الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

شراكة تتجاوز الدفاع: السعودية وباكستان وإعادة التموضع الدولي

بقلم: حنين محمد الوحيلي

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

في السابع عشر من أيلول 2025 أعلنت الرياض وإسلام آباد عن توقيع اتفاقية دفاعية وصفت بالتاريخية، نصت على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يعد اعتداء على الطرف الآخر، بما يشبه صيغ الدفاع المشترك التي تتجاوز التنسيق العسكري التقليدي إلى التزامات استراتيجية أوسع. الاتفاقية لم تأت من فراغ فهي ثمرة عقود من التعاون الأمني بين السعودية وباكستان لكنها المرة الأولى التي تعلن فيها بهذا الوضوح صيغة دفاعية متبادلة تجعل من باكستان حليفاً أمنياً مباشراً للمملكة في مواجهة التحديات الإقليمية.

أهمية هذه الخطوة لا تكمن في توقيتها فحسب بل في رمزية التحول الذي تعكسه. فالسعودية التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمريكية باعتبارها الضامن الأول لأمنها باتت اليوم تعيد هندسة منظومة ردعها من خلال شريك مسلم يمتلك قدرات عسكرية ضخمة وتجربة نووية تفرض نفسها على معادلات التوازن. أما باكستان فإنها ترى في الاتفاق فرصة لإنعاش اقتصادها المنهك عبر استثمارات ودعم مالي وفي الوقت نفسه لتأكيد دورها كلاعب إقليمي لا يكتفي بالانكفاء على همومه الداخلية.

بهذا المعنى يتجاوز الاتفاق حدود الدفاع العسكري المباشر إلى إعادة رسم خرائط التموضع الدولي لكل طرف فهو رسالة سعودية إلى العالم بأن المملكة لن تبقى رهينة تحالف واحد، ورسالة باكستانية بأنها قادرة على توسيع دائرة نفوذها وتحدي الضغوط الغربية. وفي لحظة إقليمية تتأرجح بين الضربات (الإسرائيلية) في الخليج وتصاعد أدوار قوى إقليمية وازنة مثل إيران وتركيا وتراجع الثقة بالولايات المتحدة، جاء الاتفاق ليؤشر إلى بداية مرحلة جديدة عنوانها تنويع مصادر الحماية وإعادة صياغة موازين الردع.

 

من المظلة الأمريكية إلى البحث عن بدائل

منذ عقود شكلت الولايات المتحدة العمود الفقري لأمن الخليج وكانت السعودية ترى في واشنطن الحليف الذي يضمن بقاء معادلات الردع متوازنة. غير أن هذا التصور بدأ يتصدع مع مرور الوقت خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021، الذي بدا في نظر الكثيرين أقرب إلى تخلي واشنطن عن حليف اعتمد عليها طيلة عقدين. هذا الحدث ترك أثراً عميقاً في إدراك النخب الخليجية لموثوقية الضمانة الأمريكية، إذ بات السؤال يتردد ماذا لو وجدت الرياض نفسها أمام تهديد مباشر ولم تكن الاستجابة الأمريكية على قدر التوقعات؟

تعمق هذا الشعور بعد الهجمات (الإسرائيلية) على قطر الحليف الوثيق للولايات المتحدة حيث غاب رد الفعل الأمريكي، وهو ما جعل الرياض أكثر قناعة بأن الاعتماد على المظلة الأمريكية لم يعد كافياً لحماية أمنها ومصالحها. بالنسبة لصانع القرار السعودي لم تعد المسألة تتعلق بالقدرات العسكرية الأمريكية فحسب، بل بمدى الإرادة السياسية لدى واشنطن في الدفاع عن حلفائها عندما تتعارض مصالحها مع أولويات أخرى في السياسة الدولية. وهنا تحول الاعتماد على المظلة الأمريكية من مصدر طمأنينة إلى مصدر قلق استراتيجي.

في هذا السياق بدأت السعودية تبحث عن بدائل لا تقوم على استبدال حليف بآخر وإنما على بناء شبكة أوسع من الشراكات الأمنية. الاتفاقية مع باكستان تمثل إحدى حلقات هذه الاستراتيجية الجديدة، شراكة مع قوة عسكرية كبيرة تمتلك خبرة طويلة في الحروب التقليدية وغير التقليدية وقادرة على توفير دعم عملي يتجاوز البيانات السياسية. والرسالة هنا أن المملكة لا تغادر تحالفها مع واشنطن لكنها في الوقت نفسه لم تعد ترضى أن يكون أمنها مرهوناً بإرادة طرف خارجي واحد.

