الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
هل يدير الغرب أم الشرق فوضى العالم اليوم؟ وأين ستندلع الحرب المقبلة: روسيا، الصين، أم إيران؟

بقلم: حنين محمد الوحيلي
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
في عالم يختنق بالفوضى ويتأرجح على حافة الانفجار لم يعد السؤال هل ثمة حرب كبرى؟ بل أصبح أين ومتى وبأي صورة ستندلع؟ لقد تحولت الأرض إلى رقعة شطرنج مضطربة تحرك عليها القوى العظمى جنودها بدم بارد، فيما تتقاطع الطائرات المسيرة مع حاملات الطائرات، وتتصادم خطوط الغاز والنفط مع خطوط التحالفات العسكرية. بين واشنطن وموسكو وبكين وطهران يتوزع مشهد لم يعرف العالم مثيلاً له منذ قرن مضى حيث يعيد التاريخ تذكيرنا بظلال 1914، لكن في نسخة أكثر تشابكاً وأشد خطورة.
تتبدى أمامنا أسئلة حارقة هل الغرب هو من يضبط إيقاع هذه الفوضى لصالحه، أم أن الشرق يحسن إدارة لعبة الاستنزاف البطيء؟ أي جبهة ستنفجر أولاً جبهة أوروبا الشرقية حيث تقف روسيا على صفيح ساخن، أم بحر الصين الجنوبي حيث تتأهب الصين، أم (الشرق الأوسط) حيث إيران ومعها محور المقاومة يواجهون الضغوط الأميركية – (الإسرائيلية)؟ وهل نحن أمام فوضى مضبوطة لزمن أطول، أم أن المجتمع الدولي يسير بخطى ثابتة نحو حرب عالمية ثالثة ستغير وجه القرن؟
من يدير الفوضى الغرب أم الشرق؟
في خضم هذه الفوضى العالمية يبرز سؤال مركزي هل هي فوضى عفوية ناتجة عن تراكب الأزمات أم أنها فوضى مدارة بعناية من أحد المعسكرين؟ الغرب بقيادة الولايات المتحدة يرى في هذه اللحظة فرصة لإعادة فرض هيمنته، عبر تطويق روسيا بالعقوبات والإنهاك العسكري في أوكرانيا، ومراكمة الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية على الصين، وتقييد إيران داخل شبكة العقوبات والتهديدات العسكرية. واشنطن وهي تعيد تسمية وزارة الدفاع بـ “وزارة الحرب” تعلن بلا مواربة أن المواجهة أصبحت خياراً مشروعاً في استراتيجيتها وأن الضبط الأمني الدولي لم يعد غاية بل مجرد غلاف لإدارة حرب باردة ساخنة في آن واحد.
في المقابل المعسكر الشرقي روسيا والصين ومعهما إيران، لا يقف في موقع الدفاع البحت بل يدير بدوره فوضى مضادة. روسيا تستنزف الغرب في أوكرانيا وتفتح جبهات ضغط جديدة في البحر الأسود والبلطيق، بينما الصين تطوق تايوان بانتظام وتختبر صبر الأساطيل الأمريكية في المحيط الهادئ، وإيران ترسخ في (الشرق الأوسط) ميزان قوى جديد يقيد واشنطن ويظهر هشاشة (إسرائيل). كل طرف يلوح بأدواته الغرب يستخدم الاقتصاد والعقوبات والتحالفات العسكرية، والشرق يوظف الجغرافيا والطاقة وأدوات الحرب غير المتماثلة.
هكذا تبدو الفوضى اليوم أقرب إلى “توازن رعب” مدار، الغرب يضغط ليكسر إرادة خصومه دون الوصول إلى مواجهة نووية والشرق يدير بؤر التوتر ليشتت القوة الأمريكية. ليست هناك يد واحدة تمسك بخيوط الفوضى كاملة بل معسكران يتبادلان الضربات تحت سقف غير مكتوب، منع الحرب الشاملة… إلى حين.
أين ستندلع الحرب المقبلة؟ روسيا، الصين أم إيران؟
عندما تتلاطم الأمواج السياسية والعسكرية في أكثر من محيط يصبح تحديد الشاطئ الذي ستتكسر عليه الموجة الكبرى فعلاً فحصاً استراتيجياً لا حلماً تكهنياً. لدينا اليوم مجموعة من “البؤر القابلية للاشتعال”، كل واحدة تمتلك مزيجاً فريداً من الدوافع والفرص والقيود. لكن التشخيص الواقعي يقول إن احتمال اندلاع مواجهة حاسمة لا يتركز في مكان واحد بل في ثلاثة محاور مترابطة، أوروبا الشرقية / روسيا، بحر الصين الجنوبي وتايوان – الصين، و(الشرق الأوسط) / إيران.

