الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
ترامب يؤسس لسابقة خطيرة في فنزويلا
هل يفتح ذلك الباب أمام روسيا والصين لتكرار النهج نفسه في أوروبا وآسيا؟

بقلم: مايكل هيرش
كاتب عمود في مجلة فورين بوليسي
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
من خلال شنّ هجوم عسكري على فنزويلا واعتقال رئيسها والتعهد بإدارة البلاد إلى أجل غير محدد من دون أي تفويض من الكونغرس الأميركي أو مجلس الأمن الدولي، يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وجّه ضربة جوهرية لما تبقى من الأعراف الناظمة للنظام الدولي، ويرى عدد من الخبراء أن هذه الخطوة لا تقوّض فقط شرعية القانون الدولي بل تفتح الباب أيضًا أمام قوى منافسة، وفي مقدمتها الصين وروسيا لتبني سلوكيات مماثلة على المسرح العالمي. وفي المقابل يبدو أن المكاسب العملية التي حققتها واشنطن- ولا سيما فيما يتعلق بالحد من تدفق المخدرات إلى الولايات المتحدة- تبقى محدودة للغاية، رغم إصرار ترامب على أنه يرسّخ ما يسميه (الملحق الترامبي) لعقيدة مونرو ضمن استراتيجيته الجديدة للأمن القومي، والتي تهدف إلى استعادة التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي.
ورغم أن شريحة واسعة من المجتمع الدولي وكذلك غالبية الفنزويليين وفق معظم التقديرات لم تعترف بشرعية نيكولاس مادورو، وأن الأخير يواجه لائحة اتهام في الولايات المتحدة تتعلق بالاتجار بالمخدرات فإن منتقدين كثر يؤكدون أن سلوك ترامب أرسي سابقة بالغة الخطورة، إذ قد تستنتج بكين وموسكو من هذا النموذج أن بوسعهما استخدام القوة العسكرية ضد قادة إقليميين تعتبرهم تهديدًا لمصالحهما، ولا سيما في تايوان وأوكرانيا من دون اكتراث بشرعية هذه الأفعال أو بتداعياتها القانونية.
وفي هذا السياق حذّر السيناتور الديمقراطي مارك وورنر نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي من أن (ادعاء الولايات المتحدة حق غزو دول أخرى واعتقال قادتها بذريعة ملاحقتهم جنائيًا يفتح الباب أمام الصين للادعاء بالحق ذاته تجاه قيادة تايوان)، وأضاف:
وما الذي يمنع فلاديمير بوتين من استخدام المنطق نفسه لاختطاف رئيس أوكرانيا؟
فعندما يُكسر هذا الحاجز، تبدأ القواعد التي تكبح الفوضى العالمية بالانهيار وتكون الأنظمة الاستبدادية أول من يستغل ذلك”. وخلال مؤتمر صحفي عُقد يوم السبت وصف ترامب العملية بأنها “أحد أكثر الاستعراضات العسكرية الأميركية إدهاشًا وفعالية وقوة في التاريخ”، مؤكدًا بوضوح أن هدفه يتجاوز الإطاحة بمادورو ليشمل تغيير النظام وفرض وجود أميركي طويل الأمد، ويأتي ذلك على الرغم من النفي المتكرر الصادر عن إدارته وعلى الرغم من أن ترامب خاض حملة 2024 الانتخابية متعهدًا بتجنب مثل هذه التدخلات الخارجية.
وقال ترامب “سنُدير البلاد إلى أن نتمكن من تنفيذ انتقال آمن ومنظم ومدروس” من دون أن يستبعد أن يستغرق هذا المسار سنوات، وفي استعادة مقلقة لخطاب سبق غزو العراق عام 2003 أكد أن أي تكاليف أميركية سيتم تعويضها من “الثروات المستخرجة من باطن الأرض” في إشارة مباشرة إلى النفط الفنزويلي، مضيفًا “سنستخرج قدرًا هائلًا من الثروة”. كما برر الرئيس الأميركي توجهه بالقول “لا يمكننا المخاطرة بأن يسيطر طرف آخر على فنزويلا”، معلنًا أن شركات النفط الأميركية ستتولى إعادة تشغيل القطاع النفطي واستعادة ما وصفه “بالممتلكات الأميركية” المصادَرة، فضلًا عن جعل الشعب الفنزويلي غنيًا ومستقلًا وآمنًا. وعندما سُئل عمّا إذا كان هذا المسار يتضمن نشر قوات أميركية على الأرض أجاب ترامب “لسنا خائفين من إرسال قوات إذا اقتضت الحاجة”، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ لمح في تصريحات أخرى إلى إمكانية التحرك عسكريًا ضد المكسيك وكولومبيا، موجهًا تحذيرات مباشرة للرئيس الكولومبي غوستافو بيترو. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، قال ترامب إنه على الرغم من علاقته الجيدة بالرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، فإن الكارتلات هي التي تدير المكسيك مضيفًا أن شيئًا ما يجب فعله حيال المكسيك.

ويعيد هذا المسار إلى الأذهان غزو واحتلال العراق عام 2003 في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، الذي اعتُبر آنذاك ضربة قاصمة لشرعية القانون الدولي وقد استخدمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاحقًا لتبرير غزو أوكرانيا، غير أن إدارة بوش على الأقل سعت- ولو شكليًا- إلى استصدار تفويض من مجلس الأمن الدولي في حين لم تُبدِ إدارة ترامب أي اهتمام مماثل. وبذلك فإن هذه العملية مقترنة بالضربة العسكرية التي وجّهتها إدارة ترامب لإيران في صيف العام الماضي من دون تفويض أممي أو تشريعي، تمثل ضربة (ترامبية) ثقيلة لما تبقى من البنية الهشة للقانون الدولي، وتهدد بإطلاق مرحلة جديدة من الانفلات في العلاقات الدولية.
قال رايان بيرغ مدير برنامج الأميركيتين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن “ترامب يبدو جادًا للغاية في مسعاه لتوسيع الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي”، مضيفًا أن منطق الإدارة يقوم على أن هذا النظام يفتقر إلى الشرعية وأن الشرعية الوحيدة التي يحتاجها هي تلك التي تمنحها له المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، في إشارة إلى الجهة القضائية التي وجّهت الاتهام إلى نيكولاس مادورو. من جانبه رأى ويليام وولفورث أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دارتموث، أن خطوة ترامب تُضعف أكثر فأكثر قدرة الولايات المتحدة- المتآكلة أصلًا- على تقديم حجج مقنعة بشأن القواعد التي تنظّم استخدام القوة في السياسة الدولية، مضيفًا “أن هذا التآكل لا يشكل أي كلفة سياسية لهذه الإدارة لأنها ببساطة لا تُعير هذه القواعد اهتمامًا”. أما هارولد كو الخبير في القانون الدولي بجامعة ييل والمستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الأميركية فكان أكثر حدة، معتبرًا أن إدارة خارجة عن القانون وصلت إلى مستوى جديد من الانحدار، وأضاف أن ترامب انتهك ميثاق الأمم المتحدة بصورة صارخة من دون أي ادعاء مشروع بالدفاع عن النفس، ونفّذ عملية اعتقال عابرة للحدود غير قانونية ستُواجَه بطعون قوية أمام القضاء الأميركي. وعلى الصعيد الدولي قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في بيان إن العملية الأميركية “تنتهك مبدأ عدم استخدام القوة وهو أحد الركائز الأساسية للقانون الدولي”، في المقابل جاءت مواقف بعض الحلفاء الأميركيين أكثر تحفظًا إذ كتبت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس على منصة (إكس) أن الاتحاد الأوروبي يعتبر مادورو فاقدًا للشرعية، داعية في الوقت نفسه إلى ضبط النفس واحترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وبعد وقت قصير من إعلان ترامب الهجوم عبر منصة (تروث سوشال) أعلنت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي أن مادورو وزوجته سيليا فلوريس سيواجهان كامل قوة العدالة الأميركية على الأراضي الأميركية وأمام المحاكم الأميركية، عقب توجيه لائحة اتهام بحقهما في المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، وتشمل التهم بحسب بوندي “التآمر في قضايا إرهاب- مخدرات واستيراد الكوكايين وحيازة رشاشات وأسلحة تدميرية والتآمر لاستخدامها ضد الولايات المتحدة. ومن اللافت أن مادورو كان قد التقى، قبل ساعات قليلة فقط من اقتحام قوات العمليات الخاصة الأميركية منزله في كراكاس في جنح الظلام، وفق وصف ترامب بالمبعوث الصيني الخاص لشؤون أميركا اللاتينية تشيو شياو تشي، داخل قصر ميرافلوريس الرئاسي. وقد أدانت الصين الهجوم بشدة، معتبرة أنه سلوك هيمني ينتهك بشكل جسيم قواعد القانون الدولي بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية في بكين، ونقل بيرغ أن دبلوماسيين صينيين كانوا لا يزالون في كراكاس عند وقوع الهجوم.
ويبقى السؤال الجوهري ماذا حقق ترامب فعليًا من هذه العملية؟ فالمبرر المعلن- وهو أن مادورو متورط في ضخ كميات هائلة من المخدرات إلى داخل الولايات المتحدة- لا يصمد أمام المعطيات الواقعية، ورغم تأكيد ترامب أن معظم هذه المخدرات تأتي من فنزويلا تشير بيانات إدارة مكافحة المخدرات الأميركية التي جمعها مكتب أبحاث الكونغرس إلى أن فنزويلا لا تمثل سوى نسبة ضئيلة للغاية من مصادر الهيروين والكوكايين والميثامفيتامين والفنتانيل في السوق الأميركية، فعلى سبيل المثال يأتي أكثر من 85% من الهيروين من المكسيك فيما لا تتجاوز نسبة أميركا الجنوبية نحو 4% في حين لا يزال معظم الكوكايين مصدره كولومبيا.
نظريًا قد يفضي انتقال سياسي برعاية أميركية في فنزويلا إلى نتائج إيجابية لا سيما إذا تمكنت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو- الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025 – ومرشحها إدموندو غونزاليس، الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه فاز بانتخابات 2024 من تسلم السلطة، غير أن تصريحات ترامب نفسها بدّدت هذه الآمال إذ قال إن قيادتها ستكون صعبة للغاية وإنها لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد. وقد يكون أقرب سوابق هذا التحرك هو قرار الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب إرسال قوات أميركية لاعتقال الديكتاتور البنمي مانويل نورييغا عام 1989، وهي خطوة أسهمت لاحقًا في تحقيق قدر من الاستقرار في بنما، لكنها لم تُحدث تحولًا يُذكر في أزمة المخدرات الأميركية.
غير أن التاريخ الأميركي في أميركا اللاتينية يوحي بأن المخاطر تفوق بكثير فرص النجاح، فمعظم التدخلات العسكرية الأميركية في المنطقة منذ فشل غزو خليج الخنازير عام 1961 انتهت بكوارث سياسية واستراتيجية من دون مكاسب حقيقية لواشنطن سواء كان الدافع هو مكافحة الشيوعية خلال الحرب الباردة أو محاربة المخدرات لاحقًا، وربما كان النجاح الأميركي الأخير – وإن كان قبيحًا- يعود إلى الحرب الأميركية- الإسبانية في أواخر القرن التاسع عشر.
في عام 1954 أدى الانقلاب المدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية ضد الحكومة المنتخبة في غواتيمالا إلى عقود من الحرب الأهلية، وفي كوبا ساهم فشل غزو خليج الخنازير في دفع العالم إلى حافة مواجهة نووية خلال أزمة الصواريخ، أما الانقلاب المدعوم أميركيًا في تشيلي عام 1973 فقد فتح الباب أمام ديكتاتورية أوغستو بينوشيه الدموية وترك أثرًا دائمًا على سمعة وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر، كما انتهى تدخل إدارة رونالد ريغان ضد الساندينيين في نيكاراغوا بفضيحة (إيران-كونترا) وحرب أهلية جديدة. وفي هايتي لم تؤدِّ التدخلات الأميركية المتكررة منذ عهد وودرو ويلسون عام 1915 مرورًا بإدارة بيل كلينتون عام 1994 ثم إدارة جورج بوش الابن، إلا إلى مزيد من الفوضى وصولًا إلى مستوى من عنف العصابات حال دون إجراء انتخابات، وحتى خطة كولومبيا التي أنفقت عليها واشنطن مليارات الدولارات، انتهت بقيام الولايات المتحدة نفسها بسحب التصديق عن بوغوتا بسبب فشل سياسات مكافحة المخدرات. أما في فنزويلا، فقد فشل انقلاب يُعتقد أنه حظي بدعم أميركي ضد الرئيس هوغو تشافيز عام 2002، ليعود الأخير أقوى ويُمهّد الطريق لاحقًا لوصول خليفته المقرّب نيكولاس مادورو إلى السلطة.
* Michael Hirsh, Trump Sets a Devastating Precedent in Venezuela Will Russia and China now assume they can do the same in Europe and Asia? Foreign Policy, January 3, 2026.



