الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
فنزويلا في قلب التحوّل النسقي للنظام الدولي
بين تآكل السيادة، إعادة تعريف الشرعية، وحدود التدخل

بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
المقدمة
شهدت فنزويلا في الأشهر الأخيرة تطورات غير مسبوقة قلبت المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد، وأثارت تحولات عميقة على مستوى الداخلي والخارجي بشكل ملحوظ مع انعكاس وتيرة التغيير في العلاقات الدولية حولها. فقد أدت الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ سنوات، إلى جانب التوترات السياسية الداخلية، إلى تصاعد الصراع بين الحكومة والجهات المعارضة، وصولاً إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد ضمن عملية أمريكية. هذا الحدث يمثل أكثر من مجرد صراع داخلي، فهو يفتح نافذة لفهم تحولات النظام الدولي، بما في ذلك الهيمنة والنفوذ وتغيّر مفهوم السيادة، إعادة تعريف الشرعية السياسية، وتحديد حدود التدخل الدولي في الدول ذات الموارد الاستراتيجية. لذا، يشكل هذا الحدث نموذجًا حيًا للتحوّل النسقي في العلاقات الدولية، ويستدعي تحليلًا متعدد المستويات يشمل البعد الداخلي، الإقليمي والدولي. سنوضح هذه المرتكزات الأساسية ضمن الاتي:
البعد الداخلي
تواجه فنزويلا منذ أكثر من عقد ازمة بنيوية مركّبة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية متداخلة، ارتبطت في جوهرها بالاعتماد المفرط على الريع النفطي وتراجع القدرة الإنتاجية لقطاع الطاقة، ولا سيما انهيار البنية التحتية والإدارية لشركة النفط الوطنية، الأمر الذي انعكس في معدلات تضخم مرتفعة، وتدهور القدرة الشرائية، ونقص حاد في السلع الأساسية والخدمات العامة. وقد أسهم هذا الانهيار الاقتصادي في إضعاف القاعدة الاجتماعية للدولة وتقويض قدرتها على الاستجابة لمطالب المواطنين، بما أفضى إلى تصاعد الاحتجاجات واتساع فجوة الثقة بين المجتمع والسلطة. وعلى المستوى السياسي، شهدت البلاد تآكلًا تدريجيًا في فعالية المؤسسات الدستورية، تجسّد في اختلال التوازن بين السلطات، وتراجع دور البرلمان والقضاء والأجهزة الرقابية، مقابل تزايد تركّز السلطة التنفيذية وتعاظم دور الأجهزة الأمنية، الأمر الذي أضعف شرعية النظام السياسي، ولا سيما في ظل الجدل المتكرر حول نزاهة العمليات الانتخابية. وفي السياق ذاته، أنتج هذا المسار أزمة اجتماعية وإنسانية عميقة، تمثلت في موجات هجرة واسعة وتدهور الخدمات الأساسية، بما جعل البنية الداخلية للدولة أكثر هشاشة وقابلية للتأثر بالضغوط الخارجية. وعليه، فإن الحدث الأخير لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السياق الداخلي المأزوم، إذ يعكس تراكمًا طويل الأمد لأزمة الشرعية وضعف القدرة المؤسسية على إدارة الصراع السياسي والاجتماعي داخل الدولة.
البعد الإقليمي
تمثل فنزويلا فاعلًا إقليميًا ذا ثقل في أميركا اللاتينية، وقد تجاوزت تداعيات أزمتها حدودها الوطنية لتُحدث اختلالات ملموسة في البيئة الإقليمية، لا سيما على صعيد الاستقرار السياسي والأمني لدول الجوار. فقد أفضت موجات الهجرة الواسعة إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة على دول مثل كولومبيا والبرازيل، وأعادت ترتيب أولوياتها الأمنية، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة الحدود، والأمن المجتمعي، والسياسات الاجتماعية. وفي الوقت ذاته، تحولت الأزمة الفنزويلية إلى ساحة تنافس بين مقاربات إقليمية متباينة، حيث انقسمت دول المنطقة بين داعمة للنظام القائم بدوافع سيادية أو أيديولوجية، وأخرى مساندة لقوى المعارضة أو منخرطة في مساعٍ دبلوماسية تهدف إلى احتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو عدم استقرار إقليمي أوسع. وقد أضعف هذا الانقسام قدرة الأطر الإقليمية، مثل منظمة الدول الأميركية وتجمعات أميركا اللاتينية، على بلورة موقف موحد، ما جعل التدخلات الإقليمية تتسم بالطابع الانتقائي أكثر من كونها تعبيرًا عن مقاربة جماعية متماسكة. وعلى الصعيد الاقتصادي، تحتل الموارد النفطية الفنزويلية موقعًا محوريًا في معادلات الطاقة الإقليمية، إذ إن أي اضطراب في مستويات الإنتاج أو التصدير ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وأسعارها داخل أميركا اللاتينية، بما يعزز اهتمام الفاعلين الإقليميين بمسارات الأزمة السياسية ومحاولات التأثير فيها، سواء عبر الوساطة أو الانخراط غير المباشر. وعليه، تغدو فنزويلا في هذا السياق مركز اختبار لإمكانات العمل الإقليمي المشترك، وحدود الدبلوماسية الإقليمية في إدارة الأزمات المركبة ضمن بيئة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية.

البعد الدولي
أحدثت التطورات الأخيرة في فنزويلا “اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو” صدمة واضحة على مستوى النظام الدولي، لما انطوت عليه من إعادة صياغة عملية لمفاهيم السيادة والشرعية السياسية، حيث لم يعد التحكم الفعلي بالإقليم كافيًا لضمان الاعتراف الدولي، بل باتت الشرعية مشروطة بمدى القبول الخارجي والانخراط ضمن قواعد النظام الدولي المهيمن. وتشير المقاربة الأميركية في التعامل مع الحالة الفنزويلية إلى تفضيل أدوات التدخل غير التقليدية، كما في البداية العقوبات الاقتصادية الواسعة، وتجميد الأصول، والعزل الدبلوماسي، والتدخل السياسي غير المباشر، بدلًا من أنماط الاحتلال العسكري المباشر، وهو ما يعكس تحوّلًا في نماذج ممارسة القوة داخل الدول الطرفية ذات الأهمية الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تحولت فنزويلا إلى نقطة تماس بين أنماط نسقية متنافسة؛ من جهة، النسق الليبرالي الغربي الذي يربط الشرعية بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى، النسق السيادي التقليدي الذي تدعمه كل من روسيا والصين، ويؤكد أولوية عدم التدخل واحترام السيادة الوطنية. وقد جعل هذا التنافس من الأزمة الفنزويلية ساحة اختبار للتحولات البنيوية الجارية في النظام الدولي، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تعظيم مصالحها الاستراتيجية دون القدرة على بلورة تسوية مستقرة طويلة الأمد.
أما على مستوى الدوافع الأميركية، فيمكن تفسير السلوك الأميركي من منظور واقعي- بنيوي باعتباره محاولة لإعادة تثبيت موقع الهيمنة في نصف الكرة الغربي، ومنع القوى الصاعدة، ولا سيما الصين وروسيا، من ترسيخ موطئ قدم استراتيجي في فضاء جيوسياسي يُعد تقليديًا جزءًا من مجال النفوذ الأميركي. فالتحكم في الموارد الطاقوية الفنزويلية، ومسارات إنتاجها وتسويقها، لا يرتبط بالحاجة الأميركية المباشرة للنفط بقدر ما يعكس رغبة في ضبط توازنات الطاقة العالمية والتحكم بالأسواق، بما يحد من هامش المناورة لدى المنافسين الاستراتيجيين. وفي المقابل، يقدّم الخطاب الأميركي تبريرًا ليبراليًا مؤسسيًا لهذا التدخل، يقوم على حماية الديمقراطية، ومكافحة الفساد والجريمة العابرة للحدود، والحيلولة دون تحول فنزويلا إلى منطقة عدم استقرار الإقليمي. غير أن هذا التداخل بين الاعتبارات القيمية والمصالح الاستراتيجية يعكس، في جوهره، نمطًا من الهيمنة المتحوّلة التي تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات قانونية واقتصادية وسياسية، أكثر منها عسكرية مباشرة، في سياق نظام دولي يتسم بتعدد مراكز القوة دون أن يبلغ بعد مرحلة التعددية القطبية كواقع حال.
في ضوء ما سبق يمكن قراءة التطورات الأخيرة في فنزويلا، ولا سيما العملية الأميركية التي استهدفت رأس السلطة السياسية في كراكاس، بوصفها رسالة استراتيجية موجّهة إلى الصين بقدر ما هي موجّهة إلى الداخل الفنزويلي. ففنزويلا لا تمثل مجرد دولة مأزومة سياسيًا، بل تشكّل إحدى الركائز المحتملة لأمن الطاقة الصيني على المدى البعيد، بالنظر إلى حجم احتياطاتها النفطية المؤكدة، الأكبر عالميًا. وقد استطاعت بكين، خلال السنوات الماضية، تأمين جزء مهم من احتياجاتها النفطية من فنزويلا عبر ترتيبات ثنائية مستقلة نسبيًا عن المنظومة المالية والطاقوية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، سواء من خلال الاستخراج المباشر أو عبر صيغ مقايضة تقوم على “النفط مقابل السلع والخدمات والقروض”، بعيدًا عن الدولار الأميركي.
لا تعترض الولايات المتحدة، من حيث المبدأ، على حصول الصين على النفط الفنزويلي، بقدر ما تعترض على الطريقة التي يتم بها ذلك. فجوهر الاعتراض الأميركي يتمثل في خروج عمليات الاستخراج والنقل والتسعير عن السيطرة الأميركية، سواء عبر تجاوز الشركات الغربية، أو عبر استخدام آليات تبادل لا تمر بالنظام المالي العالمي القائم على الدولار. من هذا المنظور، لا تتعلق المسألة بحجم الكميات التي تذهب إلى الصين، بقدر ما تتعلق بمن يمتلك القدرة على تنظيم سلسلة القيمة الكاملة للطاقة: من الاستخراج، إلى النقل عبر الممرات البحرية، وصولًا إلى التسعير والتداول.
تدرك الولايات المتحدة، تاريخيًا، أن السيطرة على الطاقة لا تعني بالضرورة الاستحواذ على الموارد للاستهلاك المباشر، بل تعني قبل كل شيء التحكم بقواعد السوق: تحديد مستويات الإنتاج، التأثير في الأسعار العالمية، وضبط تدفقات الطاقة إلى المنافسين الاستراتيجيين. وفي هذا السياق، لا تحتاج واشنطن إلى نفط فنزويلا بقدر حاجتها إلى إخراج هذا المورد من الحسابات الاستراتيجية للصين، وإعادته إلى فضاء الهيمنة الأميركية، بما يسمح باستخدامه كأداة ضغط ومساومة ضمن توازنات الطاقة العالمية.

يتقاطع هذا المنطق مع إعادة إحياء مبدأ مونرو في صيغته المعاصرة، كما ورد في وثائق الأمن القومي الأميركي لعام 2025، والتي يمكن قراءتها بوصفها تحديثًا وظيفيًا للعقيدة التقليدية القائمة على مركزية نصف الكرة الغربي في الاستراتيجية الأميركية. فبينما كان التهديد في القرن التاسع عشر يتمثل في التغلغل الأوروبي، بات يتمثل اليوم في التمدد الصيني والروسي داخل أميركا اللاتينية، سواء عبرالاستثمارات الاستراتيجية، أو التعاون العسكري، أو بناء شبكات نفوذ اقتصادي طويلة الأمد، فضلًا عن قضايا عابرة للحدود مثل الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.
ضمن هذا الإطار، فإن أي تغيير جذري في السلطة السياسية في فنزويلا يعني، بالضرورة، إعادة ترتيب السيطرة على أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، بما ينعكس مباشرة على مستقبل الصعود الصيني في قطاع الطاقة. ومن هنا، يمكن فهم التحرك الأميركي الأخير ليس فقط كإجراء ضد نظام حاكم بعينه، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات النفوذ الصينية والروسية في المجال الحيوي الأميركي التقليدي، وإعادة ضبط موازين القوة في نصف الكرة الغربي.
وفي إطار ما سبق وجه ترامب رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على فرض إرادتها وتحقيق نتائج ملموسة، ليس فقط في مناطق النزاع التقليدية، بل أيضًا في فضاءات يُفترض أنها عصيّة على التدخل المباشر. كما يخاطب جمهورًا دوليًا أوسع، عبر الإيحاء بأن واشنطن تؤدي دور “المنفّذ” للنظام الدولي في مواجهة ما تصفه بانتهاكات الشرعية أو تهديد الاستقرار، على الرغم مما يخلوه الفعل من طابعًا أخلاقيًا وقانونيًا. وبهذا المعنى، يصبح الحدث جزءًا من سردية إنجازيه تهدف إلى إعادة تأكيد القيادة الأميركية عالميًا، وإظهار أن تحدي الهيمنة الأميركية لا يمر دون كلفة، في وقت يتسم فيه النظام الدولي بتزايد مظاهر التعددية وتراجع القدرة على الضبط.
الخاتمة والتحليل
الأزمة الفنزويلية تمثل نموذجًا حيًا للتحوّل النسقي في النظام الدولي. فهي ليست مجرد أزمة داخلية، بل ساحة اختبار لمفاهيم السيادة، الشرعية، والتدخل الدولي. على الصعيد الداخلي، أظهرت الأزمة هشاشة الدولة ومحدودية الشرعية، وعلى الصعيد الإقليمي، أبرزت مخاطر الاضطراب السياسي على الاستقرار والتنمية. أما على الصعيد الدولي، فكانت أزمة فنزويلا مسألة صراع نفوذ واختبار للقواعد الجديدة للسيادة المشروطة والتدخل المحدود. كما لا تعكس الأزمة الفنزويلية انتقالًا مكتملًا نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، بقدر ما تكشف عن تحوّل في نمط الهيمنة الأميركية من السيطرة المباشرة إلى إدارة بنيوية للصراعات في الدول الطرفية، في ظل نظام دولي انتقالي تتآكل فيه القدرة على الضبط دون أن تختفي الهيمنة نفسها.



