الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
ما بعد غزة: كيف قد تعيد الحرب الأهلية في اليمن والحوثيون تشكيل توازنات “الشرق الأوسط”؟

بقلم: أبريل لونغلي آلي
ترجمة: صفا مهدي
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
من بين التداعيات الإقليمية الأوسع لوقف إطلاق النار الذي أُعلن في غزة في تشرين الاول كان يُفترض أن يتمثل أحد أبرز نتائجه في إرساء حالة من الهدوء النسبي في البحر الأحمر وربما في اليمن أيضًا، فقد أفضت الهدنة بالفعل إلى تعليق جماعة الحوثيين- وهي جماعة مسلحة بشكل كثيف تسيطر على شمال اليمن بما في ذلك العاصمة صنعاء وترتبط بتحالفات وثيقة مع حركة حماس وإيران- لهجماتها على الملاحة التجارية في البحر الأحمر وعلى “إسرائيل”**، كما بدا أن اتفاقًا سابقًا بوساطة عُمانية بين الحوثيين والحكومة الأميركية أسهم في تقليص التهديد المباشر الذي تشكله الجماعة على الأصول الأميركية في ممرات الشحن الاستراتيجية. وعلى الصعيد الداخلي استمرت الهدنة الهشة في الحرب الأهلية اليمنية، الممتدة منذ نحو ثلاث سنوات ونصف بين الحوثيين والحكومة اليمنية ، ورغم أن الحوثيين لم يُهزموا عسكريًا فإن مسؤولين أميركيين بدوا مقتنعين بأن الساحة اليمنية قد دخلت مرحلة من التهدئة، بما يتيح لواشنطن تحويل اهتمامها إلى ملفات إقليمية أخرى.
غير أن هذا الهدوء النسبي لم يدم طويلًا، فبعد أقل من شهرين وفي مطلع كانون الاول أطلق الانفصاليون الجنوبيون حملة عسكرية واسعة للسيطرة على مساحات كبيرة من إقليم حضرموت الغني بالنفط والمجاور للمملكة العربية السعودية إضافة إلى محافظة المهرة المحاذية لسلطنة عُمان، وقد شكّل هذا التحرك الذي قاده المجلس الانتقالي الجنوبي- وهو فصيل منضوٍ ضمن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لكنه يتبنى مشروع استقلال جنوب اليمن- تحولًا بنيويًا عميقًا في موازين القوى داخل البلاد، فمن جهة يحظى المجلس بدعم مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة وقد أدى توسعه السريع إلى إثارة توترات جديدة مع السعودية التي تدعم فصائل منافسة داخل الحكومة وتنظر إلى هذا التمدد بوصفه تهديدًا محتمَلًا لأمنها القومي، والأخطر من ذلك أن هذا الهجوم يوفر ذريعة سياسية وعسكرية لتحركات أوسع نطاقًا من جانب الحوثيين.
وفي موازاة تصاعد تحركات المجلس الانتقالي أعلن الحوثيون عزمهم توسيع نطاق سيطرتهم ليشمل مناطق إنتاج النفط والغاز في شرق اليمن، وبمساندة من إيران ودول أخرى واصلت الجماعة جهودًا مكثفة لتعزيز ترسانتها من الأسلحة التقليدية المتطورة إلى جانب توسيع قدراتها على التصنيع العسكري المحلي بما يشمل القدرة على تجميع صواريخ باليستية وإنتاج طائرات مسيّرة قصيرة المدى بصورة مستقلة، وفي السياق ذاته تعكس ممارسات الجماعة وخطابها السياسي طموحًا واضحًا للهيمنة على كامل الجغرافيا اليمنية والاستمرار في مواجهة “إسرائيل” والولايات المتحدة والسعودية والإمارات، وفي حال تعثّر وقف إطلاق النار في غزة يبدو الحوثيون مستعدين لاستئناف هجماتهم في البحر الأحمر ومع إدراكهم الآن لمدى فاعلية تلك الحملة فإن احتمال إعادة توظيفها مستقبلًا لأهداف أخرى يظل قائمًا.