أوروبا الشرقية – روسيا: نقطة الاحتكاك الأولى والأوسع تداعياتاً
المنطق هنا بسيط ومخيف، روسيا تخوض حرب استنزاف طويلة في أوكرانيا، ضغوط الغرب على صادراتها وطاقة اقتصادها تصعد بفعل هجمات متزايدة على بنيتها التحتية للطاقة. هذا الضغط لا يبقى داخل حدود أوكرانيا، فخطر انتقاله إلى حوادث على حدود الناتو قائم. الاستدعاء الاستثنائي لمئات الجنرالات الامريكان إلى قاعدة المشاة البحرية “كوانتيكو” يقرأ من زاوية واشنطن كتحضير لسيناريوهات طوارئ واستجابة سريعة في أوروبا وما وراءها استعداد لإدارة أزمات متعددة الجبهات أو تنسيق إجابات سريعة على تطورات مفاجئة.
في المقابل روسيا تفعل ما تستطيع لتحويل نقاط الضعف الغربية إلى خطوط ضغط، ضرب البنية التحتية للطاقة، فتح جبهات بحرية في البحر الأسود، وإثارة حوادث اعتراض أو توغل في المناطق الحدودية لاستنزاف الإرادة السياسية للغرب. احتمال أن يتحول أي حادث مسيرة تُسقط، ناقلة تُستهدف، أو طرد عسكري خاطئ، إلى مواجهة أوسع يبقى حقيقياً خصوصاً مع تزايد وتيرة الاستهداف لبنى التصدير الروسية من نفط وموانئ.
آسيا – تايوان والصين: أزمة التوقيت والبحر المفتوح
الصين لا تحتاج إلى اشتعال شامل لتعميق مكاسبها الاستراتيجية، تكثيف المناورات، الضغط الإعلامي-الآيديولوجي على تايوان، واستغلال نقاط ضعف العبور البحري يمكن أن يولد حالة تحكم إقليمي طويلة الأمد. تايوان بصفتها نقطة اشتباك محتملة مباشرة بين واشنطن وبكين تحتفظ بقدرة على إشعال مواجهة قد تتطور بسرعة إلى صدام بحري أو جوي كبير، خصوصاً إذا ترافق أي تصعيد مع خطأ أو حادث في الممرات البحرية واضطراب جبهات أخرى “أوروبا أو (الشرق الأوسط)” قد يغير أولويات واشنطن ويمنح بكين نافذة تحرك.
هنا أيضاً يلعب عامل السلاسل اللوجستية دوراً، أي تعطيل لحركة السفن أو السلع بين آسيا وأوروبا سيضرب الاقتصاد العالمي ويضع ضغوطاً إضافية على القيادات لاتخاذ قرارات مخاطرة أو تظهر ندرة الخيارات.
(الشرق الأوسط) – إيران: التكتيك الردعي والقدرة على خلق مفاجآت استراتيجية
إيران أثبتت في الأشهر الماضية قدرتها على تحويل العمليات الإقليمية إلى أدوات ضغط، دعم فصائل المقاومة، ضربات صاروخية دقيقة، وتعزيز بنية تحتية مخفية ومحصنة تعدها كقواعد احتياط أو تطوير قدرات. تصريحات القادة العسكريين الإيرانيين عن “مفاجآت استراتيجية” ورفع مستوى التحصين في المنشآت يعكسان منطقاً دفاعياً هجومياً من جهة تهديد بالرد المدوي إن اعتبرت خطوطها الحمراء منتهكة، ومن جهة أخرى بناء قواعد صلبة للرد والنجاة من الضربات المحتملة.
خطر انفجار مواجهة إقليمية تتحول إلى صدام بين طهران و(إسرائيل)/الولايات المتحدة يبقى عالياً خصوصاً إذا ما ترافقت هجمات مختارة مع إجراءات اقتصادية دولية أو محاولات شل قدرات إيران النووية أو الصاروخية. وهنا تأتي أهمية “التوقيت” أي مواجهة شاملة قد ترفع إلى مستوى دولي إذا استخدمت كذريعة لتدخلات أوسع أو مصالح تحالفية.
تقاطع المؤشرات: لماذا الآن قد يكون الزمن الخطر؟
استدعاء مئات القادة العسكريين الامريكان من كل بقاع العالم ليس بروتوكولاً عاديا هو إشارة استعداد قصوى وتنسيق لسيناريوهات تجاوز حدود جبهة واحدة.
إعلان إيران استعدادها لـ “مفاجآت استراتيجية” ورفعها لوتيرة تحصين المنشآت يغير معادلات المخاطرة، ويقلل من قدرة الغزو الجوي على إطفاء قدرات إيرانية بسرعة.
خطاب “نتنياهو” في الأمم المتحدة مع عزوف واضح لدى العديد من قادة العالم عن الاستماع (والذي ظهر في تغطيات الصحافة الدولية)، يوضح عمق الانقسام الدبلوماسي والشلل الدولي في معالجة ملفات الخليج وغزة، غياب الإجماع الدولي يزيد احتمال انتقال الصراع الإقليمي إلى صراع إقليمي أوسع. توتر تايوان المستمر يعني أن آسيا تبقى سهلة الاشتعال إن تراجعت الأولويات الغربية أو تشتتت.
ما الذي تعنيه هذه المؤشرات عملياً؟
الاحتمال الأعلى لشرارة فورية: أوروبا الشرقية (أو حادث عرضي مرتبط بها) بسبب القرب من خطوط تماس روسيا-الناتو ووتيرة الضربات على البنية التحتية الروسية.
الاحتمال الأخطر عالمياً: مواجهة في آسيا حول تايوان لأنها قد تستدعي تداخلاً مباشراً بين الولايات المتحدة وقوات بحرية/جوية صينية، ومعها احتمال تعطيل سلاسل التوريد العالمية.
الاحتمال الأكثر تقلباً وإثارة لردود غير متوقعة: (الشرق الأوسط) – إيران حيث لعبة الردع الإيرانية ومناوراتها قد تنقلب سريعاً إلى مواجهة إقليمية تعيد استقطاب القوى الكبرى.
وفي كل السيناريوهات العامل الحاسم ليس فقط إرادة البدء بل “خطأ الحساب”، “حادث التصعيد”، أو “الإيقاع الزمني”، أي حدث محلي صغير يمكن أن يتحول إلى شرارة عالمية عندما تكون كل الأطراف في وضع استعداد عال كما نراه اليوم.
إلى أين يقودنا توازن الرعب الجديد؟
تبدو الصورة الدولية اليوم وكأنها عودة إلى منطق الحرب الباردة لكن في نسخة أكثر سيولة وخطورة. لم يعد توازن الرعب محصوراً في الردع النووي كما كان في القرن العشرين، بل أصبح موزعاً على جبهات متعددة: حرب بالوكالة في أوكرانيا، صراع محتمل في مضائق تايوان، اشتباكات مفتوحة في (الشرق الأوسط)، ومعارك الطاقة والممرات البحرية. هذا التعدد يمنح القوى الكبرى قدرة على إدارة الفوضى، لكنه في الوقت نفسه يزيد من احتمالات الانزلاق العرضي نحو مواجهة لا يريدها أحد.
أول ما تعنيه هذه المعطيات أن النظام الدولي لم يعد قادراً على إنتاج استقرار طويل الأمد. المؤسسات التي أنشئت لضبط الفوضى من مجلس الأمن إلى الأمم المتحدة تفقد فعاليتها، خطاب “نتنياهو” في الجمعية العامة وما تلاه من عزوف قادة العالم عن الإصغاء له يكشف هشاشة الشرعية الدولية وانقسام الرأي العام العالمي حول قضايا مصيرية كـ (الشرق الأوسط). إذا كانت دول العالم عاجزة عن حشد التأييد حتى في قاعة الأمم المتحدة، فكيف يمكنها أن تضبط تصعيداً في البحر الأسود أو مضيق تايوان؟
ثانياً يظهر أن التحالفات لم تعد أدوات ردع بل صارت محركات للتصعيد. الناتو يستنزف روسيا أكثر مما يردعها، وبريكس يمنح الصين وروسيا عمقاً اقتصادياً وسياسياً بديلاً، ومحور المقاومة يفرض واقعية ميدانية جديدة تقيد التسلط الأمريكي على منطقة (الشرق الأوسط). بمعنى آخر بدلاً من أن تمنع التحالفات الانفجار قد تسرع وقوعه إذا التقت خطوط التوتر في لحظة زمنية واحدة.
ثالثاً، أن الزمن أصبح عنصراً استراتيجياً بحد ذاته كل معسكر يحاول إدارة الوقت لصالحه، الغرب يراهن على إنهاك روسيا وإبطاء صعود الصين فيما يراهن الشرق على استنزاف الإرادة الغربية وصعود موازين قوى بديلة. لكن عامل الوقت قد يتحول إلى سلاح ضد الجميع، كلما طالت الفوضى اقترب خطر الحادث العرضي أو سوء التقدير الذي يشعل حرباً لا يريدها أحد، تماماً كما جرى في 1914.
وفي المحصلة يقودنا هذا التوازن الجديد إلى لحظة حرجة، فوضى مدارة حتى الآن لكنها تقترب من عتبة الانفجار. قد ينجح النظام الدولي في البقاء على قيد الحياة عبر “توازن الرعب” لسنوات أخرى لكن احتمالية أن ينهار هذا التوازن في لحظة واحدة عبر خطأ أو شرارة تبقى الاحتمال الأكثر إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين.
العالم اليوم ليس في استقرار ولا في حرب شاملة بل في مساحة رمادية يحكمها توازن رعب جديد، فوضى مضبوطة لكنها قابلة للانفجار في أي لحظة. المؤشرات من موسكو وبكين وطهران وواشنطن تقول إننا نعيش أخطر منعطف منذ قرن، حيث تكفي شرارة صغيرة لتشعل صداماً كبيراً. والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً، هل يظل النظام الدولي قادراً على إدارة الفوضى، أم أن اللحظة الحاسمة تقترب لتضع البشرية أمام حرب عالمية ثالثة لا عودة منها؟




