيز خاص على قضايا المياه والطاقة والتنوع البيولوجي المرتبطة بتغير المناخ([12]).
-
الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC): تعد أهم مرجع علمي دولي لتقييم آثار التغير المناخي وسبل مواجهته، حيث تصدر تقارير تقييمية دورية تعتمد على تحليل آلاف الدراسات العلمية، هذه التقارير تُستخدم كأساس لصنع القرار على مستوى الحكومات والمؤتمرات الدولية مثل COP، وتغطي الجوانب الفيزيائية، والاقتصادية، والاجتماعية للتغير المناخي. كما تحدد الهيئة السيناريوهات المستقبلية لانبعاثات الغازات الدفيئة وتأثيراتها المحتملة، مع تقديم توصيات علمية حول السياسات الأمثل للتخفيف والتكيف، وبفضل مصداقيتها العلمية العالية، تلعب IPCC دورًا حيويًا في تشكيل الاتفاقيات الدولية مثل بروتوكول كيوتو واتفاق باريس 2015 ([13]).
-
الاتحاد الأوروبي (EU): يعد الاتحاد الأوروبي نموذجًا إقليميًا متقدمًا في مواجهة التغير المناخي من خلال سياسات متكاملة تربط الاقتصاد بالبيئة K أبرز أدواته نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS)، الذي يعد أول وآخر نظام شامل لتجارة انبعاثات الكربون عالميًا، ويهدف إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بطريقة اقتصادية وتحفيزية، كما أطلق الاتحاد الصفقة الخضراء الأوروبية (European Green Deal) 2019، التي تهدف إلى جعل أوروبا أول قارة محايدة كربونيًا بحلول عام 2050، عبر تعزيز الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الطاقة، وتطوير النقل المستدام، فضلا عن ذلك يوفر الاتحاد دعمًا فنيًا وماليًا للدول الأعضاء والدول الشريكة لمواجهة التحديات البيئية، ويعمل على توحيد السياسات التشريعية لضمان الالتزام بأهداف المناخ الأوروبية والدولية([14]).
-
منظمات إقليمية أخرى
-
الاتحاد الإفريقي: يؤدي الاتحاد الافريقي دورًا مهمًا في تعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة آثار التغير المناخي على القارة، لاسيما في ظل تعرضها لمخاطر كبيرة مثل الجفاف، وندرة المياه، وفقدان التنوع البيولوجي، وعليه أطلق الاتحاد إستراتيجية المناخ والتنمية منخفضة الكربون 2022–2032، التي تهدف إلى تعزيز قدرات الدول الإفريقية في التكيف مع التغير المناخي، ودعم التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات، كما يسعى الاتحاد إلى تنسيق السياسات بين الدول الأعضاء، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات في قطاعات الزراعة والطاقة والمياه، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة مع حماية البيئة([15]).
-
جامعة الدول العربية: تعمل جامعة الدول العربية على تنسيق جهود الدول العربية في مواجهة تحديات التغير المناخي من خلال الأطر القانونية والاستراتيجية الإقليمية، اذ أسست اللجنة العربية لتغير المناخ لتقديم الدراسات والتقارير العلمية، ووضع خطط للتكيف مع آثار التغير المناخي في مجالات المياه والزراعة والطاقة، كما تشجع الجامعة على تبادل الخبرات والتكنولوجيا بين الدول العربية، وتعمل على تطوير برامج توعية عامة لتعزيز الوعي البيئي والممارسات المستدامة([16]).
-
مجلس التعاون لدول الخليج العربية: يسعى مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى مواجهة تحديات التغير المناخي عبر تبني سياسات إقليمية للطاقة المستدامة والحد من الانبعاثات، لذا أطلق المجلس عدة مبادرات للطاقة المتجددة، أبرزها مشروع مدينة مصدر في الإمارات ومشاريع الطاقة الشمسية في السعودية، لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، كما شجع المجلس على تبادل الخبرات التقنية بين الدول الأعضاء، ووضع خطط للتكيف مع آثار ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه، مع التركيز على تطوير البنية التحتية والطاقة النظيفة، وتسهم هذه المبادرات في تعزيز جهود المنطقة نحو التنمية المستدامة وتقليل أثر التغير المناخي على الاقتصاد والمجتمع ([17]).
-
المؤسسات المالية الدولية والصندوق الأخضر للمناخ (GCF): تؤدي المؤسسات المالية الدولية دورًا محوريًا في دعم جهود الدول لمواجهة التغير المناخي من خلال التمويل الفني والمالي للمشاريع البيئية، يشمل ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين يمولان مشاريع للطاقة النظيفة، وإعادة التشجير، وتحسين إدارة المياه والبنية التحتية البيئية([18]) كما أُنشئ الصندوق الأخضر للمناخ (Green Climate Fund – GCF) بقرار مؤتمر كانكون 2010 لدعم الدول النامية في التكيف مع آثار التغير المناخي، وتمويل مشاريع التخفيف من الانبعاثات وتعزيز القدرات الوطنية، ويعتبر الصندوق آلية مهمة لتعبئة التمويل الدولي، وتحفيز الاستثمار الخاص، وضمان تنفيذ السياسات المناخية بطريقة مستدامة وشفافة([19]).
التجارب الدولية الناجحة في مكافحة التغير المناخي
-
تجربة الصين في التحول إلى الطاقة النظيفة: أطلقت الصين أكبر سوق وطني لتجارة الانبعاثات عام 2021 بهدف الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة وتحفيز القطاعات الصناعية على تبني ممارسات منخفضة الكربون، كما وسعت استثماراتها في مجالات الطاقة المتجددة، لاسيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتصبح أكبر منتج عالمي للطاقة المتجددة، وقد ساهمت هذه السياسات في خفض كثافة الكربون بنسبة 48% بين عامي 2005 و2020، مما يعكس نجاحها في دمج التنمية الاقتصادية مع الاستدامة البيئية، لذا تعد تجربة الصين نموذجًا مهمًا للدول النامية التي تسعى لتحقيق نمو اقتصادي منخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة الطاقة([20]).
-
تجربة اليابان في التحول إلى الطاقة النظيفة: تُعد اليابان من الدول الرائدة في تطوير سياسات الطاقة النظيفة، حيث اعتمدت استراتيجيات وطنية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري بعد كارثة فوكوشيما 2011، شملت هذه السياسات توسيع استخدام الطاقة المتجددة، لاسيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتعزيز كفاءة استهلاك الطاقة في الصناعة والمنازل، كما تبنت اليابان آليات تحفيزية للشركات والمستهلكين مثل سياسات التعريفة المميزة للطاقة المتجددة (Feed-in Tariffs) لدعم الاستثمارات في الطاقة النظيفة، أسهمت هذه الجهود في خفض كثافة الانبعاثات الكربونية وتحسين مرونة الاقتصاد الياباني أمام التحديات البيئية، لتصبح نموذجًا للدول الصناعية في دمج النمو الاقتصادي مع الاستدامة البيئية([21]).
-
تجربة الولايات المتحدة في التحول إلى الطاقة النظيفة: تعد الولايات المتحدة من أبرز الدول الصناعية التي تبنت سياسات متنوعة لتعزيز الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات الكربونية، مع التركيز على الابتكار التكنولوجي والتحفيز المالي، شملت هذه السياسات توسيع استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتشجيع السيارات الكهربائية، إلى جانب تطوير برامج تحفيزية على المستويين الفيدرالي والولائي مثل الاعتمادات الضريبية للاستثمار في الطاقة المتجددة (ITC) وبرنامج Renewable Portfolio Standards، الذي يلزم شركات الطاقة بإنتاج حصة محددة من الكهرباء من مصادر متجددة، أسهمت هذه المبادرات في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في قطاعات الكهرباء والنقل، وزيادة مساهمة الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الوطني إلى نحو 20% بحلول 2020، كما لعبت الولايات المتحدة دورًا مهمًا في دعم البحث والتطوير في تقنيات الطاقة النظيفة، مما جعلها نموذجًا متقدمًا للتكامل بين التنمية الاقتصادية والالتزام البيئي([22]).
-
المغرب تجربة عربية رائدة في الطاقة المتجددة: يُعد المغرب من أبرز التجارب الناجحة في منطقة (الشرق الأوسط) وشمال إفريقيا في مجال مكافحة التغير المناخي والتحول إلى الطاقة النظيفة، أبرز مشروع وطني هو مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية المركزة (Noor Ouarzazate Solar Complex)، الذي يُعد أكبر مشروع للطاقة الشمسية في إفريقيا والعالم العربي، ويغطي الطاقة المنتجة منه ملايين السكان، مع خفض كبير للانبعاثات الكربونية، فضلا عن ذلك تبنت المغرب تبنى استراتيجية وطنية طموحة للطاقة المتجددة تُعرف بـ الاستراتيجية الوطنية للطاقة 2030، تهدف إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني إلى نحو 52% بحلول 2030، مع التركيز على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، ويشمل ذلك تطوير مشاريع مثل محطة الرياح في طانطان والعيون ومزارع الطاقة الشمسية في ورزازات، وفاس، ومكناس([23]). فضلا عن ذلك، تولي المغرب أهمية للتطوير التكنولوجي والبحث العلمي في مجال الطاقة النظيفة، اذ استثمرت في مراكز البحث والتطوير المرتبطة بالطاقة الشمسية والتخزين، وشجعت الشراكات الدولية لنقل التكنولوجيا والخبرة، كما اعتمدت المملكة المغربية سياسات تشريعية لتحفيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، مثل قوانين حوافز الطاقة النظيفة والاعتمادات الضريبية للشركات المستثمرة([24]).
مما تقدم يمكن القول بأن تجربة المغرب تعد نموذجًا ناجحًا للدول النامية، اذ تجمع بين التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار في البنية التحتية، وتبني التكنولوجيا الحديثة، لتعزيز الأمن الطاقي وتحقيق التنمية المستدامة مع خفض الانبعاثات الكربونية.
المحور الثاني
العراق والتغير المناخي – الواقع والسياسات
أصبح تأثير التغير المناخي في العراق واقعاً ملموساً تجلّى في ارتفاع درجات الحرارة وتكرار العواصف الترابية وتراجع معدلات الأمطار، اذ على الرغم من ضآلة مساهمته في الانبعاثات الغازية عالمياً، يعاني العراق من انحسار المسطحات المائية وتدهور الأراضي وتفاقم مشكلات الجفاف والتصحر، مما انعكس سلباً على التنوع البيولوجي والغطاء النباتي، كما امتدت الآثار إلى البعد الاجتماعي والثقافي، اذ تهدد موجات النزوح استمرارية المجتمعات التقليدية كسكان الأهوار. ومن هنا تبرز أهمية دراسة الواقع المناخي للعراق وتحليل سياسات معالجته لمواجهة هذه التداعيات المتصاعدة.
مظاهر التغير المناخي في العراق
-
الجفاف وتراجع الموارد المائية: يعاني العراق من تراجع خطير في موارده المائية نتيجة التغير المناخي والتوسع في السدود بدول الجوار، حيث تشير تقارير وزارة الموارد المائية العراقية أن الاحتياطيات المائية انخفضت بنسبة (50%) منذ عام 2021، هذا التراجع، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة، ساهم في تفاقم الجفاف، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وتدهور النظم البيئية([25])، كما أكدت تقارير دولية ووطنية أن العجز المائي مرشح للارتفاع إلى نحو (37%) بحلول عام 2030، ليتفاقم لاحقاً ويصل إلى (51%) ما بين عامي 2040 و2050، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على تراجع الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وتُظهر المؤشرات أن العراق يُعد من بين أكثر خمس دول عالمياً تأثراً بالتغير المناخي، إذ يحتل المرتبة (39) من حيث الإجهاد المائي، مع توقعات بأن تواجه ست محافظات عراقية في مقدمتها البصرة نقصاً مائياً متكرراً لا يقل عن مرة واحدة سنوياً بحلول عام 2050([26])، ويستدعي هذا الوضع اعتماد استراتيجيات وإجراءات عاجلة للتكيف مع المتغيرات المناخية وحماية الأمن المائي الوطني، لاسيما مع زيادة معدل النمو السكاني في العراق، اذ بلغ ععد السكان وحسب تعداد العام 2024 ما يقارب 118.793 نسمة([27])، لذا يجب على الحكومة العراقية توفير احتياجات عدد السكان الذي سيتضاعف بحلول عام 2050، الامر الذي يزيد الضغط على البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، لاسيما وان العراق يندرج ضمن فئة ندرة المياه، اذ يقل نصيب الفرد من المياه المتجددة عن 1000 متر مكعب سنويا، وكما موضح في الرسم البياني ادناه (1).

Source: Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO), OECD, and World Bank. Renewable Freshwater Resources per Capita – Iraq (1961–2021). Our World in Data, 2025. https://ourworldindata.org/water-use-stress
يوضح الرسم البياني هبوطًا طويل الأمد في نصيب الفرد من الموارد المائية الداخلية المتجددة في العراق من نحو 5 آلاف م³/فرد في الستينيات إلى أقل من ألف م³/فرد في 2021، أي انتقال البلاد من وضع مائي مريح إلى ندرة مائية، هذا الهبوط تقوده ديناميكية السكان وتراجع التغذية المطرية، يشير إلى ضرورة تفعيل سياسات إدارة الطلب وزيادة الكفاءة والحصاد المائي وحماية الأحواض الجوفية.
-
التصحر وتملح التربية وفقدان الغطاء النباتي: يُشكل التصحر وتملّح الأراضي مسارين مترابطين في التدهور البيئي الذي يواجه العراق، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من (39%) من مساحة العراق مهددة بالتصحر، فيما تعاني مناطق واسعة من فقدان شبه كامل للغطاء النباتي الطبيعي، ويعود ذلك إلى تناقص معدلات الأمطار، وتكرار العواصف الترابية، فضلاً عن الاستغلال الجائر للأراضي الزراعية وقطع الأشجار من دون خطط تعويضية، كما ان سوء إدارة الموارد المائية واعتماد أنماط ري غير مستدامة ادى إلى تراكم الأملاح في الأراضي الزراعية، لاسيما في وسط وجنوب العراق، هذا التفاعل بين التصحر وتملّح التربة أفضى إلى تقلص المساحات الزراعية المنتجة، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، وتفاقم أزمة الأمن الغذائي([28]). كما انعكس ذلك اجتماعياً من خلال زيادة معدلات الهجرة الداخلية، ما اسهم في زيادة معدلات الهجرة من الريف إلى المدن، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وارتفاع نسب البطالة والفقر في المجتمعات المحلية المعتمدة على الزراعة والرعي، انظر الجدول (1) يوضح النزوح الداخلي المرتبط بالمناخ في العراق (2021 – 2024)، وتشير الدراسات المستقبلية إلى أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤدي إلى فقدان مساحات أوسع من الأراضي الصالحة للزراعة بحلول عام 2050، مما يعمّق أزمة الأمن الغذائي والبيئي في البلاد([29])، مما يجعل العراق في مواجهة مباشرة مع تحديات بيئية واقتصادية مركبة تتطلب تبني سياسات متكاملة للتكيف والحد من التدهور البيئي.
الجدول رقم (1) يوضح النزوح الداخلي المرتبط بالمناخ في العراق (2021 – 2024)
السنة |
عدد النازحيين الداخليين بسبب التغير المناخي |
2021 |
20.000 شخص |
2022 |
68.670 شخص (11.445 عائلة) |
2023 |
ما يقارب من 80.000 الى 130.000 شخص |
2024 |
168.000 شخص |
تم الاعتماد على مجموعة من المصادر:
-
1. International Organization for Migration (IOM). Climate-Induced Displacement – Central and Southern Iraq (as of 15 March 2024). Baghdad: IOM, 2024. https://iraqdtm.iom.int/files/Climate/20245212158666_2024-05-08%20-%20Climate%20Induced%20Displacement%20-%20March%202024.pdf
-
International Organization for Migration (IOM). Migration, Environment and Climate Change in Iraq. Baghdad: IOM/UN Iraq, 2022. https://iraq.un.org/sites/default/files/remote -resources/079bd27fc79b4084e48157653d335c8f.pdf
-
3United Nations Iraq. Drivers of Climate-Induced Displacement in Iraq: Climate Vulnerability Assessment, October 2023. Baghdad: UN Iraq, 2023. https://iraq.un.org/en/251774-drivers-climate-induced-displacement-iraq-climate-vulnerability-assessment-october-2023
-
ارتفاع درجات الحرارة: تشير المؤشرات المناخية الحديثة إلى أن العراق يشهد ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة منذ منتصف القرن الماضي، حيث بلغ معدل الزيادة حوالي (0.7) درجة مئوية مقارنة بما كانت عليه قبل مئة عام([30])، وقد ارتفع متوسط الحرارة السنوي ليصل في عام 2021 إلى (24.22) درجة مئوية، وهو أعلى من المعدلات المسجلة خلال القرن العشرين، الأمر الذي يعكس خطورة التغير المناخي في المنطقة([31])، ومن المتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى تفاقم موجات الحر القاسية بحلول عام 2050، بحيث قد تتجاوز درجات الحرارة في بعض المناطق (50) درجة مئوية([32]). هذه الظاهرة سيكون لها تأثيرات سلبية مباشرة على رطوبة التربة والإنتاج الزراعي وزيادة معدلات التبخر، مما يضاعف من احتمالية حدوث الجفاف والعواصف الترابية. ويمثل هذا التغير تهديداً بيئياً واقتصادياً واجتماعياً متنامياً يستدعي تبني سياسات وطنية عاجلة للتكيف مع المتغيرات المناخية، انظر الرسم البياني (2)، يُظهر مقدار ارتفاع درجات الحرارة الصيفية في العراق للمدة من 1986 إلى 2005، مقارنةً بما يُتوقع بين 2040 و2059، حتى مع تنفيذ تدابير تخفيف الانبعاثات.
الرسم البياني رقم (2) يُظهر مقدار ارتفاع درجات الحرارة الصيفية في العراق للمدة من 1986 إلى 2005، مقارنةً بما يُتوقع بين 2040 و2059
Sources: Atlantic Council. Climate Profile: Iraq. Washington, DC: Atlantic Council – empowerME Initiative, 2022.
https://www.atlanticcouncil.org/programs/middle-east-programs/rafik-hariri-center-for-the-middle-east/empowerme/macromena/climate-profile-iraq
السياسات والتشريعات الوطنية لمكافحة التغير المناخي
-
التشريعات البيئية: اعتمد العراق عدة قوانين أساسية لتقوية الإطار التشريعي البيئي، أبرزها قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009، الذي نص على وضع آليات للحد من التلوث، وحماية الموارد الطبيعية، ومعالجة المشكلات البيئية بشكل مؤسسي. كما أُعيد التأكيد على المادة (33) من الدستور العراقي التي تُلزم الدولة بالحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية من التلوث والتدهور([33]).
-
المؤسسات الوطنية والوزارات المختصة: تتولى وزارة البيئة العراقية ووزارة الموارد المائية مسؤولية وضع السياسات وتنفيذ الاستراتيجيات البيئية. كما أُنشئت وحدات متخصصة لمتابعة قضايا التغير المناخي داخل الوزارات ذات العلاقة، في إطار دعم التنسيق المؤسسي لمواجهة التحديات البيئية([34]).
-
الاستراتيجيات الوطنية: أقرت الحكومة العراقية الاستراتيجية الوطنية لحماية البيئة وتحسينها، التي تبنت نهجاً شاملاً للتكيف مع التغير المناخي، كما أطلقت وثائق وطنية مهمة مثل البلاغ الوطني الأول (2009) ووثيقة المساهمات المحددة وطنياً (NDC 2021)، واللتين تركزان على خطط التخفيف من الانبعاثات والتكيف مع آثار التغير المناخي، فضلا عن خفض الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للاقتصاد الوطني([35]).
-
البرامج والمشروعات البيئية: شهد العراق إطلاق مجموعة من المشاريع مثل المشروع الوطني لمواجهة التغير المناخي، ومشروع الحزام الأخضر في بغداد، ومشروع غابات بغداد المستدامة، تهدف هذه المبادرات إلى مكافحة التصحر، وخفض درجات الحرارة في المدن، وزيادة المساحات الخضراء، فضلاً عن تطوير البنى التحتية للحد من التلوث وتحسين نوعية الهواء([36]).
-
الالتزامات الدولية: انضم العراق إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (UNFCCC) عام 2009، ووقّع على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة مثل اتفاقية التنوع البيولوجي واتفاقية مكافحة التصحر. هذه الخطوات وفّرت للعراق إمكانية الحصول على الدعم المالي والفني من المؤسسات الدولية، وربط سياساته الوطنية بالإطار الدولي لمواجهة التغير المناخي([37]).
-
رؤية العراق للمناخ 2030: تركز رؤية العراق للمناخ 2030 على أربعة محاور: التكيف مع التغير المناخي، التحول نحو الاقتصاد الأخضر، تحسين كفاءة الطاقة، وتعزيز التعاون الدولي. وتطمح هذه الرؤية إلى تنويع الاقتصاد الوطني، وتوسيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة، وتقليل الاعتماد على النفط كمورد أساسي للإيرادات([38]).
يتضح مما تقدم أن العراق تبنى منظومة متكاملة نسبياً لمواجهة التغير المناخي تقوم على التشريع، والاستراتيجيات الوطنية، والمشروعات البيئية، والالتزامات الدولية. إلا أن التحدي الأكبر يكمن في ضعف التنفيذ نتيجة قلة التمويل، والظروف السياسية والأمنية غير المستقرة، ما يجعل الحاجة ملحة لتفعيل التنسيق المؤسسي وتعزيز التعاون الدولي لضمان استدامة هذه السياسات.
تقييم فاعلية برامج العراق في مواجهة التغير المناخي
-
قوة الإطار التشريعي والسياساتي (القابلية للتنفيذ): أرسى العراق أساساً قانونياً معقولاً عبر قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009، والدستور (المادة 33) اللذين يوفّران غطاءً تشريعياً للحدّ من التلوّث وحماية الموارد، كما صدرت وثائق تخطيطية حديثة مثل الاستراتيجية الوطنية لحماية البيئة 2024–2030 ورؤية العراق للمناخ 2030، ووثيقة المساهمات المحددة وطنياً 2021، تُعد هذه المنظومة نقطة قوة لأنها تحدّد اتجاه السياسات وتفتح قنوات التمويل الدولي، لكنّها تبقىتمك ينية ما لم تُربط بموازنات برامجية وآليات تنفيذ على مستوى المحافظة.
-
الحوكمة والتنسيق المؤسسي (الملائمة والاتساق): تطوّر الهيكل المؤسسي بإنشاء وحدات تغيّر مناخي داخل الوزارات، غير أن الاتساق بين البيئة والموارد المائية والزراعة والطاقة ما يزال متذبذباً، فالمهام تتقاطع، وآليات اتخاذ القرار اللامركزي محدودة، ونُظم المتابعة مشتركة جزئياً فقط، اذ توصي الوثائق الوطنية نفسها بتعزيز الحوكمة على مستوى المحافظات وبناء نظام متابعة وتقييم موحّد (MRV) Measurement, Reporting, and Verificationأي القياس والإبلاغ والتحقق يربط البيانات بالموازنات والنتائج([39]).
-
الوصول إلى التمويل المناخي (الكفاءة والاستدامة): أفادت الحكومة من مسارات الاستعداد للصندوق الأخضر للمناخ وبرنامج تقييم الاحتياجات التكنولوجية بهدف مواءمة المشاريع مع معايير التمويل، لكن الحصول على تمويلات تنفيذية واسعة ما زال محدوداً، إذ يغلب التمويل (الإعدادي- الجاهزية) على التمويل الاستثماري، وتحتاج قدرات إعداد المقترحات وإدارة المخاطر البيئية والاجتماعية إلى تعزيز لضمان القابلية للتمويل على نطاق أوسع([40]).
-
الالتزام الدولي واتساقه مع التخطيط الوطني (الفاعلية): انضمام العراق إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية (UNFCCC) ومشاركته في آليات باريس وفّر مظلة للتكيّف والتخفيف، سمح بتقديم البلاغ الوطني الأول (2016) وتحديثات غير أنّ جزءاً معتبرًا من تعهّدات الخفض في NDC مشروط بالدعم الدولي، ما يعني أنّ تحقيقه رهن بصفقات تمويل وتقنيات وتعاون طويل الأمد- وهو ما يتطلّب تسريع قنوات الشراكة مع UNDP وUNEP والجهات المانحة([41]).
-
التنفيذ على الأرض (المخرجات القابلة للقياس): شهدت السنوات الأخيرة إطلاق مبادرات حضرية مثل مشروع الحزام الأخضر في بغداد ومشروع بغداد “غابات بغداد المستدامة”، لخفض حرارة المدن وتوسيع الرقعة الخضراء، تمثّل هذه المشروعات انتقالاً من التخطيط إلى التنفيذ، لكنها لا تزال محدودة التغطية جغرافياً وتفتقر إلى نشر مؤشرات أداء منهجية (مساحات مُشجّرة فعليًّا، معدّل بقاء الشتلات، محاصيل مروية بالريّ الحديث، كميات مياه موفّرة، أطنان CO₂ مخفَّضة)، ما يصعّب قياس الأثر والتحسين المستمر([42]).
-
التخفيف من الانبعاثات والطاقة (الأثر): رغم إدراج رفع كفاءة الطاقة والتوسّع في المتجدّدات في الرؤية الوطنية، فإن التحوّل الطاقي الفعلي ما يزال بطيئاً مقارنة بحجم الاعتماد على الوقود الأحفوري وحرق الغاز المصاحب، ما تبرز الحاجة إلى حزمة سياسات متكاملة مثل: تسعير الكربون أو بدائله، إلغاء الدعم غير الموجّه تدريجياً، معايير كفاءة ملزمة، وجدولة مشروعات ربط الغاز المصاحب ومحطات شمسية (رياح لا مركزية)، لضمان أثر ملموس على الانبعاثات وجودة الهواء([43]).
-
التكيّف القطاعي في المياه والزراعة والمدن (الجدوى): يظل ملف الأمن المائي التحدّي الأشد، لاسيما وان تراجع الإيرادات المائية وتزايد الجفاف وتملّح التربة يفرضان أولوية للاستثمارات في الريّ الحديث، والصرف الزراعي، وإدارة الملوحة، والمحاصيل المتحملة للجفاف، فضلا عن حلول حضرية (أسطح خضراء، تبريد حضري، إنذار مبكر)، اذ تُقرّ الوثائق الوطنية بهذه الأولويات، لكن التنفيذ يتطلب حوكمة عابرة للقطاعات وتمويلاً موجهاً بالنتائج([44]).البيانات والقياس والإفصاح.
-
(الشفافية والمساءلة): تعتمد صياغة السياسات المناخية على بيانات دقيقة وطويلة المدى، لكن العراق يفتقر إلى منظومة متكاملة للرصد المناخي، مما يجعل عملية التخطيط والاستجابة للتغيرات المناخية أقل فاعلية([45])، اضف الى ذلك ان نُظم البيانات المناخية والبيئية غير مكتملة التوحيد، فالمؤشرات موزّعة بين جهات عدّة ونادرًا ما تُنشر كسلاسل زمنية مفتوحة، لذا فان إنشاء مرصد وطني للمناخ وMRV يربط الحقول والمشاريع بالموازنات والنتائج، سيرفع موثوقية التقارير كما يُمكّن من التعلّم المؤسسي وتوجيه التمويل إلى ما يثبت جدواه([46]).
المعوقات الاجتماعية والاقتصادية
يوجد عدد من المعوقات الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من فاعلية السياسات الحكومية العراقية لمكافحة اثار التغيير المناخي والتي يمكن حصرها بالآتي:
اولا: المعوقات الاجتماعية
-
ضعف الوعي البيئي: لا يزال مستوى الوعي البيئي في العراق محدوداً، إذ تتركز اهتمامات الأفراد على القضايا الأمنية والمعيشية المباشرة، فيما تُعد القضايا المناخية ثانوية، هذا الضعف يقلل من فعالية حملات الترشيد والتشجير التي تطلقها الحكومة، ويحدّ من المشاركة المجتمعية في مواجهة التغير المناخي([47]).
-
الضغوط السكانية والهجرة الداخلية: أدى التصحر وتراجع الأراضي الزراعية إلى نزوح آلاف الأسر من الريف إلى المدن، مما زاد الضغط على البنية التحتية الحضرية وأضعف الاستقرار الاجتماعي. هذه الظاهرة تخلق فجوة بين السياسات المناخية وأهدافها التنموية.
-
ضعف المشاركة المجتمعية: على الرغم من وجود مشروعات مثل “الحزام الأخضر في بغداد”، إلا أن المشاركة الشعبية في تنفيذها وصيانتها محدودة، بسبب غياب الحوافز الاقتصادية وضعف ثقافة المسؤولية البيئية المشتركة.
ثانياً: المعوقات الاقتصادية
-
الاعتماد المفرط على النفط: يعتمد الاقتصاد العراقي على النفط كمصدر رئيس للإيرادات بما يفوق (90%)، ما يعرقل فرص الاستثمار في بدائل الطاقة أو برامج الاقتصاد الأخضر، ويجعل السياسات المناخية رهينة لتقلب أسعار النفط.
-
ضعف التمويل المناخي: رغم انضمام العراق إلى اتفاقية باريس والاستفادة من برامج الأمم المتحدة، إلا أن التمويل المناخي الخارجي يظل محدوداً، وغالباً يقتصر على تمويل (الجاهزية) دون التنفيذ الفعلي لمشروعات واسعة.
-
قصور البنية التحتية والقدرات التكنولوجية: يعاني العراق من محدودية شبكات الري الحديث وضعف أنظمة الصرف الزراعي وندرة مشاريع الطاقة المتجددة، مما يحد من قدرته على مواجهة التصحر والتملح والتكيف مع الجفاف([48]).
-
غياب التنويع الاقتصادي: إن ضعف مساهمة الزراعة والصناعة في الناتج المحلي يقلل من قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات المناخية، ويجعل العراق أكثر هشاشة أمام تقلبات أسعار النفط والموارد المائي([49]).
مما تقدم يمكن القول، تُظهر هذه المعوقات أن قدرة العراق على تنفيذ التزاماته الدولية (اتفاقية باريس) والحصول على التمويل الدولي تبقى محدودة، مما يؤثر على ثقة المواطن بجدوى السياسات المناخية. ومن ثم فإن التغلب على هذه المعوقات يتطلب تعزيز الوعي المجتمعي، وتنويع مصادر الاقتصاد الوطني، وربط البرامج المناخية بخطط تنمية مستدامة متكاملة.
المحور الثالث
استراتيجية مقترحة لتعزيز الجهود الوطنية لمكافحة التغير المناخي في العراق
دمج الأطر الدولية بالخطط الوطنية
من خلال مواءمة المساهمات الوطنية مع اتفاق باريس، اذ ينبغي للعراق مراجعة مساهماته المحددة وطنياً (NDCs) كل خمس سنوات، بما ينسجم مع اتفاق باريس، هذه المراجعة يجب أن تحدد أهدافاً كمية قابلة للقياس لخفض الانبعاثات، مثل خفض نسب الانبعاث في قطاع الطاقة أو تحسين كفاءة المياه في الزراعة، مع وضع إطار زمني للتنفيذ([50]).
فضلا عن ذلك، الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية، اذ يمكن للعراق الاستفادة من تجارب رائدة مثل تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي ومبادرات الطاقة الشمسية في المغرب (نور ورزازات)، عبر تكييف هذه التجارب لتناسب خصوصية العراق المناخية والاقتصادية([51]).
فضلا عن تطوير آليات متابعة وتقييم وطنية، اذ من الضروري إنشاء نظام وطني للرصد والتقييم المناخي، مع مؤشرات أداء واضحة مثل: حجم الانبعاثات، نسبة استخدام الطاقة المتجددة، وعدد مشاريع التكيف المنفذة. ويجب ربط هذا النظام بآليات شفافة تعزز المساءلة المجتمعية([52]).
تعزيز القدرات المؤسسية والفنية
من خلال إنشاء هيئة وطنية عليا للتغير المناخي، اذ إن توحيد الجهود المؤسسية يتطلب إنشاء هيئة وطنية مستقلة تُعنى بسياسات التغير المناخي وإدارة التمويل الدولي والتنسيق مع المنظمات الأممية.([53]) فضلا عن بناء القدرات البشرية، ويشمل ذلك تدريب الكوادر الوطنية على النمذجة المناخية، إدارة الموارد، وتمويل المشاريع الخضراء، بالتعاون مع الجامعات والمراكز البحثية المحلية والدولية([54])، كذلك ضرورة تعزيز البنية التحتية البيئية، ويتطلب ذلك تطوير شبكات الرصد المناخي، محطات الطاقة المتجددة، وأنظمة الري الحديثة لضمان استدامة الموارد([55]).
تفعيل آليات التمويل الدولية
اذ يمكن للعراق التوجه إلى صندوق المناخ الأخضر (GCF) وصندوق البيئة العالمية (GEF) للحصول على دعم لمشاريع الطاقة المتجددة واستصلاح الأراضي، فضلا عن تشجيع الاستثمار الخاص في الاقتصاد الأخضرمن خلال الحوافز الضريبية، التمويل الميسر، ودعم المشاريع المستدامة في الطاقة والزراعة والنفايات([56]).
التحول في السياسات العامة
العراق بحاجة إلى إعادة صياغة سياساته البيئية والاقتصادية ضمن إطار متكامل يوازن بين متطلبات التنمية ومواجهة تحديات المناخ، الهدف منها:
-
تقليل الاعتماد الأحادي على النفط كمصدر رئيس للإيرادات.
-
ضمان استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
اما الأدوات فتتم من خلال تفعيل الاستراتيجية الوطنية للتكيف المناخي عبر خطط مرحلية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، وإصلاح التشريعات الخاصة بالبيئة والطاقة والمياه لتكون أكثر صرامة في مواجهة التلوث والهدر، فضلا عن إنشاء مجلس وطني للتنمية المستدامة يضم وزارات الزراعة، الموارد المائية، البيئة، التخطيط، الطاقة.
الابتكار في الزراعة وإدارة الموارد المائية
يمثل قطاع الزراعة خط الدفاع الأول في مواجهة التغير المناخي، لكنه يعاني من التصحر، تراجع المياه، وغياب التكنولوجيا الحديثة، لتفعيل القطاع الزراعي يجب تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وزيادة كفاءة استخدام الموارد المائية، فضلا عن تطوير الزراعة الذكية الصديقة للبيئة، وتتم من خلال ادوات يمكن الاستناد اليها لتحقيق ذلك التفعيل والتي يمكن حصرها بالآتي:
-
إدخال الزراعة الذكية بالاعتماد على التقنيات الرقمية (إنترنت الأشياء، الاستشعار عن بعد).
-
الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية والبذور المقاومة للجفاف والملوحة.
-
إنشاء شراكات إقليمية ودولية لإعادة تدوير المياه وتحلية المياه المالحة.
-
توسيع مشاريع الطاقة المتجددة في القطاع الزراعي (مضخات تعمل بالطاقة الشمسية والرياح).
المدن الذكية والاقتصاد الأخضر
تمثل المدن العراقية بؤراً رئيسة للتلوث والانبعاثات، لكنها أيضًا مراكز يمكن تحويلها إلى محركات للاقتصاد الأخضر، من خلال بناء مدن صديقة للبيئة تراعي مبادئ الاستدامة، وخلق فرص عمل جديدة عبر الاقتصاد الأخضر، وتقليل الانبعاثات من قطاع النقل والطاقة، ولتحقيق ذلك يجب:
-
توسيع المساحات الخضراء داخل المدن، وتطوير برامج التشجير الحضري.
-
إدخال النقل الكهربائي (حافلات وقطارات كهربائية) وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
-
تطوير الصناعات البيئية مثل إعادة التدوير، تكنولوجيا المياه والطاقة النظيفة.
-
تشجيع الاستثمار في الاقتصاد الدائري للحد من النفايات وإعادة تدوير الموارد.
التغيير الاجتماعي والوعي الشعبي
ان التحول نحو الاستدامة لا يمكن أن يتحقق من دون وعي مجتمعي واسع يربط بين المواطن والبيئة، لذا يجب تعزيز ثقافة بيئية لدى الأجيال الحالية والقادمة، ودعم المبادرات الشعبية والتطوعية في مجال البيئة، فضلا عن بناء رأي عام ضاغط يدعم السياسات البيئية، ولتفعيل ذلك يجب:
-
إدخال مناهج بيئية في جميع المراحل الدراسية تركز على العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
-
إطلاق حملات توعية وطنية عبر الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
-
دعم المبادرات الشبابية للتشجير، حماية الأنهار، تدوير النفايات.
-
إشراك المجتمع المدني في مراقبة تنفيذ السياسات البيئية ومساءلة الجهات الرسمية.
إن مستقبل العراق في مكافحة التغير المناخي وتحقيق التنمية المستدامة يعتمد على قدرته في صياغة سياسات متكاملة متوازنة، فضلا عن إدخال التكنولوجيا والابتكار في الزراعة والطاقة والموارد المائية، وبناء مدن خضراء واقتصاد متنوع، فضلا عن رفع وعي المواطن ودعم مشاركته، وتوفير مؤسسات قوية للحوكمة والتمويل، بهذا النهج، يمكن للعراق أن يحقق توازناً بين الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن أمن الأجيال الحالية والمستقبلية ويضعه ضمن الدول الفاعلة عالميًا في مجال مكافحة التغير المناخي.
الخاتمة
يظهر من خلال هذا البحث أن التغير المناخي أصبح تحدياً مركباً يتجاوز البعد البيئي ليشمل الأمن المائي والغذائي والصحي والاقتصادي، وأن العراق يُعد من الدول الأكثر هشاشة أمام آثاره رغم مساهمته المحدودة في الانبعاثات العالمية. فقد بيّنت الدراسة أن العراق يواجه مظاهر واضحة لتغير المناخ، مثل تراجع الموارد المائية، اتساع رقعة التصحر، وتكرار العواصف الترابية، الأمر الذي يضعه أمام أزمة وجودية تمس التنمية والاستقرار المجتمعي.
كما خلص البحث إلى أن الجهود الدولية التي تجسدت في اتفاقيات وبروتوكولات المناخ- بدءاً من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية عام 1992 وصولاً إلى اتفاق باريس 2015- قد أرست قواعد مهمة للتعاون الدولي، وأتاحت آليات للتمويل والتكنولوجيا، غير أن انعكاسها على الواقع العراقي ما يزال محدوداً بسبب ضعف القدرات الوطنية وصعوبة التكيف مع المعايير الدولية. وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن الجهود الوطنية للعراق، ممثلة في التشريعات البيئية، والرؤى الاستراتيجية مثل “رؤية العراق للمناخ 2030″، والمشروعات الميدانية كالحزام الأخضر، لا تزال تعاني فجوة بين التخطيط والتنفيذ نتيجة ضعف التنسيق المؤسسي وقلة التمويل وضعف الوعي المجتمعي.
وانطلاقاً من ذلك، فإن تعزيز استجابة العراق للتغير المناخي يتطلب اعتماد نهج تكاملي يربط الالتزامات الدولية بالخطط الوطنية، ويستثمر آليات التمويل الدولي والفرص المتاحة في الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة، ويؤسس لبنية مؤسسية قادرة على إدارة ملف المناخ بكفاءة. كما أن نجاح العراق في هذا المجال مشروط بقدرة الدولة على إدماج البعد البيئي في سياساتها التنموية، وتنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد الأحادي على النفط، وتفعيل المشاركة المجتمعية التي تمثل الضمانة لاستدامة أي سياسة مناخية.
وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مستقبل العراق في مواجهة التغير المناخي سيتحدد بقدرته على التحول من الاستجابات الجزئية إلى استراتيجية وطنية شاملة، تقوم على التخطيط طويل الأمد، والحوكمة البيئية الرشيدة، والشراكة الفاعلة مع المجتمع الدولي. إن التغير المناخي ليس قدراً محتوماً، بل فرصة لإعادة صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية نحو مسار أكثر استدامة يحمي الأجيال الحاضرة والمستقبلية.
الاستنتاجات
-
تأثير التغير المناخي في العراق أصبح ملموساً من خلال مظاهر الجفاف، التصحر، تراجع الموارد المائية، وتكرار العواصف الترابية، مما يهدد الأمن المائي والغذائي والاجتماعي.
-
مساهمة العراق في الانبعاثات العالمية ضئيلة نسبياً، لكنه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغير المناخي نتيجة موقعه الجغرافي واعتماده الكبير على الموارد المائية المشتركة.
-
الجهود الدولية، مثل اتفاق باريس وصندوق المناخ الأخضر، توفر فرصاً مهمة للعراق في التمويل ونقل التكنولوجيا، لكن الاستفادة منها ما تزال محدودة بسبب ضعف القدرات المؤسسية والفنية.
-
السياسات الوطنية العراقية، رغم وجود تشريعات واستراتيجيات (مثل رؤية العراق للمناخ 2030)، الا انها تعاني من فجوة واضحة بين النصوص والتطبيق الفعلي على الأرض بسبب محدودية التمويل وضعف التنسيق بين المؤسسات.
-
المعوقات الاجتماعية والاقتصادية، مثل ضعف الوعي البيئي، النزوح الداخلي، الاعتماد الأحادي على النفط، والقصور في البنية التحتية، تشكّل عائقاً رئيساً أمام تحقيق أهداف الاستدامة.
-
الإمكانات الكامنة غير المستثمرة، مثل الطاقة الشمسية والرياح، والزراعة الذكية، يمكن أن تمثل ركيزة للتحول إلى اقتصاد أخضر إذا جرى تفعيلها ضمن خطط تنموية متكاملة.
التوصيات
-
إنشاء هيئة وطنية عليا للتغير المناخي تكون مستقلة ومرتبطة برئاسة الوزراء، تتولى التنسيق بين الوزارات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وإدارة التمويل المناخي.
-
تفعيل التشريعات البيئية عبر مراجعة القوانين القائمة بما ينسجم مع المعايير الدولية، وفرض عقوبات صارمة على الأنشطة الملوثة، مع تحديث قانون البيئة لعام 2009 بما يعزز الحوكمة البيئية.
-
تنويع الاقتصاد الوطني نحو الاقتصاد الأخضر عبر تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، الزراعة المستدامة، والصناعات البيئية، وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات.
-
توسيع الاستفادة من التمويل الدولي من خلال إعداد مقترحات متكاملة تستجيب لمعايير صندوق المناخ الأخضر وصندوق البيئة العالمية، مع تعزيز قدرات الكوادر الوطنية في إعداد المشاريع وإدارتها.
-
تطوير البنية التحتية البيئية عبر توسيع شبكات الرصد المناخي، إنشاء محطات للطاقة المتجددة، واعتماد أنظمة ري حديثة تقلل الهدر المائي وتزيد من الإنتاجية الزراعية.
-
إدماج البعد المناخي في التعليم والإعلام عبر تضمين المناهج الدراسية موضوعات الاستدامة البيئية، وتنظيم حملات توعية وطنية لتعزيز الثقافة البيئية، فضلا عن تعزيز المشاركة المجتمعية بدعم المبادرات الشعبية في التشجير، حماية الأنهار، وإعادة التدوير، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة تنفيذ السياسات البيئية.
-
اعتماد الابتكار التكنولوجي في مجالات الزراعة الذكية، تحلية المياه، وإدارة النفايات، بما يسهم في تقليل الانبعاثات وتحقيق التنمية المستدامة.
* عضو هيئة تدريسية، جامعة النهرين – كلية العلوم السياسية – قسم السياسة الدولية، hadeel@nahrainuniv.edu.iq.
([1]) مايدي هاجر، “الجهود الدولية لمكافحة تغير المناخ: قراءة تحليلية تقييمية في اتفاقات قمة المناخ من 2015 إلى 2022″، (لبنان: مركز جيل البحث العلمي، 2023)، سلسة من كتاب أعمال الملتقى الدولي حول القانون الدولي وتحديات التغير المناخي، المجلد الثاني، العام العاشر، العدد 40، ص9.
([2]) UNFCCC. United Nations Framework Convention on Climate Change. United Nations, 1992.
([3]) Kyoto Protocol to the United Nations Framework Convention on Climate Change, 1997.
)[4]( European Commission. EU Emissions Trading System (EU ETS), Official Website, 2021.
)[5]( Ellerman, A. D., & Buchner, B. K. (2007). The European Union Emissions Trading Scheme: Origins, Allocation, and Early Results. Review of Environmental Economics and Policy, 1(1), 66–87.
)[6]( Daniel Bodansky, “The Copenhagen Climate Change Conference: A Postmortem,” American Journal of International Law 104, no. 2 (2010): 230.
)[7]( Joanna Depledge, “The Road Less Travelled: Copenhagen and the Future of Climate Negotiations,” Climate Policy 10, no. 6 (2010): 617.
)[8]( Daniel Bodansky, “The Cancun Climate Change Agreements: Efforts to Build a Balanced Package,” American Journal of International Law 105, no. 2 (2011): 288.
)[9]( Joanna Depledge, “The Cancun Agreements: An Incremental Step Forward,” Climate Policy 11, no. 2 (2011): 118.
)[10]( Daniel Bodansky, “The Legal Character of the Paris Agreement,” Review of European, Comparative & International Environmental Law 25, no. 2 (2016): 142
)[11]( Joanna Depledge, “The Paris Agreement: Ramping Up Climate Ambition,” Climate Policy 16, no. 6 (2016): 791.
([12]) برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تقرير التوقعات البيئية العالمية السادس (GEO-6)، نيروبي: UNEP، 2019، ص. 15.
)[13]( Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC), Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability, Cambridge: Cambridge University Press, 2022, p. 24.
)[14]( European Commission, EU Climate Action and Policy Framework, Brussels: EC, 2020, p. 5.
)[15]( African Union, Climate Change Strategy 2022–2032, Addis Ababa: AU, 2022, p. 5.
([16])جامعة الدول العربية، تعزيز التعاون العربي في مجال البيئة والتنمية المستدامة, القاهرة: الأمانة العامة، 2021، ص. 33.
([17]) مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تقرير البيئة والطاقة المتجددة في دول الخليج, الرياض: الأمانة العامة، 2020، ص.
([18]) مجلة السياسة الدولية، “دور المؤسسات المالية الدولية في دعم التغير المناخي”، العدد 225، 2020، ص. 53.
)[19]( Green Climate Fund, Annual Report 2020, Incheon: GCF, 2021, p. 7.
)[20]( Liu, J., & Wang, X., “China’s Low-Carbon Transition: Policies and Achievements,” Energy Policy 158 (2021): 112.
)[21] (Yoshida, H., & Tanaka, K., “Japan’s Low-Carbon Transition: Policies and Impacts,” Energy Policy 155 (2021): 106.
)[22]( Carley, S., & Browne, T., “U.S. Policy and Innovation in Renewable Energy,” Energy Policy 148 (2021): 112.
)[23]( Moroccan Ministry of Energy, National Energy Strategy 2030, Rabat: Ministry of Energy, 2021, p. 8.
)[24] (World Bank, Morocco: Renewable Energy and Climate Policy Review, Washington: World Bank, 2021, p. 9.
([25]) وزارة الموارد المائية، العراق. التقرير السنوي للمياه 2023. بغداد: وزارة الموارد المائية، 2024.
)[26]( World Bank, Iraq: Climate Change and Water Scarcity Report, Washington, D.C.: World Bank Publications, 2022, p. 47
([27]) وزارة التخطيط العراقية، نتائج التعداد العام للسكان لعام 2024، بغداد: وزارة التخطيط، 2025، متاح على الرابط:
https://mop.gov.iq/archives/category/التعداد-السكاني
([28]) وزارة التخطيط العراقية، التقرير الوطني للتنمية المستدامة في العراق، بغداد: وزارة التخطيط، 2021، ص. 134.
)[29]( United Nations Environment Programme (UNEP). Sand and Dust Storms in Iraq. UNEP Report, 2023.
([30]) سلطان جاسم النصراوي، التغير المناخي في العراق: مشكلة مركبة بمعالجات مؤجلة، مجلة استشراف، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 8، 2022، ص. 50.
)[31]( Adamo, N. et al. “Climate Change: Consequences on Iraq’s Environment.” Journal of Earth Sciences and Geotechnical Engineering 8, no. 3 (2018): 63–80.
([32]) الهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي. النشرة المناخية لعام 2023. بغداد: الهيئة العامة للأنواء الجوية، 2024.
([33]) جمهورية العراق، وزارة العدل، الوقائع العراقية، العدد 4120، بغداد، 2009، ص. 57.
([34]) وزارة البيئة العراقية، التقرير الوطني الأول بشأن التغير المناخي، بغداد، 2009.
([35]) وزارة البيئة العراقية، وثيقة المساهمات المحددة وطنياً (NDC)، بغداد، 2021.
([36]) رئاسة جمهورية العراق، مشروع الحزام الأخضر في بغداد، بغداد، 2021، متاح على: https://presidency.iq.
)[37]( United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC), Key Milestones in the Evolution of International Climate Policy, Bonn, 2020.
([38]) وزارة البيئة العراقية، رؤية العراق للمناخ 2030، بغداد، 2024، ص.
([39]) وزارة البيئة في جمهورية العراق، الاستراتيجية الوطنية لحماية وتحسين البيئة في جمهورية العراق 2024–2030، بغداد، 2024، ص ص 69–70.
)[40]( GCF, Technology Needs Assessment and Associated Action Plan for Climate Change Mitigation and Adaptation in Iraq’s Most Vulnerable Sectors (Readiness & Preparatory Support)، 2022
انظر أيضًا صفحة، وزارة البيئة: “الوثائق الوطنية الخاصة بالمفاوضات المناخية”، متاح على: https://moen.gov.iq/ar/climate-
)[41]( UNFCCC, Key Milestones in the Evolution of International Climate Policy، Timeline،:https://unfccc.int/timeline
([42]) رئاسة جمهورية العراق، مشروع الحزام الأخضر في العاصمة بغداد، بيان ومذكرة مشروع، متاح على: https://presidency.iq/Details.aspx?id=10239، انظر ايضا: وكالة الأنباء العراقية (INA)، “أمانة بغداد تطلق أعمال مشروع بغداد واحة خضراء، 2024/10/24، متاح على: https://www.ina.iq/219894.
([43]) وزارة البيئة العراقية، رؤية العراق للمناخ 2030، بغداد، 2024، ص. 6.
([44]) المصدر نفسه.
)[45]( World Bank. Data Gaps in Climate Policy Planning: Iraq. Washington DC: World Bank, 2023.
([46]) وزارة البيئة في جمهورية العراق، الاستراتيجية الوطنية لحماية وتحسين البيئة في جمهورية العراق 2024–2030، بغداد، 2024، ص ص. 69–70.
([47]) وزارة البيئة العراقية، الاستراتيجية الوطنية لحماية وتحسين البيئة في جمهورية العراق 2024–2030، بغداد، 2024، ص. 70.
([48]) المصدر نفسه، ص 72.
([49]) البنك الدولي، تغير المناخ والموارد المائية في العراق: تقرير السياسات، واشنطن، 2021، ص. 55.
([50]) مجلة السياسة الدولية. “اتفاق باريس للمناخ والتزامات الدول النامية.” العدد 220، 2020، ص45.
([51] ) عبد الرحيم، محمد. “التحول الطاقوي في المغرب: نموذج عربي للطاقة المتجددة.” مجلة المستقبل العربي، العدد 482، 2020، ص. 77.
)[52]( United Nations Environment Programme (UNEP). Emissions Gap Report 2023. Nairobi: UNEP, 2023.
)[53]( World Bank. Iraq Climate and Development Report. Washington, DC: World Bank, 2022.
)[54]( Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). Sixth Assessment Report (AR6), 2022.
([55]) كريم الياسري، “البنية التحتية البيئية ودورها في التنمية المستدامة.” مجلة الاقتصاد والعلوم الإدارية، العدد 72، 2022، ص. 141.
([56]) حيدر الزبيدي، “الاستثمار الأخضر كمدخل لتحقيق التنمية المستدامة.” مجلة الاقتصاد الأخضر، العدد 12، 2021، ص. 63.