إن تجاهل الولايات المتحدة للملف اليمني ينطوي على مخاطر استراتيجية جسيمة، وحتى الآن اقتصرت مقاربة إدارة ترامب إلى حد كبير على فرض عقوبات على الحوثيين والحفاظ على هدنة ثنائية مع الجماعة مع التعويل على أن تتولى “إسرائيل” وشركاء واشنطن في الخليج معالجة بقية القضايا بصورة مستقلة، وفي الوقت نفسه تراجعت الإدارة عن تقديم دعم فعّال للحكومة اليمنية وعن ممارسة دور دبلوماسي قيادي يهدف إلى إنهاء الحرب الأهلية. غير أن غياب استراتيجية أميركية شاملة ومتكاملة قد يجعل الضغوط المالية المفروضة على الحوثيين تأتي بنتائج عكسية، فقبل تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي في كانون الاول ألمحت قيادة الحوثيين إلى احتمال توسيع سيطرتها الإقليمية أو ممارسة ضغوط مالية على السعودية للحصول على موارد إضافية، أما اليوم فقد أسهم الاضطراب المتفاقم في الجنوب في جعل المشهد اليمني أكثر هشاشة وقابلية للاشتعال بما يهدد بإعادة إشعال صراع ظلّ حتى الآن يصبّ في مصلحة الحوثيين، وأي عودة إلى حرب شاملة لن تظل محصورة داخل حدود اليمن بل ستخلّف ارتدادات واسعة على توازنات الأمن والاستقرار في الخليج والبحر الأحمر على حد سواء.
محور التحدّي
مع انقشاع غبار الحرب “الإسرائيلية” على غزة يبرز الحوثيون بوصفهم حالة استثنائية لافتة داخل المشهد الإقليمي، فبينما تعرّضت حركة حماس لتفكيك واسع وتلقّى حZب الله اللبناني ضربات كبيرة، وسقط نظام بشار الأسد في سوريا وامتنعت الفصائل الشيعية المسلحة في العراق عن الانخراط في مواجهة مباشرة مع “إسرائيل” تبدو بقية مكونات محور المقاومة الذي كانت إيران تتزعمه اضعف من السابق، وعلى النقيض من ذلك خرج الحوثيون من حرب غزة أكثر جرأة وثقة إذ أسهمت الحرب في تمكين قيادتهم من تشديد الصلابة الأيديولوجية للجماعة وتهميش الأصوات البراغماتية داخلها وتعزيز قناعة أنصارها بأنها تخوض مهمة مقدسة لتحرير فلسطين وتقويض نظام إقليمي تهيمن عليه الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
وتفاقم التهديد الحوثي بفعل التطور المتسارع في قدراتها العسكرية، ففي المراحل الأولى من حرب غزة كانت الصواريخ الحوثية عاجزة في معظمها عن بلوغ الأراضي “الإسرائيلية” غير أنه بحلول أيار 2025 أصبحت قادرة على استهداف مطار بن غوريون قرب تل أبيب، وفي أيلول 2025 نجحت طائرات مسيّرة حوثية في اختراق منظومات الدفاع الجوي “الإسرائيلية” ما أدى إلى إصابة أكثر من 20 شخصًا في إيلات وضرب مطار رامون القريب، كما طالت الصواريخ الحوثية ميناء ينبع النفطي السعودي الواقع على مسافة تقارب 620 ميلًا من الحدود اليمنية، وفي موازاة ذلك وفّرت حرب غزة للجماعة خبرة عملياتية ثمينة مكّنتها من تحسين دقة الاستهداف واختبار أسلحة جديدة بما في ذلك صواريخ باليستية مزوّدة بذخائر عنقودية.
ولتعزيز ترسانتها عمدت الجماعة إلى تنويع سلاسل الإمداد وبناء علاقات مع خصوم متعدّدين للولايات المتحدة من بينهم الصين وروسيا إلى جانب إيران، وعلى مدى سنوات زوّدت طهران الحوثيين بأسلحة تقليدية وقدّمت لهم التدريب وكثّفت هذا الدعم مع تراجع بقية أركان محورها الإقليمي، غير أنّ الحوثيين باتوا في الوقت نفسه يستوردون مكوّنات مزدوجة الاستخدام ومواد ذات مواصفات عسكرية من الصين لاستخدامها في التصنيع المحلي للأسلحة، وفي أيلول فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 32 فردًا وكيانًا مرتبطين بالحوثيين من بينهم جهات متمركزة في الصين بتهم تتعلق بجمع أموال غير مشروعة والتهريب وتوفير الأسلحة. ومن جهتها أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن روسيا شاركت بيانات استهداف عبر الحرس الثوري الإسلامي الإيراني لمساعدة الحوثيين في ضرب سفن غربية، كما قامت موسكو بتزويد الجماعة بالنفط عبر ميناء الحديدة اليمني، وفي الصومال قدّم الحوثيون أسلحة وتدريبًا لجماعة حركة الشباب الجهادية السنية مقابل المال ومع احتمال قيام شراكة لتعطيل حركة الشحن في خليج عدن، وقد تحولت الصومال كذلك إلى عقدة عبور رئيسية للأسلحة المهرّبة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وقد حرص زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي على التأكيد أن طموحات الحركة لا تتوقف عند حدود اليمن، ففكرة توحيد العالم الإسلامي في مواجهة النفوذ الغربي و”إسرائيل” تُعدّ جزءًا أصيلًا من منظومة المعتقدات الحوثية منذ تأسيس الجماعة مطلع الألفية الجديدة غير أنّ حرب غزة منحت هذه الرؤية زخمًا غير مسبوق، وقد أعلن الحوثي أن جولات إضافية من القتال مع “إسرائيل” حتمية واصفًا السعودية والإمارات بأنهما أدوات في المشروع الإقليمي الأميركي– “الإسرائيلي” وخائنتان للقضية الفلسطينية، كما بات يتباهى بأن حركته تدرب أكثر من مليون مجاهد وأن اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين يتصدر العالم العربي في الإنتاج والتصنيع العسكري، وعلى الرغم من أن هذه الادعاءات المتعلقة بقدرات التصنيع العسكري تفتقر إلى المصداقية فإنها تؤدي وظيفة رمزية أساسية تتمثل في ترسيخ صورة الحوثيين لأنفسهم بوصفهم القوة العربية الرائدة في المقاومـ ة.
الضغط بلا سياسة
مع تزايد الظهور الإعلامي والسياسي للحوثيين واجهت الجماعة بعض الخسائر، فقد أطلقت إدارة ترامب في اذار عملية Rough Rider (عملية الراكب الخشن) وهي حملة قصف مكثفة استمرت 52 يومًا استهدفت العديد من مستودعات الأسلحة ومرافق التصنيع التابعة للحوثيين رغم أن حجم الأضرار الفعلي لا يزال غير واضح بالكامل، كما أن قرار الولايات المتحدة هذا العام بإعادة تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية فرض ضغوطًا اقتصادية كبيرة على الأراضي الخاضعة لسيطرتهم عبر قطع وصولهم إلى النظام المصرفي الدولي.
ومنذ صيف 2024 سببت الغارات “الإسرائيلية” أضرارًا كبيرة في المناطق الخاضعة للحوثيين شملت إغلاق المطار الدولي الوحيد في الشمال وتدمير جزء كبير من ميناء الحديدة وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الكهربائية في اليمن، كما استهدفت “إسرائيل” قيادة الحوثيين بنجاح نسبي ففي آب قتلت غارة “إسرائيلية” رئيس الوزراء وأعضاء آخرين من الحكومة الخاضعة للحوثيين في صنعاء، الذين لم يكونوا من الأيديولوجيين الأساسيين للجماعة. وفي تشرين الأول أكد الحوثيون أن رئيس أركانهم وهو أحد الاستراتيجيين العسكريين الرئيسيين قد اغتيل أيضًا، ورغم أن هذه الهجمات حققت نجاحًا محدودًا في الوصول إلى القادة الأعلى للجماعة
لكن النهج الأميركي الشامل تجاه اليمن يعاني من تناقضات جوهرية، فمثلاً وفّرت الهدنة الثنائية التي أبرمتها الإدارة مع الحوثيين في أيار مخرجًا سريعًا من عملية Rough Rider التي كلفت أكثر من مليار دولار واستهلكت أصولًا عسكرية كانت مطلوبة في ملفات أخرى لكنها لم تمنع الحوثيين من مواصلة الهجمات على أهداف غير أميركية في البحر الأحمر أو من إطلاق مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة على “إسرائيل”، ولم توفر الهدنة استراتيجية طويلة الأمد لحماية المصالح الأميركية في البحر الأحمر أو الخليج. على العكس فإن السماح لواشنطن بالانسحاب سياسيًا وعسكريًا من اليمن منح الحوثيين فرصة لتصعيد معاركهم ضد أعدائهم الداخليين والإقليميين بتكلفة أقل، وزاد الأمر تعقيدًا أن إدارة ترامب علّقت معظم المساعدات الإنسانية لليمن بما في ذلك في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية التي يُفترض أن الولايات المتحدة تدعمها، وفي بلد يحتاج فيه نحو 24 مليون شخص- أي غالبية السكان- إلى مساعدات إنسانية فيما يعاني أكثر من 14 مليونًا منهم من حاجة ماسة، يشكّل هذا القرار ضربة هائلة. وفي الوقت نفسه فإن تشديد العقوبات وقطع الممرات الدبلوماسية أمام الحوثيين ألغى أي أفق للتوصل إلى صفقة سلام تفاوضية في الوقت الحالي، فقد توقفت الولايات المتحدة عن تعيين مبعوث خاص لليمن ما يعكس مدى تراجع الأولوية اليمنية على جدول سياسات واشنطن، كما أن الإدارة لا تدعم العودة إلى صيغة التسوية السابقة لحرب غزة والتي كانت تتطلب من الحوثيين الالتزام بوقف إطلاق النار والانخراط في عملية سياسية مقابل مزايا مالية بما فيها دفع رواتب موظفي القطاع العام، ورغم ذلك فإن القليل فقط في واشنطن يعمل على إيجاد مسار بديل للمضي قدمًا.
الصراع الجديد على السلطة

مع الاضطرابات الجديدة في الجنوب قد تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج قريبًا أزمة أوسع نطاقًا، فمن الممكن أن تعمل الإمارات والسعودية على احتواء تداعيات سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت عبر اتفاقية مشتركة لتقليص التوترات داخل الحكومة اليمنية، وقد يؤدي هذا التنسيق إلى تشكيل جبهة موحدة أكثر ضد الحوثيين ما يمكّن من إعادة استكشاف مسار تسوية سياسية في اليمن أو دفع هذه القوى لمحاولة استعادة أراضٍ من الحوثيين في الشمال تمهيدًا لمفاوضات محتملة. وقد أعلن رئيس المجلس عيدروس الزبيدي بالفعل أن “الهدف المقبل يجب أن يكون صنعاء سلمًا أو حربًا”، وأي اتفاق يسمح لقوات المجلس بدعم المقاتلين على طول ساحل البحر الأحمر ومدينة مأرب لاستعادة الشمال من الحوثيين سيكون صعب التحقيق ومن المحتمل أن يشمل ضمانات لاستقلالية الجنوب وربما استفتاء مستقبلي، غير أن أي تقدم في هذا الملف رهين بحل مأزق حضرموت الحالي بطريقة تأخذ بعين الاعتبار مخاوف الأمن القومي السعودي.
الوقت قد ينفد بسرعة وهناك احتمال حقيقي لاندلاع صراع بين الفصائل الحكومية مما قد يمكّن الحوثيين من تحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية إضافية، وإذا ما أعلن المجلس الانتقالي الاستقلال- وهو أمر يبدو أنه يحرص على تجنبه في الوقت الحالي بسبب ندرة الاعتراف الدولي- فقد يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب القوى في الشمال ضده، حتى إذا لم تؤدِ حملة المجلس الانتقالي إلى إشعال حرب شاملة سيحتاج الحوثيون قريبًا لتخفيف الضغط الاقتصادي الواقع عليهم. ومن المرجح أن يشمل ذلك السيطرة على مزيد من الموارد داخل اليمن مثل الاستيلاء على محافظة مأرب الغنية بالنفط شرق صنعاء أو إرغام السعودية على تقديم تنازلات مالية جديدة، وقد هدّد الحوثيون الرياض بشكل صريح مطالبين المملكة بإنهاء الحرب الأهلية بشكل حاسم ورفع القيود عن الموانئ والمطارات ودفع تعويضات عن الأضرار التي تسببت بها الغارات الجوية السعودية على اليمن بين عامي 2015 و2022، وتؤكد رسائل الحوثيين بما في ذلك إعادة نشر مقاطع فيديو لهجماتهم السابقة على الأراضي السعودية ومرافق أرامكو على استعدادهم لاستخدام القوة لتحقيق مطالبهم.
وبالنظر إلى تركيز السعودية على أولوياتها الداخلية وتزايد الشكوك حول مظلة الأمن الأميركية قد يضطر السعوديون للاستجابة لهذا الضغط، وعلى الرغم من أن أي محاولة حوثية للاستيلاء على مزيد من الأراضي ستواجه مقاومة محلية فقد تتردد الرياض في مساعدة هذه القوى المناهضة للحوثيين خوفًا من تجدد الهجمات، وبديلاً عن ذلك ومع تراجع موقف الحكومة اليمنية نتيجة تحركات المجلس الانتقالي في الجنوب قد يسعى الحوثيون لتحقيق مكاسب إقليمية عبر محاولة استمالة قادة قبائل متحالفين مع الحكومة في مأرب للانحياز إلى جانبهم، وستوفر أي من هذه الخيارات للحوثيين موارد إضافية لتسليح أنفسهم لمعارك مستقبلية مع الولايات المتحدة وشركائها ناهيك عن تقليص أي فرصة لتسوية سياسية شاملة في اليمن.
وقد تعهّد القادة “الإسرائيليون” بمعاقبة قيادة الحوثيين على هجماتهم الجريئة على “إسرائيل” وأنشأت الحكومة “الإسرائيلية” وحدة استخباراتية جديدة تركز على اليمن، وإذا انهار وقف إطلاق النار في غزة فستستأنف المواجهات بين الحوثيين و”إسرائيل” وهو ما قد يصرف الحوثيين عن جبهات أخرى ويتيح فرصًا عسكرية محتملة لأعدائهم اليمنيين، ومع ذلك لا يمكن لواشنطن الاعتماد على “إسرائيل” للتعامل مع التحدي الحوثي بمفردها. فالحوثيون بعيدون عن “إسرائيل” ومتجذرون في تضاريس جبلية تشبه تلك الموجودة في أفغانستان كما أظهرت الحملات السعودية والأميركية السابقة فإن الجماعة لا يمكن هزيمتها عبر القصف الجوي وحده، والأهم من ذلك أن “إسرائيل” غير شعبية في المناطق الخاضعة للحوثيين وأن أي غارات “إسرائيلية” إضافية خاصة على البنية التحتية المدنية قد تدفع اليمنيين العاديين للتوحد ضد عدو خارجي مكروه، وحتى إذا تمكنت “إسرائيل” من تنفيذ عمليات اغتيال على مستوى عالٍ إضافية فقد يؤدي ذلك إلى صعود قيادة حوثية أكثر تشددًا في صنعاء أو إلى صراع جديد على السلطة قد يزعزع استقرار المنطقة بطرق جديدة.
الاساس لإعادة ضبط الاستراتيجية الأميركية في اليمن
رغبة واشنطن في تجنب الانزلاق إلى حرب مكلفة في اليمن أمر مفهوم خصوصًا بعد أكثر من شهرين من القصف المكثف في ربيع العام الماضي الذي ألحق أضرارًا بالحوثيين دون أن يغير من سلوكهم أو يقوّض سيطرتهم على السلطة، تبرز الهجمة الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي الانقسامات المتزايدة داخل التحالف الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وتؤكد الطبيعة المعقدة والمتقلبة للسياسة الداخلية في اليمن، ومع ذلك وبالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لليمن على ممر البحر الأحمر وقربه من الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة في الخليج لا يمكن لإدارة ترامب السماح بوجود فراغ سياسي في هذا الملف. لمنع تصاعد الصراع يتعين على الولايات المتحدة إعادة تكريس اهتمامها الجاد باليمن والأولوية القصوى هي الضغط على السعودية والإمارات لتخفيف التوترات في الجنوب بسرعة والوصول إلى موقف مشترك بشأن الملف اليمني وهو شرط أساسي لمعالجة التهديد الحوثي بفعالية، في الوقت ذاته دعم القوات اليمنية الموالية للحكومة في الحفاظ على خطوط المواجهة الحيوية بما في ذلك مأرب والساحل الغربي على البحر الأحمر لإقناع الحوثيين بالتنازل، كما يمكن أن تسهم الضمانات الأمنية الأميركية المعززة للسعودية والإمارات في توفير الطمأنينة بحيث تضمن واشنطن دعم أي هجوم محتمل للحوثيين على هذه الدول. علاوة على ذلك ينبغي لواشنطن تجديد دعمها لمسار دبلوماسي مخصص فالحرب في اليمن مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات وما خلفته من آثار مدمرة على السكان سيؤثر على أجيال قادمة، ولا يمكن معالجة التحديات الحوثية أو القضايا الداخلية الأخرى عبر الضغوط الاقتصادية أو الحملات العسكرية الخارجية وحدها، فالضغط القسري خاصة السياسي والعسكري المباشر من اليمنيين أنفسهم ضروري لكن المسارات الدبلوماسية والوسائل التفاوضية لا تقل أهمية، ومن هذا المنطلق يجب على الولايات المتحدة التنسيق مع جميع الأطراف الفاعلة الرئيسة في اليمن- اليمنيون والسعودية والإمارات وعُمان والأمم المتحدة وغيرهم- لوضع خريطة لتسوية سياسية معدلة.
يجب أن تدرك إدارة ترامب أن النظام الأمني الذي تسعى إلى بنائه في أعقاب حرب غزة القائم على محور الخليج لن ينجح إذا غرق اليمن في الفوضى، فغياب الانخراط الأميركي سيؤدي على الأرجح إلى استمرار السعودية والإمارات في دعم الجماعات المتنافسة داخل التحالف الحكومي ما سيزيد التوترات بين حليفين رئيسيين للولايات المتحدة ويوسع الانقسامات بين اليمنيين ويوفر فرصًا للحوثيين- وأيضًا لجماعات عنف أخرى مثل القاعدة- لاستغلال الوضع، مما قد يؤدي إلى تجدد أنشطتهم في أنحاء المنطقة.
استعادة الهدوء في اليمن لن تكون مهمة سهلة وستتطلب جهودًا شاملة تشمل ضمانات أمنية لممر البحر الأحمر والجيران الخليجيين ومعالجة مطالب المجلس الانتقالي في الجنوب بشأن الاستقلال ودمج الحوثيين في العملية السياسية وإعادة توجيه اهتمامهم نحو الداخل عبر منحهم حصة في مستقبل أفضل، وقد تتعثر أي تسوية بسبب تضارب المصالح لكن عدم التحرك سيكون أسوأ بكثير إذ يضمن تقريبًا استمرار تداعيات الأزمة اليمنية على أحد أهم ممرات الشحن العالمية وعلى “الشرق الأوسط” بشكل أوسع، فواشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى القيادة المباشرة في اليمن لكن المخاطر كبيرة جدًا لدرجة لا يمكن تجاهلها.
* April Longley Alley, The Middle East’s Most Overlooked Threat How the Houthis—and a New Civil War in Yemen—Could Upend the Post-Gaza Balance of Power, foreign affairs, December 18, 2025.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



