الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
أجواء بولندا مسرح جديد: كيف تمددت الحرب الرمادية الروسية إلى الناتو؟

بقلم: حنين محمد الوحيلي
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لم تعد الحرب في أوكرانيا محصورة داخل حدودها ففي مساء التاسع من أيلول 2025، أعلنت بولندا أن موجة من المسيرات دخلت أجواءها الشرقية ما أدى إلى إغلاق مطارات وإطلاق صفارات الإنذار واستنفار دفاعات الناتو. وعلى الرغم من أن بولندا وحلفاءها نسبوا هذه المسيرات إلى روسيا، فإن موسكو لم تعلن مسؤوليتها المباشرة مكتفية بالصمت الذي يعكس أسلوبها المألوف في الحرب الرمادية، استخدام أدوات يمكن إنكارها لخلق إرباك استراتيجي دون تجاوز العتبة نحو مواجهة معلنة.
بهذا لم يكن الحادث مجرد اختراق جوي عابر بل محطة فاصلة تظهر أن أدوات الحرب الرمادية تمددت لتطال قلب المجال الأطلسي. بالنسبة لموسكو هو اختبار لجاهزية خصومها واستنزافهم بأدوات منخفضة الكلفة، وبالنسبة للناتو هو امتحان لمصداقيته وقدرته على حماية جناحه الشرقي دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وهكذا باتت الأجواء البولندية مرآة لصراع أوسع حول من يحدد الخطوط الحمراء ومن يملك الجرأة على كسرها.
ما الذي جرى في سماء بولندا؟
عشية التاسع من أيلول 2025، أعلنت وارسو أن مجموعة من المسيرات دخلت أجواءها من جهة بيلاروسيا، لتصبح بولندا أول دولة في الناتو تشهد مواجهة مباشرة مع طائرات ينسب أصلها إلى روسيا. الخطوة الأكثر دراماتيكية كانت إغلاق أربعة مطارات دفعة واحدة منها مطار “ريشوف” الذي يشكل العقدة اللوجستية لتسليح أوكرانيا “إجراء نادر يعكس حساسية الموقف”.
على الصعيد العسكري دفعت بولندا بمقاتلاتها من طراز F-16، وانضمت طائرات إنذار مبكر وتزويد بالوقود من دول أطلسية أخرى إلى المهمة. في الوقت ذاته فعلت منظومات الدفاع الجوي لاعتراض عدد من المسيرات داخل الأراضي البولندية. أما سياسياً فقد طالبت وارسو باجتماع طارئ في إطار المادة الرابعة وهو مؤشر إلى أن بولندا أرادت التعامل مع الحادثة كتهديد جماعي للحلف لا كأزمة محلية.
اللافت أن موسكو لم تصدر اعترافاً أو نفياً صريحاً ما ترك الحدث في مساحة الغموض المقصود. وهذا الغموض بالذات هو الذي يمنح الواقعة ثقلها الاستراتيجي إذ يجعلها تبدو أقرب إلى اختبار منهجي للأعصاب منه إلى خطأ عابر.
دلالات التوقيت والمكان
اختيار لحظة الخرق لم يكن عشوائياً فقد تزامن مع انطلاق مناورات “زاباد-2025” الروسية–البيلاروسية، وهي تدريبات واسعة طالما رآها الناتو منصة للرسائل السياسية بقدر ما هي نشاط عسكري. هذا التزامن يوفر لموسكو غطاءً عملياً أي اختراق يمكن تبريره كـ “انزلاق تدريبي” ما يقلل كلفة الاعتراف المباشر.
من جهة ثانية جاء الحادث في ذروة حملة روسية مكثفة على غرب أوكرانيا حيث استخدمت المسيرات بكثافة لإرهاق الدفاعات الجوية. هنا يصبح انتقال بعض المسيرات إلى الأجواء البولندية جزءاً من استراتيجية أوسع الضغط على كييف وإرباك الحلف في وقت واحد.
أما المكان، فليس أقل دلالة من التوقيت. بولندا هي شريان الإمداد الغربي إلى أوكرانيا عبر مطار “ريشوف”، وهي أيضاً الجبهة الأمامية للناتو في شرق أوروبا. أي إرباك لأجوائها يمس عمق الحسابات الغربية ويضع المصداقية الأطلسية على المحك. بهذا المعنى يبدو أن الرسالة الروسية أرادت القول بإن الخطوط الخلفية ليست بعيدة عن مرمى اليد.

حسابات الناتو وبولندا
أمام حادثة الاختراق كان الخيار الأول لبولندا هو اللجوء إلى المادة الرابعة من معاهدة شمال الأطلسي. هذه المادة تنص على:
“تتشاور الأطراف معاً كلما تعرّضت سلامة أراضي أحد الأطراف أو استقلاله السياسي أو أمنه للتهديد”.
بهذا أرادت وارسو نقل الحدث من كونه أزمة محلية إلى قضية جماعية، بحيث يظهر أن أمن بولندا يساوي أمن الناتو. لكنها في الوقت نفسه تجنبت الذهاب إلى المادة الخامسة التي تنص على:
“أي هجوم مسلح ضد واحد أو أكثر من الأطراف في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر هجوماً ضدهم جميعاً، وعلى إثره يساعد كل طرف العضو المعتدى عليه باتخاذ ما يراه ضرورياً، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة”.
الفرق جوهري بين المادتين هو ان المادة الرابعة تعني التشاور والتنسيق، بينما المادة الخامسة تعني الالتزام بالدفاع العسكري المباشر. لذلك اختارت بولندا المسار الأقل تصعيداً مدركة أن الحادثة خطيرة لكنها لا ترقى إلى مستوى الهجوم المسلح الصريح.
بالنسبة للحلف الأولويات كانت واضحة، احتواء الحادث، حماية خط “ريشوف”، والحفاظ على وحدة الصف. فالإجماع السياسي أهم من الانجرار إلى مواجهة قد تفتت التماسك الأوروبي.
حسابات موسكو ومينسك
من زاوية موسكو الحدث ليس خطأ عشوائياً بل جزء من استراتيجية الإرباك الرمادي. إرسال مسيرات منخفضة الكلفة يفرض على الناتو إجراءات باهظة، إغلاق مطارات، نشر مقاتلات، وتحريك دفاعات متقدمة. أي أن موسكو تحقق مكاسب استراتيجية بأدوات زهيدة.
كذلك يوفر الحادث فرصة لاختبار جاهزية الردع الأطلسي، كم يستغرق زمن الرصد؟ كيف يجري التنسيق بين الدفاعات البولندية والأطلسية؟ وأي ثغرات يمكن استغلالها لاحقاً؟
أما بيلاروسيا فهي تستفيد من الالتحام مع روسيا عبر مناورات “زاباد”، بما يثبت ولاءها للشريك الأقوى لكن دون تحمل الكلفة الكاملة للتصعيد. أما صمت موسكو وعدم اعترافها المباشر فيبقى سلاحاً بحد ذاته يتيح لها مساحة الإنكار، فلا تعطي الناتو ذريعة مباشرة لتفعيل المادة الخامسة.
الدلالات والسيناريوهات
حادثة اختراق الأجواء البولندية تطرح سؤالاً جوهرياً مفاده، أين يقف الخط الأحمر اليوم بين موسكو والناتو؟
في السابق كان مجرد دخول مقاتلة روسية لأجواء دولة أطلسية يعتبر تجاوزاً خطيراً قد يستدعي رداً جماعياً. أما الآن فقد أصبح من الممكن إدارة حادثة اختراق بمسيرات عبر إجراءات دفاعية متدرجة، إغلاق مطارات، اعتراض جوي، بيانات سياسية، وتشاور في إطار المادة الرابعة من دون الانتقال إلى المادة الخامسة.
هذا يعني أن الخطوط الحمراء لم تعد ثابتة بل تتحرك مع كل اختبار جديد. بالنسبة لروسيا الغموض والإنكار يمنحانها القدرة على الضغط دون دفع ثمن مواجهة مباشرة. وبالنسبة للناتو المرونة في الرد تمنع التصعيد لكنها تحمل مخاطر التعايش مع الاختراقات قد يرسخ واقعاً جديداً لصالح موسكو.
روسيا تربح في المدى القصير بأدوات رخيصة تربك خصماً أغنى وأوسع تحالفاً وتبقيه دائم الحذر. لكنها تخاطر بأن يؤدي حادث واحد خارج السيطرة إلى رد جماعي يفوق قدرتها على الاحتمال.
الناتو يحافظ على التماسك ويظهر جاهزية دفاعية لكن اعتماده على سياسة “الردع دون حرب” قد يضعف مصداقيته إذا تكررت الاختراقات من دون ردع رادع.
السيناريوهات القريبة المحتملة
-
احتكاك مدار (الأرجح): استمرار اختراقات بمسيرات، اعتراض متكرر، إغلاقات موضعية، وتشاور سياسي داخل الحلف.
-
تشديد القواعد: إعلان قواعد أكثر صرامة لإسقاط أي جسم مجهول فوراً قرب المحاور الحساسة مثل “ريشوف”.
-
حادث خارج السيطرة (الأقل احتمالاً لكن الأخطر): إصابة هدف مدني أو عسكري مهم داخل بولندا قد يفرض على الناتو تفعيل المادة الخامسة، ما يعني انتقال الأزمة إلى مستوى مواجهة مفتوحة.
ما جرى في سماء بولندا ليس حادثاً عابراً بل مؤشر على عصر جديد تتحرك فيه الخطوط الحمراء بدل أن تبقى ثابتة. موسكو تختبر أعصاب الحلف وتستنزفه في المنطقة الرمادية بينما يحاول الناتو رفع الكلفة دون الانجرار إلى حرب. السؤال الذي يظل مفتوحاً، هل يستطيع الحلف إيقاف هذا الانزلاق الرمادي قبل أن يرسم الخط الأحمر القادم بدماء لا ببيانات دبلوماسية؟



