الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الظل العبري في الصحراء العربية: الإمارات وبناء النظام الإقليمي البديل

بقلم: حنين محمد الوحيلي

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين شهد النظام الإقليمي العربي تحولاً جوهرياً أعاد ترتيب التحالفات والصراعات التقليدية. برزت دولة الإمارات العربية المتحدة ليس كدولة عربية تقليدية تسعى للقيادة بل كلاعب جيوسياسي يعمل وفق نموذج “القوة الصغيرة الطموحة” الذي يحمل في طياته ثنائية خطيرة أداتية إماراتية لأجندة “إسرائيلية” وتحقيق مصالح إماراتية عبر خدمة الأهداف “الإسرائيلية” الأوسع.

يعتمد هذا النموذج على الدبلوماسية الاقتصادية العدوانية، وبناء شبكة تحالفات غير تقليدية تعبر الانقسامات الأيديولوجية، واستخدام القوة الناعمة والمؤسسات الثقافية، وتطوير قدرات عسكرية وتقنية متقدمة، واللجوء إلى الحرب بالوكالة عبر شبكة معقدة من المرتزقة والميليشيات المحلية. الهدف المعلن هو ضمان الأمن القومي الإماراتي في مرحلة ما بعد النفط، لكن الممارسة الفعلية تكشف عن رؤية أعمق، وهي إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة العربية وفق خرائط نفوذ جديدة تقوم على تفتيت الدول المركزية وخلق كيانات ضعيفة متناحرة، في تحالف استراتيجي متقاطع المصالح مع “اسرائيل”. وهنا تكمن المفارقة فبينما تحقق الإمارات نفوذاً إقليمياً فإنها في الوقت ذاته تنفذ المشروع “الإسرائيلي” التاريخي القائم على “تقسيم المقسم” في العالم العربي.

أن الإمارات تتبنى في سياستها “عقيدة الأمن القومي الموسع” التي تعتبر أن أمنها يمتد إلى عمق إقليمي يستدعي التدخل المباشر في شؤون الدول المجاورة. وبذلك تحولت الإمارات إلى ما يصطلح عليه “”إسرائيل” الناطقة بالعربية”، أي أداة تنفذ أجندة تقسم المنطقة وتعيد صياغة الهوية الجيوسياسية العربية وفق رؤية تتعارض مع المشروع القومي العربي التقليدي، وتخدم في جوهرها الاستراتيجية “الإسرائيلية” التاريخية الرامية إلى تفتيت الدول ذات الثقل الجغرافي والبشري. وعليه يمكن تحليل الدور الإماراتي وفق الآتي:

 

 

أولاً: التحالف مع “إسرائيل” وتنفيذ “المشروع الإبراهيمي”

تحول التطبيع الإماراتي مع “اسرائيل” من حدث دبلوماسي معزول إلى ركيزة بنيوية في سياسة إقليمية توسعية. تجلى هذا في “اتفاقات أبراهام” عام 2020، التي لم تكن مجرد اتفاقيات سلام بل إطاراً استراتيجياً لتحويل الصراع من صراع عربي-“إسرائيلي” إلى تعاون إقليمي موجه ضد “تهديدات مشتركة” محددة (إيران، الإسلام السياسي). يروج لمشروع “الديانة الإبراهيمية” وبناء “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبو ظبي كأدوات لطمس الهوية الإسلامية والعربية للمنطقة وخلق هوية دينية مبهمة تخدم الاندماج المجتمعي مع الكيان المحتل. في هذا الإطار أصبحت الإمارات الذراع التنفيذية الأكثر فاعلية للمصالح “الإسرائيلية” في المنطقة، حيث تقدم الغطاء العربي والدعم اللوجستي والسياسي للمشاريع “الإسرائيلية”، بينما تحقق “إسرائيل” أهدافها الاستراتيجية من خلال “الحسم بالوكالة”. هذه العلاقة التكافلية تخدم هدفين تخفيف العزلة الإقليمية “لإسرائيل” من جهة، وتمكين الإمارات من تنفيذ سياساتها التوسعية تحت مظلة “الشرق أوسطية الجديدة”.

 

مجسم عن الديانات الإبراهيمية الثلاثة أو المشروع الإبراهيمي

 

ثانياً: الأدوات التنفيذية وبؤرها

تعمل الإمارات على تفكيك الدول المركزية عبر أدوات متعددة منها الاستثمار الاستراتيجي الموجه للسيطرة على البنى التحتية الحيوية (موانئ، مطارات، مناجم)، وتمويل ودعم الميليشيات والجماعات الانفصالية، والحرب الإعلامية والثقافية. تتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في عدة بؤر صراع:

  1. الصومال وتكريس الانفصال: تمثل حالة أرض الصومال (صوماليلاند) النموذج الأبرز. فبعد إن فشلت الإمارات في التحالف مع الحكومة المركزية في مقديشو اتجهت إلى التعاون مع الإقليم الانفصالي غير المعترف به دولياً. أقامت قاعدة عسكرية في بربرة وحصلت على عقد إدارة وتشغيل الميناء لمدة 30 عاماً، مما منحها نفوذاً أمنياً واقتصادياً مباشراً على مضيق باب المندب الحيوي. هذا الوجود مهد الطريق لاحقاً للتقارب “الإسرائيلي” مع الإقليم حيث يمثل الاعتراف “الإسرائيلي” بأرض الصومال حلقة في مشروع أوسع لإعادة رسم النفوذ في القرن الأفريقي وقطع الطرق التجارية التقليدية.

  2. السودان والصراع على الموارد: يتجاوز الدور الإماراتي في السودان الدعم السياسي إلى التدخل العسكري المباشر. تدعم أبو ظبي “قوات الدعم السريع” بشكل علني على الرغم من انها جماعة متهمة بارتكاب تطهير عرقي في دارفور. الهدف المزدوج هو السيطرة على مناجم الذهب السودانية الهائلة وإضعاف الدولة المركزية لتحويل السودان إلى كيانات ضعيفة قابلة للسيطرة، وهو ما يتقاطع تماماً مع الاستراتيجية “الإسرائيلية” في المنطقة. كما أن إضعاف السودان يعزل مصر عن عمقها الجنوبي ويهدد أمنها المائي.

  3. ليبيا وإطالة أمد الحرب: كانت الإمارات الداعم الرئيس سياسياً ومالياً وعسكرياً للجنرال خليفة حفتر. لم يكن دعمها موجهاً لتحقيق الاستقرار بل لتعميق الانقسام بين شرق ليبيا وغربها وإطالة أمد الصراع لضمان استمرار حالة الضعف والفراغ الأمني التي تمنع قيام دولة موحدة قادرة على لعب دور إقليمي، مما يخدم الهدف “الإسرائيلي” المتمثل في إبقاء دول الجوار العربي في حالة من الفوضى والضعف.

  4. اليمن وتمزيق النسيج الوطني: تحولت الحرب في اليمن إلى نموذج صارخ للمواجهة بين الحليفين السابقين السعودية والإمارات. فبينما تسعى الرياض ليمن موحد ومستقر على حدودها، تدعم أبو ظبي المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي بشكل مباشر، بهدف إعادة إحياء دولة جنوب اليمن. هذا الدعم يقوض أي آفاق لتسوية سياسية شاملة ويحول البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة. بلغ التصعيد ذروته بقصف سعودي لشحنة مركبات إماراتية في ميناء المكلا في خطوة تعكس “خلافات جوهرية بشأن الهيكل السياسي المستقبلي لليمن”. الهدف الإماراتي- “الإسرائيلي” المشترك هو خنق السعودية عبر السيطرة على المنافذ المائية الجنوبية وتحويل اليمن إلى كيانات متنازعة تخدم المصالح “الإسرائيلية” وتتيح لها قرب جغرافي يساعدها في حربها على “أنصار الله” الحوثيين.

 

ثالثاً: تأثير الاستراتيجية الإماراتية على القوى الإقليمية الرئيسية

بعد تحليل الأبعاد العامة للاستراتيجية الإماراتية ودورها في المشروع الإبراهيمي “الإسرائيلي” يصبح من الضروري تحليل التأثير المباشر لهذه السياسة على القوى الإقليمية الرئيسة، وكيف تخدم أهدافاً “إسرائيلية” تاريخية تضعف المكونات الأساسية للأمن القومي العربي.

 

  1. السعودية الحصار المائي والاستهداف الجيوبوليتيكي

تشكل السياسة الإماراتية في اليمن تهديداً وجودياً للمملكة العربية السعودية يتجاوز الخلافات السياسية إلى أبعاد جيوبوليتيكية عميقة:

  • خنق المنافذ المائية: تسعى الإمارات بالتحالف مع المصالح “الإسرائيلية” إلى السيطرة على السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر (عدن، المكلا، المخا) وباب المندب. هذا يعطيها القدرة على عزل السعودية عن طرق التجارة البحرية الدولية خاصة خطوط النفط المتجهة من الخليج العربي عبر باب المندب، والتحكم في مضيق باب المندب الذي يمر عبره 8-10% من التجارة العالمية مما يضع الأمن الاقتصادي السعودي تحت التهديد.

  • خلق حزام أمني معاد: دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي يهدف لإنشاء كيان موالٍ في جنوب اليمن يشكل منصة عسكرية متقدمة ضد العمق السعودي الجنوبي، ونموذجاً انفصالياً قد يثير النزعات الانفصالية في مناطق السعودية الجنوبية، وشريكاً “إسرائيلياً” مباشراً على حدود السعودية الجنوبية محققاً الحلم “الإسرائيلي” التاريخي بالوصول إلى البحر الأحمر.

 

  1. مصر تهديد شريان الحياة وإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية

تمثل مصر هدفاً مركزياً في الاستراتيجية الإماراتية- “الإسرائيلية” نظراً لموقعها الجيوسياسي الفريد:

  • تهديد قناة السويس: تشكل سيطرة الإمارات- “إسرائيل” على باب المندب والمنافذ الجنوبية للبحر الأحمر تهديداً مباشراً لأمن قناة السويس، حيث القدرة على إغلاق باب المندب أو فرض رسوم إضافية تعطل الجدوى الاقتصادية للقناة، والتقارب مع إثيوبيا وسد النهضة يخدم استراتيجية مضاعفة الضغط على مصر مائياً واقتصادياً.

  • التغلغل الاقتصادي الاستراتيجي: يصل الاستثمار الإماراتي في مصر إلى 40% من الاقتصاد المصري وفق بعض التقديرات منتشراً في القطاع العقاري، والمالي، والإعلامي، والبنية التحتية الحيوية، مما يخلق تبعية اقتصادية واستراتيجية.

 

  1. تركيا عزل التجارة وتطويق النفوذ

تشكل السياسة الإماراتية تحدياً جيوسياسياً مباشراً للنفوذ التركي في المنطقة:

  • قطع طرق التجارة التركية مع أفريقيا: تسعى الإمارات بالتعاون مع “إسرائيل” إلى السيطرة على السواحل السودانية والصومالية، مما يعزل الموانئ التركية في الصومال عن عمقها التجاري وإضعاف النفوذ التركي في السودان عبر دعم المجلس العسكري ضد الفصائل المدعومة تركياً.

  • التطويق الجيوسياسي: تشكل التحالفات الإماراتية في شرق المتوسط مع اليونان وقبرص و”إسرائيل” ضد المصالح التركية في الغاز والتجارة، وفي ليبيا عبر دعم خليفة حفتر ضد الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من تركيا.

 

  1. الجزائر اختراق العمق الاستراتيجي

تمثل الجزائر حالة فريدة في المواجهة مع السياسة الإماراتية:

  • اختراق الداخل الجزائري: اتهمت الجزائر الإمارات بتمويل الحركات الانفصالية في منطقة القبائل، ودعم جماعات إسلامية متطرفة لزعزعة الاستقرار، والتدخل في الشؤون الانتخابية عبر دعم مرشحين معينين.

  • المواجهة في الساحة الأفريقية: تتنافس الجزائر مع النفوذ الإماراتي في مالي والنيجر حيث تدعم الجزائر الاستقرار بينما تدعم الإمارات القوى الانفصالية، وفي الصحراء الغربية، حيث تقف الجزائر مع جبهة “البوليساريو” هي الحركة التحررية التي تقود المطالبة بانفصال الصحراء الغربية عن المغرب. بينما تدعم الإمارات المغرب.

 

رابعاً: المواجهات الإقليمية

أدت السياسة الإماراتية التوسعية إلى استفاقة ومواجهة من قبل عدد من القوى الإقليمية:

  1. السعودية: تحول التحالف من حرب مشتركة في اليمن عام 2015 إلى حرب باردة ومواجهة علنية. أدركت الرياض أن مشروع التفتيت الإماراتي- “الإسرائيلي” يهدد عمقها الاستراتيجي وأمنها القومي، فبدأت في مراجعة تحالفاتها وطرد النفوذ الإماراتي من دوائر نفوذها التقليدية.

  2. الجزائر: قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات واتهمتها بالتدخل في شؤونها الداخلية وتمويل جماعات معارضة في خطوة تعكس رفضاً قاطعاً للنموذج الإماراتي في المنطقة.

  3. مصر وتركيا: تقف العلاقة معهما على طرفي نقيض فبينما تتعاون مصر مع الإمارات في ملفات مثل ليبيا ضد الإسلام السياسي تتنافس معها على النفوذ في شرق أفريقيا. أما تركيا فتمثل النموذج المضاد للأجندة الإماراتية مما أدى إلى حروب بالوكالة في ليبيا وسوريا والقرن الأفريقي.

 

خامساً: مخاطر النموذج وتحديات المستقبل

رغم النجاحات التكتيكية، تواجه الاستراتيجية الإماراتية تحديات جوهرية:

  1. التكاليف الباهظة: تكلفة التدخلات المتزامنة في عدة جبهات (اليمن، ليبيا، السودان، القرن الأفريقي) باهظة مادياً وسياسياً، وقد تستنزف الموارد على المدى الطويل.

  2. خلق أعداء متعددين: سياسة “حرق الجسور” خلقت عداءات مع قوى إقليمية كبرى (السعودية، الجزائر، تركيا، إيران) وجماعات محلية قوية مما يهدد الأمن الإماراتي نفسه.

  3. الاعتماد على النظام الحالي: ترتبط الاستراتيجية بشخص “محمد بن زايد” ونخبته الحاكمة وغياب خطة انتقال واضحة يجعلها هشة أمام أي تغيير داخلي.

  4. المخاطر الأخلاقية والقانونية: الاتهامات المباشرة بدعم جماعات تتورط في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتطهير عرقي (كما في السودان) تعرض الإمارات لعزلة دبلوماسية ومخاطر قانونية مستقبلية.

وعليه تشكل السياسة الإماراتية بالتحالف العضوي مع المشروع “الإسرائيلي” محاولة تاريخية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي وفق الأسس التالية:

 

  1. تحويل الصراع من عربي- “إسرائيلي” إلى عربي- عربي عبر إثارة النزاعات الحدودية والطائفية والإثنية.

  2. تفتيت الدول المركزية (السودان، اليمن، ليبيا، الصومال) لخلق كيانات ضعيفة قابلة للهيمنة.

  3. عزل القوى التقليدية (السعودية، مصر، تركيا، الجزائر) عن بعضها البعض وعن مصادر قوتها الجيوسياسية.

  4. بناء شبكة تحالفات رأسية (الإمارات-“إسرائيل”- إثيوبيا- اليونان- الهند) تعبر الهوية العربية والإسلامية.

 

وهنا السؤال الاستراتيجي الكبير هل ستنجح هذه المحاولة في إقامة “نظام “الشرق الأوسط” الجديد” الذي طالما حلم به بيريز ونتنياهو، أم أن مقاومة القوى التقليدية ووعي الشعوب العربية سيعيدان رسم المعادلة لصالح نظام إقليمي قائم على التكامل والسيادة الحقيقية؟

تشير المعطيات إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من الصراعات بالوكالة حيث ستتحول الدول العربية من ساحات للصراع إلى لاعبين في حرب باردة إقليمية، مع تعميق التبعية للقوى الدولية الكبرى التي تستفيد من هذا التفتيت. لكن الثقل الديموغرافي والجغرافي للقوى التقليدية وتصاعد الوعي الشعبي بخطورة المشروع قد يخلقان معادلة جديدة يصعب معها تحقيق الحلم “الإسرائيلي”- الإماراتي بالكامل. النتيجة الأكثر ترجيحاً هي منطقة أكثر انقساماً وأقل استقراراً حيث تتصارع مشاريع إقليمية متعددة على أنقاض النظام العربي التقليدي، مع استمرار “إسرائيل” كالمستفيد الأكبر من هذا التفتيت والصراع الداخلي العربي.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى