الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
ما الذي تريده الولايات المتحدة من فنزويلا؟

بقلم: الباحث محمد مكي الطاهر / السودان
في الساعات الأولى من فجر الثالث من يناير 2026، استيقظت العاصمة الفنزويلية كراكاس على دوي انفجارات عنيفة وتحليق مكثف للطائرات الحربية والمروحيات الأمريكية على ارتفاع منخفض (1). حيث كان بداية عملية عسكرية خاطفة أطلق عليها البنتاغون اسم “العزم المطلق” (Operation Absolute Resolve)، وبلغت ذروتها باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية (2).
هذا التدخل العسكري المباشر، وهو الأول من نوعه في دولة جنوب أمريكية، يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأمريكية، ويثير تساؤلاً محورياً: ما الذي تريده الولايات المتحدة حقاً من فنزويلا؟
الإجابة الرسمية التي قدمتها واشنطن تركزت على مكافحة “الإرهاب المخدر” واستعادة الديمقراطية. لكن وراء الأمر أجندة أكثر تعقيداً، تمزج بين الطموحات الجيوسياسية، والسيطرة على الموارد الطبيعية الهائلة، وإعادة فرض الهيمنة الأمريكية المطلقة في نصف الكرة الغربي. إنها قصة تعيد إلى الأذهان “دبلوماسية الزوارق الحربية”، وتضع “مذهب مونرو” في سياق محدث، حيث تُستخدم ذرائع الأمن القومي لتبرير ما يصفه البعض بـ “الإمبريالية العارية” (3).
لم تكن عملية “العزم المطلق” وليدة اللحظة، بل كانت نتاج تخطيط استخباراتي وعسكري دقيق استمر لأشهر. فمنذ أغسطس 2025، قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بنشر فرق صغيرة على الأرض لجمع معلومات استخباراتية دقيقة عن تحركات الرئيس مادورو ونمط حياته، بل وزرع عميل مقرب منه لتحديد موقعه بدقة في ساعة الصفر (4). وقد شملت الاستعدادات بناء نسخة طبق الأصل بالحجم الكامل لمنزل مادورو الآمن، حيث تدربت قوات النخبة الأمريكية مراراً على سيناريوهات الاقتحام.
البند |
التفاصيل |
التاريخ |
3 يناير 2026 |
القوات الرئيسية |
قوة دلتا (Delta Force)، مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وكالة المخابرات المركزية (CIA) |
الحشد العسكري |
حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford، 11 سفينة حربية، أكثر من 150 طائرة، 15,000 جندي |
الأهداف الأولية |
أنظمة الدفاع الجوي، محطات الرادار، قاعدة “لا كارلوتا” الجوية، قصر ميرا فلوريس |
النتيجة |
اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك، ومقتل 40 شخصاً حسب تقارير أولية (5) |
تفاصيل عملية “العزم المطلق”
بدأت العملية بفرض حظر جوي شامل، تلاه قصف مكثف استهدف البنية التحتية العسكرية والدفاعية حول كراكاس. وفي غضون دقائق، انقطعت الكهرباء عن العاصمة بالكامل، لتبدأ المروحيات بالتحليق فوق قصر ميرا فلوريس وإنزال قوات “دلتا فورس” التي استخدمت معدات متطورة، بما في ذلك المشاعل الحرارية، لاختراق الأبواب الفولاذية للحصن الرئاسي. وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تابع العملية مباشرة من منتجعه في فلوريدا، المبنى بأنه “حصن شديد الحراسة”، مشيداً بقدرة القوات على “تدمير أبواب فولاذية وُضعت هناك لهذا السبب تحديداً في غضون ثوانٍ”. بحلول الساعة 4:20 فجراً، كانت العملية قد انتهت، وغادرت المروحيات الأجواء الفنزويلية حاملة معها رئيس دولة ذات سيادة، في مشهد لم يشهده العالم منذ عقود.

لفهم الدوافع الحقيقية وراء هذا التدخل، يجب النظر إلى وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025، التي أرست ما يُعرف بـ “مذهب دونرو” (Donroe Doctrine)، وهو تحديث معاصر لمذهب مونرو الشهير. تنص العقيدة الجديدة بوضوح على أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع وجود أي قوات عسكرية أو قدرات تهديدية أو سيطرة على أصول استراتيجية من قبل منافسين غير إقليميين (الصين وروسيا وإيران) في الأمريكيتين.
ترى واشنطن أن نفوذ بكين وموسكو المتجذر في فنزويلا قد خلق بيئة تمنح المنافسين ميزة استراتيجية غير مقبولة. لذا، فإن الاستراتيجية الأمريكية تتضمن استبعادهم من ملكية أو السيطرة على موارد المعادن الحيوية، والموانئ، والبنية التحتية في أمريكا اللاتينية (6).
هذا التوجه يتخلى تماماً عن الخطاب “المثالي” للولايات المتحدة، ليحل محله مفهوم “الواقعية الصارمة” الذي يهدف إلى “تطهير الحي” وتحويله إلى منطقة نفوذ أمريكية خالصة. الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وفقاً لهذا المنظور، هي شرط أساسي لا غنى عنه للأمن والازدهار الداخلي الأمريكي.
لا يمكن فصل التدخل الأمريكي عن حقيقة أن فنزويلا تطفو على أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم (حوالي 303 مليار برميل) (7). لطالما كانت هذه الثروة محط أطماع الشركات الأمريكية الكبرى التي أُممت أصولها في عهد هوغو تشافيز. اليوم، الهدف الأمريكي واضح: العودة الكاملة لشركات مثل شيفرون وإكسون موبيل للسيطرة على عمليات الاستخراج والإنتاج (8).
وقد صرح الرئيس ترامب بوضوح أن الولايات المتحدة سوف “تدير” فنزويلا حتى يتم الانتهاء من انتقال “آمن ومناسب”، وأن السيطرة على موارد النفط ستكون وسيلة لـ “التعويض” عن تكاليف العملية العسكرية والاستثمارات المستقبلية في البنية التحتية النفطية المتهالكة (9). إنها رؤية تجارية بحتة للسياسة الخارجية، حيث يتم التعامل مع الدولة الفنزويلية كأصل اقتصادي يجب إدارته لتحقيق أقصى قدر من الأرباح.
إلى جانب النفط، تسعى واشنطن لتأمين الوصول إلى المعادن الحرجة والأرضية النادرة التي تزخر بها فنزويلا، مثل النيوبيوم والليثيوم والنحاس، بهدف كسر الاحتكار الصيني لهذه الموارد الحيوية للصناعات الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة.
أثارت العملية العسكرية ردود فعل متباينة. فقد أدانت كل من روسيا والصين العملية بشدة، معتبرتين إياها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وسيادة الدول (10). أما في أمريكا اللاتينية، فقد انقسمت المواقف؛ فبينما رحب قادة مثل خافيير ميلي في الأرجنتين بالخطوة، أبدت دول كبرى مثل البرازيل والمكسيك قلقها العميق من عودة “دبلوماسية الزوارق الحربية” التي قد تزعزع استقرار القارة بأكملها.
إن ما تريده الولايات المتحدة من فنزويلا في عام 2026 يتجاوز بكثير مجرد الإطاحة بنظام معادٍ. الهدف هو تحويلها إلى “محمية طاقة ومعادن” تابعة للولايات المتحدة، وتكون بمثابة نموذج لـ “استعادة القوة الأمريكية” في مواجهة النفوذ الصيني والروسي. لكن الطريق نحو تحقيق هذه الأهداف محفوف بالمخاطر. فالتدخل المباشر وإعلان نية “إدارة البلاد” قد يجر الولايات المتحدة إلى صراع استنزاف طويل الأمد، ويحول فنزويلا إلى “عراق جديد” في أمريكا اللاتينية، مع مقاومة مسلحة وفوضى أمنية تهدد نفس البنية التحتية النفطية التي تسعى واشنطن لحمايتها. إن نجاح أو فشل “مذهب دونرو” في فنزويلا سيحدد ملامح النظام الدولي والإقليمي لعقود قادمة.
المصادر
-
الجزيرة نت: اعتقال مادورو.. عملية أميركية استثنائية في قلب فنزويلا
-
BBC News: Spies, drones and blowtorches: How the US captured Maduro
-
The Guardian: ‘Naked imperialism’: how Trump intervention in Venezuela is a return to form for the US
-
DW: من أكثر عمليات أميركا تعقيداً.. خفايا اعتقال مادورو
-
Russia Today: مسؤول رفيع لـ‘نيويورك تايمز‘: مقتل 40 شخصاً في الهجوم الأمريكي على فنزويلا
-
Mexico Business News: The 2025 US National Security Strategy and Latin America’s Future
-
Al Jazeera: صراع النفط والسيادة.. لماذا تحاصر أميركا فنزويلا؟
-
Asharq: نفط فنزويلا.. أكبر احتياطيات بالعالم وبنية تحتية متهالكة
-
CNN: Trump says US is taking control of Venezuela’s oil reserves
-
CNN Arabic: أول تعليق من روسيا على اعتقال مادورو وزوجته وترحيلهما قسراً



