الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
إندونيسيا على شفا أزمة اجتماعية وسياسية .. العنف الشعبي بين الغضب والفساد

بقلم: جوزيف راكمان
محرر نشرة جنوب شرق آسيا الأسبوعية في فورن بوليس
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تشهد إندونيسيا حالة من التوتر الشديد بعد اندلاع موجة احتجاجات عنيفة في المدن الكبرى ما يمثل تحديًا بارزًا للرئيس (براوبو سوبياتنو) الجنرال السابق في القوات الخاصة، والذي لم يمضِ على توليه الرئاسة سوى أقل من عام، أسفرت المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن عن إحراق مبانٍ حكومية وشرطية ونهب منازل سياسيين بما في ذلك وزير المالية.
حتى الآن أسفرت أعمال العنف عن مقتل عشرة أشخاص مستحضرة ذكرى أحداث عام 1998 التي أدت إلى سقوط الديكتاتور سوهارتو والد زوجة براوبو، على الرغم من أن الوضع الحالي أقل خطورة فإن موجة الاضطرابات تعكس استياءً شعبيًا متزايدًا، مع خشية واسعة من أن مزيج الحكومة بين القمع والتنازلات لن يعالج الأسباب الجذرية للأزمة.

بدأت الأحداث في جاكرتا يوم الخميس 28 آب بعد تعليق عابر لأحد السياسيين حول البدلات السكنية السخية لأعضاء البرلمان، حيث تبيّن أن البرلماني قد يحصل على نحو 3 ملايين روبية إندونيسية ($183) إضافية يوميًا في البدلات، مقارنة بالحد الأدنى للأجور في بعض المناطق مما أثار احتجاجات عفوية على وسائل التواصل الاجتماعي.
تصاعد الموقف مساءً عندما صدم مركبة مدرعة تابعة لوحدة (Brimob) شابًا (21 عامًا) أثناء مروره بالمظاهرة ما أدى إلى وفاته، وانتشر فيديو يظهر توقف السيارة بعد سقوط السائق تحت عجلاتها قبل أن تسرع مجددًا ويبدو أنها صدمته مرة أخرى أثناء اقتراب الحشود الغاضبة.
أدى الحادث إلى موجة غضب شعبي ودعوات لمزيد من المظاهرات، شهد يومي الجمعة والسبت اشتباكات واسعة في جميع أنحاء جاكرتا ألقى خلالها المتظاهرون الحجارة والزجاجات وأشعلوا الألعاب النارية على الشرطة والمباني الحكومية وحرقوا محطات الحافلات، وردت الشرطة والوحدات العسكرية باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي فيما أُطلقت ذخيرة حية للتحذير، كما توقفت خدمة البث المباشر لتطبيق TikTok الذي استخدمه العديد من المتظاهرين لبث الأحداث.
ركزت بعض أعمال العنف على أهداف محددة، مثل مقر شرطة جاكرتا، البرلمان، ومقر وحدة Brimob، فيما لم تتعرض مقرات القوات البحرية الرادعة أو القصر الرئاسي لأي اعتداء.
امتدت الاحتجاجات لتطال السياسيين الذين أثاروا غضب المواطنين، تم نهب منازل وزير المالية سري مولياني واثنين من أعضاء البرلمان بسبب تصريحات مسيئة، وشملت المسروقات نقودًا وساعات فاخرة وتماثيل لشخصيات مثل (الرجل العنكبوت – والرجل الحديدي) وحتى الحيوانات الأليفة.
وفي مدن أخرى مثل ماكاسار أحرقت الحشود البرلمان المحلي ما أسفر عن مقتل ثلاثة موظفين حكوميين بينما تعرّض رجل يُشتبه بأنه مخبر للضرب حتى الموت، وفي سورابايا أضرم المحتجون النار في مكتب نائب الحاكم ومركز شرطة، مع تسجيل أعمال عنف مماثلة في عدة مدن عبر الأرخبيل.
حاولت الحكومة معالجة الغضب الشعبي عبر مزيج من التنازلات والإجراءات الأمنية الصارمة، زار الرئيس براوبو برفقة وزراء الدفاع والمخابرات عائلة أفان المتضررة ووعد بتقديم الدعم ومحاسبة المسؤولين عن الوفاة، كما أعلن يوم 31 آب عن إلغاء بعض الامتيازات البرلمانية وتعهد بعقد لقاءات بين السياسيين والمجتمع المدني لمناقشة المطالب، بالإضافة إلى تعليق بعض السياسيين غير الشعبيين عن البرلمان.
تميزت المظاهرات بالقيادة المحدودة مع مشاركة الطلاب والنقابات إضافة إلى حشود عفوية من المواطنين بما فيهم المراهقون، غياب قيادة موحدة أدى إلى تنوع المطالب فتراوحت بين الإصلاح السياسي الشامل وخفض رواتب السياسيين وتخفيف الضرائب ومكافحة الفساد وحماية العمال، كما انتشرت على الإنترنت منشورات تحدد قائمة بـ17 مطلبًا عاجلاً و8 مطالب على مدى العام تشمل التحقيق في وفاة أفان ومساءلة الشرطة وإصلاحات ضريبية وحماية الحقوق الاجتماعية.
يشعر العديد من الإندونيسيين بالضغوط الاقتصادية في حين تبدو برامج الرئيس الاجتماعية غير فعالة، فقد تأخر تنفيذ برنامج وجبات المدارس المجانية وتم تمويله عبر تخفيض الإنفاق على التعليم والبنية التحتية ما دفع بعض الحكومات المحلية إلى رفع الضرائب، ما زاد من الاحتجاجات في بعض المناطق.
أثار الدور المتزايد للجيش في الحكومة والاقتصاد قلقًا بشأن عودة محتملة لسياسات شبيهة بعهد سوهارتو، ويخشى العديد أن التنازلات المحدودة التي قدمها الرئيس لن تكفي لتهدئة الحشود أو معالجة الأسباب الجوهرية للاحتجاجات، عًبر يوهانس سوليمان وهو زميل غير مقيم في المكتب الوطني للبحوث الآسيوية على إن “المشكلة جاءت التنازلات متأخرة وبأقل من المطلوب، ولم تعالج الأسباب الجوهرية مثل الفساد، والإنفاق المفرط على الحكومة والبرامج غير الفعالة وعدم التوازن المالي، ما سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى زيادة الضرائب وازدياد الغضب الشعبي”.
* Joseph Rachman, Indonesia Is Bracing for More Violence Corruption and police brutality have created a public ready to riot, Foreign Policy’s, September 4, 2025.