 

 

الملف النووي الإيراني وإعادة صياغة ميزان القوى

منذ عقود يشكل الملف النووي الإيراني عنصراً مركزياً في حسابات الأمن الإقليمي والدولي. وبغض النظر عن المواقف المتباينة منه فإن حقيقة الأمر أن امتلاك إيران لهذه القدرات أو اقترابها منها يضيف إلى رصيدها السياسي والإستراتيجي ثقلاً مضاعفاً، ويجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص أمن الخليج أو توازنات (الشرق الأوسط). بالنسبة للسعودية فإن متابعة هذا الملف لم تعد مجرد شأن خارجي بل جزء من إدراكها المباشر لأمنها القومي ولضرورة التفكير بخيارات ردعية متعددة.

الاتفاق مع باكستان جاء في هذا السياق كخطوة استباقية فالسعودية لا تنظر إليه كبديل عن الحوار أو كأداة لمواجهة مباشرة، بل كوسيلة لبناء مظلة ردع متدرجة تجعلها أقل انكشافاً أمام أي تحولات في التوازن النووي أو العسكري. وباكستان بما تمتلكه من خبرة نووية وتجربة أمنية معقدة، تضيف إلى السعودية عنصراً رمزياً ورسالة سياسية بأن المملكة قادرة على إقامة شراكات ذات وزن يعكس مكانتها الإقليمية.

ما يهم هنا أن الاتفاقية لا يمكن قراءتها باعتبارها رداً أحادياً على مسار الملف النووي الإيراني، بل كجزء من مشهد أوسع تسعى فيه الرياض إلى تنويع خياراتها وتحصين موقعها. وعليه فإن إدخال باكستان إلى معادلة الردع يفتح الباب أمام توازنات جديد ليس بالضرورة ضد إيران أو غيرها بل في إطار إعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية الكبرى.

 

قرارات محمد بن سلمان بين الانفتاح وتعدد المسارات

السياسة الخارجية السعودية عند “محمد بن سلمان” تتسم بالتحرك على أكثر من خط في الوقت نفسه. فمن جهة فتح قنوات التهدئة مع إيران وتركيا لخفض التوترات التي استنزفت المملكة لسنوات، ومن جهة أخرى اتخذ خطوات غير متوقعة مثل توقيع اتفاقية دفاعية مع باكستان في لحظة يشوبها فتور مع الحليف الأمريكي. هذه الازدواجية ليست مؤشراً على استراتيجية متماسكة بالضرورة بقدر ما تعكس براغماتية تبحث عن حلول سريعة لمعادلة أمنية معقدة.

زيارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى السعودية في أيار 2025، كانت مثالاً واضحاً على هذا النهج المتعدد. فخلال الزيارة أعلنت الرياض عن التزامات استثمارية ضخمة في الولايات المتحدة بلغت مئات المليارات من الدولارات في مجالات شملت الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. هذه الخطوة أظهرت أن السعودية ما زالت حريصة على الحفاظ على متانة علاقتها بواشنطن ولو عبر ثمن اقتصادي باهظ. لكن في المقابل لم تمنعها تلك الزيارة من توقيع اتفاق استراتيجي مع باكستان بعد أشهر قليلة، في رسالة واضحة أن المملكة لم تعد تراهن على طرف واحد لحماية أمنها.

بهذا المعنى تبدو سياسة “محمد بن سلمان” أقرب إلى إدارة مزيج من التناقضات، شراء رضا الحليف التقليدي عبر الاستثمارات والصفقات من جهة وبناء بدائل استراتيجية مع قوى أخرى من جهة ثانية. هذه البراغماتية قد توفر للمملكة مجالاً أوسع للمناورة لكنها تعكس أيضاً أزمة الثقة المتزايدة في الحليف الأمريكي ورغبة القيادة السعودية في رسم مسارات جديدة حتى لو بدت متضاربة أحياناً.

 

لا يمكن قراءة الاتفاقية السعودية – الباكستانية بمعزل عن توقيتها. فقد جاء الإعلان عنها في أيلول 2025 بعد أيام قليلة من الضربة (الإسرائيلية) التي استهدفت قطر في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

 

 

المصلحة الباكستانية وتحدي الغرب

بالنسبة لباكستان فإن الاتفاقية مع السعودية ليست مجرد شراكة دفاعية إضافية بل نافذة استراتيجية لتجاوز أزمتها الاقتصادية والسياسية. إسلام آباد تعاني منذ سنوات من ديون متراكمة وتراجع في احتياطيات العملة الأجنبية وضغوط متزايدة من صندوق النقد الدولي. في هذا السياق يمثل الدعم المالي والاستثماري القادم من الرياض شريان حياة للاقتصاد الباكستاني ويمنح القيادة هناك متنفساً في مواجهة أزماتها الداخلية.

لكن الأبعاد الاقتصادية لا تكفي وحدها لتفسير جرأة باكستان في الدخول في اتفاق بهذا الحجم. فالسياسة الخارجية الباكستانية في السنوات الأخيرة اتخذت منحى أكثر صراحة في مواجهة الغرب. تصريحات مسؤولين باكستانيين إبان حرب غزة ودعمهم العلني لإيران خاصة في حربها الأخيرة “حرب الـ 12 يوم”، كشفت عن توجه جديد أقل اكتراثاً بالضغوط الأمريكية أو (الإسرائيلية). دخولها في اتفاقية دفاعية واضحة مع السعودية حتى وهي تدرك حساسية هذا الملف بالنسبة لواشنطن وتل أبيب يؤكد أنها لم تعد تخشى الاصطدام العلني مع أولويات الغرب.

هذا المسار يطرح سؤالاً حول طبيعة طموحات باكستان هل تسعى فقط إلى تأمين نفسها من الداخل عبر الأموال السعودية وتوسيع خياراتها الأمنية أم أنها تحاول أن تعيد تموضعها كقوة إقليمية تمتد من جنوب آسيا إلى (الشرق الأوسط)؟ المؤشرات تميل إلى الخيار الثاني، خصوصاً مع رغبتها في استثمار موقعها الجغرافي كبوابة بين الخليج والصين وكمحور رئيس في مشروع “الحزام والطريق”.

غير أن هذا الطموح محفوف بالمخاطر فكلما زادت باكستان من خطواتها المستقلة كلما ازدادت احتمالية تعرضها لحملة غربية عبر العقوبات الاقتصادية أو الضغوط الدبلوماسية. ومع ذلك يبدو أن إسلام آباد تراهن على أن الشراكة مع السعودية إضافة إلى علاقتها المتينة مع الصين وروسيا، ستوفر لها المظلة الكافية لمواجهة مثل هذه الضغوط.

 

التوقيت ومعناه

لا يمكن قراءة الاتفاقية السعودية – الباكستانية بمعزل عن توقيتها. فقد جاء الإعلان عنها في أيلول 2025 بعد أيام قليلة من الضربة (الإسرائيلية) التي استهدفت قطر في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. هذه الظروف جعلت من الاتفاق أكثر من مجرد خطوة ثنائية بل رسالة متعددة الاتجاهات إلى الداخل السعودي بضرورة تعزيز الحماية وإلى الخارج بأن المملكة لن تنتظر الحليف التقليدي ليتحرك وفق إيقاعه.

لكن حصر الاتفاق في إطار “رد فعل” على أحداث آنية سيكون تبسيطاً مخلّاً. فالمتابعة الدقيقة لمسار العلاقات بين الرياض وإسلام آباد تكشف أن هذه الخطوة هي ثمرة تراكم سنوات من الحوار الأمني والتعاون العسكري والمناورات المشتركة. بمعنى أن ما جرى في أيلول كان تتويجاً لمسار طويل سرعت الأحداث الإقليمية وتيرة الإعلان عنه لكنها لم تكن أساسه الوحيد.

هذا البعد الزمني يمنح الاتفاقية وزناً إضافياً فهي ليست مناورة تكتيكية ولا محاولة لحصد مكاسب سياسية مؤقتة بل انعكاس لرؤية سعودية باكستانية أوسع تقوم على تحويل التعاون غير الرسمي إلى التزام معلن. وبالنسبة للرياض فإن إظهار الاتفاق في هذه اللحظة تحديداً يعني أنها أرادت أن تقول بوضوح المملكة تتحرك وفق خططها لا كرد فعل متأخر. أما باكستان فالتوقيت كان بالنسبة لها وسيلة لتأكيد حضورها في قلب التفاعلات الإقليمية وإظهار أنها قادرة على لعب دور مؤثر في لحظة احتدام.

 

ردود الفعل الإقليمية والدولية

أثار توقيع الاتفاقية السعودية – الباكستانية تفاعلات واسعة في الإقليم وخارجه. الولايات المتحدة الحليف التقليدي للسعودية اكتفت علناً بعبارات عامة عن “المتابعة والقلق”، لكنها تدرك في العمق أن مثل هذه الخطوة تعكس تآكل مكانتها الأمنية في الخليج. ومن المرجح أن تسعى واشنطن إلى احتواء الاتفاق عبر الضغوط السياسية والاقتصادية خصوصاً إذا لمست أن التعاون قد يمتد إلى مجالات استخباراتية أو تقنية حساسة.

أما (إسرائيل) فقد قرأت الاتفاقية بقلق أكبر كونها ترى في أي تقارب سعودي مع قوة نووية إسلامية مصدر تهديد محتمل حتى لو لم يتضمن النص أي التزامات نووية. هذا القلق يتضاعف في ظل بيئة إقليمية محتقنة بعد الضربة التي نفذتها تل أبيب في قطر، ما يجعلها تنظر إلى الاتفاق بوصفه رسالة سعودية بأن المملكة لن تبقى مقيدة بترتيبات أمنية غربية فقط.

الهند بدورها تعاملت مع الاتفاقية ببرود حذر فالحكومة اختارت لغة دبلوماسية متحفظة، بينما اعتبرت المعارضة أن الاتفاق يشكل انتكاسة للأمن القومي الهندي. بالنسبة لنيودلهي فإن أي شراكة سعودية – باكستانية تحمل انعكاسات مباشرة على توازن القوى في جنوب آسيا حيث يبقى الصراع مع إسلام آباد أحد الملفات الأكثر حساسية.

وفي خضم هذه التفاعلات يبرز ملف اليمن كأحد أهم الاختبارات العملية للاتفاق. فبينما تعتبر السعودية أن اليمن جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، تنظر إيران إليه كمساحة نفوذ استراتيجية، وتحافظ باكستان على علاقات متوازنة مع طهران. إذا تجددت التوترات هناك، ستجد إسلام آباد نفسها أمام معضلة صعبة، الالتزام بتحالفها الدفاعي المعلن مع الرياض من جهة، وتجنب الانجرار إلى مواجهة غير مرغوبة مع إيران وحلفائها من جهة أخرى. مثل هذا السيناريو قد يكشف حدود الاتفاقية ويحدد ما إذا كانت ستبقى ورقة ردع سياسية أم ستتحول إلى التزام عملي يضع باكستان في قلب النزاعات الإقليمية.

وفي الخلفية تتابع قوى كبرى مثل روسيا والصين هذه التطورات باهتمام، إذ تراها مؤشراً على تقلص الاحتكار الأمريكي للأمن الخليجي، هذا وإن لم يكن لهما دور مباشر في تفاصيل الاتفاق.

اختيار السعودية لباكستان لم يكن بحثاً عن بديل مكافئ للولايات المتحدة بل عن شريك عملي يملك عناصر خاصة، تاريخ طويل من التعاون العسكري، جيش واسع الخبرة، ورمزية كونه القوة النووية الإسلامية الوحيدة. هذه المعطيات تمنح الرياض عنصر ردع إضافي من دون الوقوع في تبعية لقوة عظمى جديدة. في المقابل ترى إسلام آباد في الاتفاقية فرصة لتجاوز أزماتها الداخلية وتأكيد حضورها الإقليمي. ومع ذلك يبقى الاختبار الحقيقي فيما إذا كانت هذه الشراكة ستبقى ورقة سياسية رمزية أم ستتحول إلى التزام عملي إذا ما تصاعدت المواجهة مع (إسرائيل)؟

 الواضح أن النظام الدولي دخل مرحلة لم يعد فيها الحليف الواحد كافياً، ولم تعد التوازنات كما كانت في السابق.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى