الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الحضور العسكري الأميركي في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”

بين الاستراتيجية الدائمة وردود الفعل الإقليمية

بقلم: الباحث بختیار أحمد صالح

 

منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، تحولت سوريا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي معقد تتداخل فيه القوى الكبرى والإقليمية والجماعات المحلية. أحد أبرز التحولات التي شهدتها الساحة السورية هو ظهور قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كقوة فاعلة في شمال وشرق البلاد، وارتباطها بتحالف وثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية. في الوقت نفسه، تعزز تركيا عملياتها العسكرية ضد مواقع قسد، معتبرة إياها تهديدًا لأمنها القومي.

وفي هذا السياق، يزداد الحديث عن نوايا الولايات المتحدة بتحويل وجودها العسكري في مناطق سيطرة قسد إلى وجود دائم، مشابه للنموذج الأميركي في إقليم كردستان العراق. هذا الاحتمال يثير تساؤلات حول دوافع واشنطن، المواقف الإقليمية والدولية تجاه هذا التطور، والتداعيات المستقبلية على مسار الأزمة السورية ووحدة أراضيها.

الإشكالية الرئيسة التي تسعى هذه الدراسة إلى معالجتها هي: هل تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخ وجود عسكري دائم في مناطق سيطرة قسد، وما هي انعكاسات ذلك على التوازنات الإقليمية والدولية في سوريا و(الشرق الأوسط)؟

تعتمد هذه الورقة على منهج تحليلي – وصفي من خلال مراجعة الأدبيات والتقارير الإخبارية والدراسات الأكاديمية، بهدف تقديم قراءة معمقة للتحولات الجارية في شمال شرق سوريا. كما تستند إلى المقارنة بالنموذج العراقي لفهم مآلات الوجود الأميركي.

 

الخلفية التاريخية للتحالف الأميركي – الكردي

  1. نشأة التحالف: بدأ التحالف العسكري بين الولايات المتحدة وقسد في إطار الحرب ضد تنظيم داعش عام 2014، حيث مثّلت قسد (التي تضم وحدات حماية الشعب الكردية YPG مع فصائل عربية ومكونات أخرى) القوة البرية الأكثر فاعلية على الأرض في مواجهة التنظيم. استطاعت قسد، بدعم جوي ولوجستي أميركي، تحرير مساحات واسعة من الرقة، دير الزور، والحسكة.

  2. الأبعاد العسكرية والسياسية للتحالف: لم يقتصر التعاون على العمليات العسكرية ضد داعش، بل تطور إلى بعد سياسي وأمني، إذ رأت واشنطن في قسد شريكًا موثوقًا يمكن الاعتماد عليه لإدارة المناطق المحررة ومنع عودة التنظيم. كما ساهمت التجربة في خلق إدارة ذاتية لشمال وشرق سوريا، ما عزز فكرة أن الوجود الأميركي يتجاوز البعد التكتيكي نحو أهداف استراتيجية أوسع.

  3. مقارنة مع الحالة العراقية: تُظهر التجربة الأميركية في كردستان العراق (منذ عام 1991 وما بعدها) أن الولايات المتحدة تميل إلى الاعتماد على قوى محلية كردية لتثبيت وجودها في مناطق استراتيجية. ما يجري اليوم في سوريا يبدو امتدادًا لهذا النموذج، مع تكييفه وفق الظروف السورية.

 

بناء قاعدة دائمة: النموذج العراقي في كردستان يمثل سابقة تاريخية. لذا، هناك مؤشرات متزايدة على نية واشنطن تحويل قواعدها في الحسكة ودير الزور إلى بنية تحتية طويلة الأمد.

 

 

الدوافع الأميركية للبقاء في شرق سوريا

  1. مكافحة عودة داعش: رغم هزيمة التنظيم عسكريًا في 2019، إلا أن تقارير استخباراتية عديدة تؤكد استمرار نشاطه في البادية السورية وبعض مناطق دير الزور والرقة. واشنطن ترى أن أي انسحاب مفاجئ قد يمنح التنظيم فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.

  2. حماية الموارد الطبيعية: مناطق شرق الفرات غنية بالنفط والغاز والمياه. السيطرة أو الحماية الأميركية لهذه الموارد تمنح واشنطن أداة ضغط اقتصادي ضد دمشق وحلفائها.

  3. بناء قاعدة دائمة: النموذج العراقي في كردستان يمثل سابقة تاريخية. لذا، هناك مؤشرات متزايدة على نية واشنطن تحويل قواعدها في الحسكة ودير الزور إلى بنية تحتية طويلة الأمد.

 

الموقف التركي

  1. التهديد الأمني التركي: تعتبر تركيا أن قسد امتداد لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف إرهابيًا لديها. وعليه، فإن أي دعم أميركي لقسد يعد تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

  2. التكتيكات التركية: تركيا استخدمت استراتيجيات متوازية، تشمل:

  • عمليات عسكرية مباشرة (مثل نبع السلام وغصن الزيتون).

  • قصف جوي وصاروخي متكرر على مواقع قسد في الحسكة والرقة وحلب.

  • دعم فصائل الجيش الوطني السوري لمهاجمة قسد بريًا.

  1. العلاقة المعقدة مع واشنطن

  2. أنقرة رغم عضويتها في الناتو : تعاني من أزمة ثقة مع الولايات المتحدة بسبب الدعم الأميركي لقسد. ومع ذلك، تبقى هناك حدود للمواجهة المباشرة، إذ تسعى تركيا إلى تجنب صدام شامل مع القوات الأميركية.

 

الموقف السوري والإقليمي

  1. موقف دمشق: حکومة سوريا المؤقتة يرى في الوجود الأميركي انتهاكًا للسيادة الوطنية ووسيلة لإطالة الأزمة. دمشق تسعى إلى استعادة السيطرة الكاملة، لكنها تواجه عجزًا عسكريًا وسياسيًا دون دعم روسي وإيراني مباشر.

  2. الموقف الإيراني: إيران تعارض بشدة أي وجود أميركي في سوريا، لأنه يقطع ممرها الاستراتيجي من طهران إلى بيروت عبر بغداد ودمشق. لذلك تدعم طهران عمليات مقاومة محلية في دير الزور ضد القواعد الأميركية.

  3. الموقف الروسي: روسيا تعتبر نفسها الضامن الأساسي لوحدة سوريا، وترى في التواجد الأميركي تهديدًا لمصالحها العسكرية (خاصة في قاعدة حميميم) والسياسية (دورها في المفاوضات الدولية(.

  4. الموقف الغربي: فرنسا وبريطانيا تدعمان الموقف الأميركي في سوريا باعتباره ضروريًا لمنع عودة داعش، إضافة إلى اعتبارات سياسية مرتبطة بالتحالف الأطلسي.

 

التداعيات المستقبلية

  1. احتمالية إقامة قاعدة دائمة: جميع المؤشرات، من تعزيز البنية التحتية إلى إدخال معدات ثقيلة وإجراء تدريبات مشتركة، تدل على توجه أميركي لإقامة وجود طويل الأمد.

  2. انعكاسات على العلاقة الأميركية – التركية: قد يؤدي هذا التحول إلى زيادة حدة التوتر بين أنقرة وواشنطن، خصوصًا إذا شعرت تركيا أن قسد تتحول إلى كيان سياسي – عسكري مدعوم دوليًا.

  3. مستقبل الأزمة السورية: وجود قاعدة أميركية دائمة سيكرس الانقسام الجغرافي والسياسي، ما قد يعقد أي تسوية شاملة ويؤدي إلى إطالة الأزمة لعقد جديد.

  4. انعكاسات إقليمية: قد يدفع هذا الوجود الجمهورية الاسلامية في ايران وروسيا إلى العمل لمواجهة الوجود الامريكي. كما قد يفتح الباب أمام تحالفات إقليمية جديدة تتقاطع فيها مصالح تركيا مع موسكو وطهران.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى