الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

بين البر والبحر .. جدلية القوة القارية والبحرية في صراع تشكيل النظام العالمي الجديد

بقلم: س. سي. إم. باين

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

التنافس بين القوى الكبرى بات مجددًا السمة البارزة للعلاقات الدولية غير أن ملامحه الدقيقة ما تزال موضع جدل، فبينما يستحضر بعض المحللين الإرث الأيديولوجي للحرب الباردة يركّز آخرون على تحولات ميزان القوى العسكرية في حين يشدد فريق ثالث على دور القادة وخياراتهم، غير أن جوهر الصراعات المعاصرة حول النظام الدولي يرتبط بخلاف ممتد- وإن ظل غير معلن غالبًا- حول مصادر القوة والازدهار، ويعود أصل هذا الخلاف إلى الجغرافيا التي أفرزت رؤيتين عالميتين متعارضتين قارية وأخرى بحرية.

في المنظور القاري تُقاس القوة بامتلاك الأرض وغالبية الدول بحكم موقعها تعيش في بيئات قارية متعددة الجيران وقد شكّل هؤلاء الجيران عبر التاريخ الخصوم الرئيسيين لبعضهم البعض، أما القوى القارية الكبرى- كالصين وروسيا- فتسعى إلى اقتسام النظام الدولي ضمن مناطق نفوذ شاسعة وهي توجّه مواردها لتعزيز الجيوش وحماية الحدود أو غزو الجوار وإخضاعه عبر حروب مدمرة للثروة كما ترسّخ الحكم الاستبدادي داخليًا لإعلاء شأن المتطلبات العسكرية على حساب المدنية، وينشأ عن ذلك حلقة مفرغة إذ يحتاج الحكام المستبدون إلى “عدوّ كبير” يبرّر قمعهم ويُنتج تهديدات أمنية مفتعلة تفضي إلى مزيد من النزاعات.

أما الدول التي تحيط بها البحار أو تفصلها المحيطات عن غيرها فتنعم بأمن نسبي من الغزو ما يتيح لها تركيز جهودها على تراكم الثروة بدلاً من الانشغال بالصراعات مع الجيران، وتعد هذه القوى أن المال- لا الأرض- هو المصدر الحقيقي للقوة فتسعى إلى تعزيز الازدهار الداخلي عبر التجارة الدولية والصناعة وتقلّص الفجوة بين متطلبات الدفاع واحتياجات المجتمع المدني، وبينما تميل القوى القارية إلى تبني استراتيجيات “اللعبة الصفرية” (الرابح يقتنص كل شيء) بما يلحق الخراب بالطرف المهزوم، تفضّل القوى البحرية منطق “اللعبة المفتوحة” التي تقوم على تراكم الثروة والمعاملات المتبادلة ذات النفع المشترك حيث يُنظر إلى الجيران باعتبارهم شركاء تجاريين لا خصومًا. وتعود الجذور التاريخية للرؤية البحرية إلى الأثينيين القدماء الذين اعتمدت إمبراطوريتهم على ثروات التجارة الساحلية وتبنّت هذه القوى فكرة البحار باعتبارها “منافع عامة عالمية” مفتوحة للتقاسم والتبادل الآمن، وليس مصادفة أن هوغو غروتيوس مؤسس القانون الدولي كان من الجمهورية الهولندية إحدى أبرز القوى التجارية، ومنذ الحرب العالمية الثانية سعت الدول ذات التوجه التجاري إلى إنشاء مؤسسات إقليمية ودولية لتسهيل حركة التجارة وخفض تكاليف المعاملات وتعزيز تراكم الثروة كما نسّقت جهودها البحرية والأمنية لمكافحة القرصنة وضمان التدفقات التجارية، وقد أفرز ذلك نظامًا بحريًا قائمًا على القواعد يتطور تدريجيًا ويضم عشرات الأعضاء الذين يعملون معًا على إنفاذ تلك القواعد وحماية المصالح المشتركة. إن المنافسة الراهنة ليست سوى امتداد جديد للصراع القاري- البحري، فمنذ الحرب العالمية الثانية عكست الاستراتيجية الأميركية موقعها كقوة بحرية إذ تدفعها بنيتها الاقتصادية إلى حماية التجارة العالمية وتؤهلها جغرافيتها وقوتها لمنع القوى الأخرى من تقويض سيادة الدول، في المقابل تسعى قوى مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية إلى تقويض النظام القائم على القواعد إذ ترى في المجتمعات الأكثر انفتاحًا تهديدًا وجوديًا لبقاء أنظمتها ورؤاها الأمنية.

إن قدرة الولايات المتحدة على كسب “الحرب الباردة الثانية” مرهونة بتمسكها باستراتيجيات القوة البحرية التي أثبتت نجاحها في الماضي، أما انزلاقها نحو تبني النموذج القاري عبر إقامة الحواجز وتهديد الجوار وتقويض المؤسسات الدولية- فسيقودها على الأرجح إلى الفشل، وقد يجعل من الصعب عليها استعادة موقعها من جديد.

 

حِيَل التجارة

طوّرت المملكة المتحدة الدليل البحري الحديث لمواجهة القوى القارية إبّان الحروب النابليونية فقد أصبحت لندن القوة المهيمنة عالميًا ليس عبر استخدام جيشها لسحق الخصوم بل من خلال تراكم الثروة الناجمة عن التجارة والصناعة بينما كانت بقية الدول الأوروبية تستنزف بعضها البعض عسكريًا، جميع القوى القارية كانت مضطرة للاحتفاظ بجيوش ضخمة إما للغزو أو لتجنب الغزو وغالبًا ما نُظّمت اقتصاداتها بما يخدم متطلبات الجيوش لا التجار، أما المملكة المتحدة التي حمتها المياه من جميع الجهات إضافةً إلى أسطول بحري مهيمن فكانت أقل خوفًا من الغزو ولم تكن بحاجة إلى قوة برية ضخمة ومكلفة قد تشكل تهديدًا داخليًا عبر الانقلابات، لذا ركزت على تراكم ثروتها من خلال التجارة معتمدة على أسطولها البحري في حماية طرق الملاحة. كانت المملكة المتحدة الدولة الوحيدة بين القوى العظمى التي شاركت في كل تحالف ضد فرنسا وبعد هزيمة نابليون في معركة ترافالغار على يد البحرية الملكية، لجأ إلى استراتيجية اقتصادية بفرض حصار قاري على التجارة البريطانية عُرف بـ”النظام القاري” وهو ما وصفه نابليون بشعار فرنسا أولاً (la France avant tout)، لكن هذا الحصار ألحق أضرارًا اقتصادية أكبر بفرنسا وحلفائها مقارنةً بالمملكة المتحدة التي امتلكت منفذًا بحريًا إلى أسواق بديلة حول العالم، وقد دفع ذلك نابليون إلى شن غزوه الكارثي على روسيا التي واصلت تجارتها مع البريطانيين. وبدلًا من مواجهة جيش نابليون الكبير مباشرة وظّفت بريطانيا ثروتها المتنامية لتمويل وتسليح النمسا وبروسيا وروسيا إلى جانب عدد من الدول الأصغر والتي تمكنت مجتمعة من تثبيت القسم الأكبر من قوات نابليون على الجبهة الرئيسية في وسط أو شرق أوروبا، وفي الوقت نفسه فتحت بريطانيا جبهة جانبية في شبه الجزيرة الإيبيرية التي كانت أكثر سهولة في الإمداد عبر البحر من البر ما جعل معدلات الاستنزاف تصب في صالحها، وأسفرت الخسائر التراكمية على هذه الجبهة والجبهة الرئيسية عن إنهاك نابليون في نهاية المطاف لتنهار قواته حينما تكاتفت خصومه ضده في وقت واحد، لقد تكبدت جميع الدول الأوروبية تقريبًا أضرارًا هائلة جراء الحروب فيما خرج الاقتصاد البريطاني من دون أن يُمسّ، والأمر ذاته تكرر مع الولايات المتحدة في كلتا الحربين العالميتين.

عقب الحروب النابليونية دشّنت الثورة الصناعية عصر النمو الاقتصادي المتراكم ما زاد الكفة ميلًا لصالح القوى البحرية فقد أصبح من الأيسر بكثير تحقيق القوة عبر الصناعة والتجارة بدلاً من الحروب المدمرة للثروات، وقد اعتمد هذا التحول على خطوط الاتصال الخارجية التي توفرها البحار في مقابل الخطوط الداخلية التي استخدمتها القوى القارية– مثل فرنسا النابليونية– للدفاع عن إمبراطورياتها وتوسيعها ونتيجة لذلك صار النظام العالمي اليوم ذا طبيعة بحرية– حتى وإن لم يُدرك كثيرون ذلك، إذ يعيش نحو نصف سكان العالم على السواحل وتنتج المناطق الساحلية ما يقرب من ثلثي الثروة العالمية ويُنقل 90% من السلع المتداولة (من حيث الوزن) عبر المحيطات فيما تُعتمد 99% من حركة الاتصالات الدولية على الكابلات البحرية، كما تنظم الهيئات والمعاهدات الدولية حركة التجارة، إن البحار تصل الجميع بالجميع ولا تستطيع دولة واحدة ضمان انفتاحها لكن ائتلافًا من الدول الساحلية يمكنه جعلها آمنة للملاحة.

لقد عاد هذا النظام بالنفع الواسع على شعوب العالم فقواعد التجارة قلّصت الاختناقات وخفّضت التكاليف والبحار المفتوحة والآمنة سهّلت النمو الاقتصادي ورفعت مستويات المعيشة كما مكّنت الناس من السفر والعمل والاستثمار في الخارج، وقد استفاد الأثرياء بدرجة خاصة من النظام البحري إذ لديهم أكثر ما يخسرونه في حال اختفت القواعد ولأن مصالحهم الاقتصادية ذات امتداد عالمي كما أن الدول المنخرطة في النظام البحري أغنى بكثير من تلك الساعية إلى تقويضه، بل إن حتى القوى الساعية إلى قلب هذا النظام استفادت منه فالصين مثلًا لم تصبح غنية إلا بعد انضمامها إلى النظام البحري عقب الحرب الباردة أما الاقتصادان الإيراني والروسي فما يزالان جزءًا يسيرًا مما يمكن أن يكونا عليه لو التزمت حكومتا البلدين بالقانون الدولي وبناء المؤسسات التي تحمي المواطنين بدلًا من خدمة الدكتاتوريات الحاكمة.

 

الغزو  والانهيار

في العالم القاري تُقاس القوة بالسيطرة على الأراضي فالجيران يمثلون خطرًا دائمًا إذ قد يشن الأقوياء غزوات لذلك يسعى القياصرة والقوى القارية الكبرى إلى زعزعة استقرار الدول المجاورة، وفي العصر الحديث يتم ذلك عبر إغراق تلك الدول بالأخبار المضللة لتأجيج الاستياء الداخلي والخلافات الإقليمية كما يشكّل الجيران الضعفاء تهديدًا كذلك إذ يمكن للإرهاب والفوضى أن تتسرب عبر الحدود المشتركة، ومن أجل حماية أنفسهم وزيادة قوتهم غالبًا ما تغزو الدول القارية جيرانها و”تمتصهم” مغيرةً الواقع الجغرافي وإزالة التهديدات المحتملة عن الخريطة. في سعيهم لتوسيع الحجم والقوة تتبع القوى القارية الناجحة قاعدتين أساسيتين: تجنب الحروب على جبهتين وتحييد الجيران من القوى الكبرى. غير أن النظرية القارية للأمن لا تقدّم إرشادات حول متى يجب التوقف عن التوسع ولا تضمن تحالفات دائمة، فالجيران يدركون أن القائد القاري يعدهم بمشاكل طويلة الأمد، ونتيجة لذلك غالبًا ما تجد القوى القارية نفسها متوسعة بشكل مفرط معزولة ومعرضة في النهاية للانهيار، كل من الحروب الإقليمية وزعزعة استقرار الجيران تؤدي بسرعة إلى تدمير الثروة. على سبيل المثال كان بإمكان ألمانيا الهيمنة اقتصاديًا على القارة الأوروبية خلال القرن العشرين نظرًا لمعدل نموها الاقتصادي الأسرع مقارنة بجيرانها لكنها بدلاً من ذلك خاضت حربين عالميتين توسعيّتين، وفي كلتا الحربين انتهكت ألمانيا قواعد الإمبراطورية القارية بمحاربة عدة قوى كبرى على جبهات متعددة، وبعيدًا عن تثبيت الهيمنة أبطأت هذه الحروب صعود ألمانيا لعقود بتكلفة هائلة من الأرواح والثروات عبر أوروبا.

وبالمثل ازدهرت اليابان تحت النظام البحري التجاري لكنها في ثلاثينيات القرن العشرين تبنت النموذج القاري واستولت على إمبراطورية واسعة في البر الرئيسي الآسيوي وكما حدث مع ألمانيا أسفر سعيها عن الأراضي لكنه أنتج أعداء متعددين وتوسعًا عسكريًا واقتصاديًا فادحًا دمر اليابان والدول التي غزتها، بعد الحرب عادت اليابان إلى النموذج البحري بالعمل عبر المؤسسات الدولية وتحت القانون الدولي ما أفضى إلى “المعجزة الاقتصادية اليابانية” حيث تحولت دولة مدمرة إلى واحدة من أغنى دول العالم، (وقد شهدت هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان معجزات اقتصادية مماثلة خلال الحرب الباردة بفضل النظام البحري أيضًا). وكان التوسع المفرط سببًا رئيسيًا أيضًا في انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد ابتلع هذا الاتحاد شرق أوروبا نهاية الحرب العالمية الثانية وفرض نموذجًا اقتصاديًا مناسبًا للحكم الاستبدادي لكنه غير ملائم للنمو الاقتصادي ثم وسّع هذا البرنامج ليشمل أكبر قدر ممكن من العالم النامي، وفي النهاية لم تستطع الاقتصاد السوفيتي الضعيف دعم مغامرات موسكو الإمبراطورية ومشاريعها غير العملية.

خلال الحرب العالمية الأولى تبنت جميع القوى الأوروبية بما في ذلك المملكة المتحدة استراتيجيات قارية تتطلب استخدام جيوش ضخمة لبناء إمبراطوريات متنوعة ومتداخلة الأراضي، وكان لكل دولة أعداؤها الأساسيون وجبهاتها الرئيسية المختلفة حتى ضمن كل نظام تحالفي ما أنتج سلسلة من الحروب المتوازية غير المنسقة، كما عانت القوى الأوروبية بما فيها المملكة المتحدة من ضعف التنسيق بين الضباط العسكريين والقادة المدنيين الذين كانوا يمتلكون فهمًا أفضل للأسس الاقتصادية للقوة، وقد أصر الضباط على الهجمات المتعثرة لأشهر مضيّعين مئات الآلاف من الأرواح الشابة بدلًا من الاعتراف بإفراط استراتيجياتهم.

يمكن القول إن أي دولة أوروبية لم تتعافَ بالكامل من خسائر الحرب العالمية الأولى فقد دمّرت الحرب الإمبراطوريات القارية التي أصرّت على خوضها النمسا- المجر- ألمانيا- وروسيا وعلى الرغم من نصرها خرجت فرنسا والمملكة المتحدة أسوأ حالًا بعد الحرب، أما الولايات المتحدة فقد انزوت عن التدخل الأوروبي ما مهّد الطريق لأولئك الذين تبنّوا شعار “أميركا أولًا” وفرضوا تعريفات جمركية عمّقت الكساد الكبير ومهدت لإعادة اندلاع حرب عالمية، بالمقابل خلال فترة السلام الطويلة بين الحروب النابليونية والحرب العالمية الأولى تراكمت ثروات أوروبا وبالمثل عندما اعتمدت الولايات المتحدة النموذج البحري للفوز في الحرب العالمية الثانية شهدت ازدهارًا غير مسبوق، وعلى عكس ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى لم تنزوِ واشنطن إلى العزلة بل تولّت القيادة بمساعدة الشركاء على إعادة البناء وعملت كضامن للنظام الدولي الذي أنشأته بالتعاون مع حلفائها بعد الحرب للحفاظ على السلام وقد نجحت هذه المؤسسات في أوروبا حتى غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا.

 

كلاب الحرب

 معظم الدول تقع ضمن فضاء قاري فهي تفتقر إلى الحماية البحرية الشاملة التي تعزلها كليًا عن التهديدات الخارجية، ويوفر النظام البحري القائم على القواعد الحماية المثلى لهذه الدول حيث تدمج المؤسسات وأنظمة التحالف القدرات المتنوعة للأعضاء لاحتواء تهديدات القوى القليلة ما يجعلها بمثابة برنامج تأمين للنظام الدولي القائم على القواعد، ورغم أنها لا تستطيع القضاء على المخاطر بشكل كامل فإن التنسيق بين الأعضاء لتعظيم النمو الاقتصادي واحتواء القوى القارية يمكن أن يقلّل المخاطر بشكل كبير. ومع ذلك يظل هناك عدد كبير من الدول الملتزمة بالنموذج القاري، فقد أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نيته توسيع حدود بلاده مستهلًا بالسيطرة على أوكرانيا والتي تعتبر مجرد مدخل لما يسميه “الطبق الرئيسي”، وصرّح بوتين بأن «أينما وطأ جندي روسي فذلك لنا» في إشارة إلى طموحاته التي تشمل أوروبا الوسطى والشرقية، التي احتلتها القوات السوفيتية بعد الحرب العالمية الثانية وقد تمتد رؤيته إلى باريس التي وصلت إليها القوات الروسية في نهاية الحروب النابليونية.

وكما كان الحال خلال الحرب الباردة الأولى تهدف موسكو إلى تقويض الغرب من الداخل والخارج، ومنذ الثورة البلشفية برع الروس في استخدام الدعاية مستغلين إياها لنشر الشيوعية عالميًا مما كلف العديد من الدول عقودًا من النمو، والآن تستخدم روسيا الدعاية لترويج وهم مفاده أن حلف الناتو يشكل تهديدًا لروسيا رغم أن دول الناتو لا تطمع في أراضي موسكو بل تهدف إلى أن تتعامل روسيا مع أزماتها الداخلية وأن تصبح عضوًا فعّالًا في النظام الدولي. وقد عززت وسائل التواصل الاجتماعي قدرة روسيا على إثارة الانقسامات في الخارج من خلال تأجيج التوترات على القضايا المثيرة للجدل، وقد سعت موسكو إلى تحويل الحرب في أوكرانيا إلى قضية تفرق بين الولايات المتحدة وأوروبا وبين الدول الأوروبية نفسها بما يضعف حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، كما دعمت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مما أضعف الروابط بين المملكة المتحدة والقارة وأسهمت في خلق تدفقات هجرة ضخمة عبر دعمها لقوات الرئيس السوري بشار الأسد خلال الحرب الأهلية وزعزعة استقرار أفريقيا ما أدى إلى تدفق اللاجئين إلى أوروبا وأدى بدوره إلى صعود التيارات اليمينية الانعزالية.

وتسعى قوى قارية أخرى أيضًا إلى إعادة تشكيل النظام العالمي فكوريا الشمالية تطمح للسيطرة على كامل شبه الجزيرة الكورية بينما تركز إيران على (الشرق الأوسط) ساعية لتوسيع نفوذها في غزة والعراق ولبنان وسوريا،

أما الصين فقد بدا انخراطها في النظام العالمي الحالي بحثًا عن الثروة وكأنها تتبنى منظورًا بحريًا وبنت أسطولًا بحريًا كبيرًا غير أن محدودية البحار المحيطة بسواحلها– ضيقة ضحلة ومزدحمة بالجزر– تحد من قدرتها على نشر الأسطول في أوقات الحرب ما يجعلها مشابهة لألمانيا في الحروب العالمية التي بنت أساطيل ضخمة لم تستطع استخدامها بفعالية، وتعتمد الصين بشكل كبير على التجارة والواردات خصوصًا الطاقة والغذاء ما يجعل أي إغلاق لطرقها البحرية أداةً شديدة الإضرار باقتصادها. وكما أظهرت أوكرانيا عبر استخدام الطائرات بدون طيار لغرق السفن الروسية يمكن للخصوم إغلاق البحار الضيقة وللصين 13 جارة بريّة وسبعة بحريّة ولديها العديد من الخلافات معهم، باستخدام الغواصات والمدفعية الساحلية والطائرات والطائرات بدون طيار يمكن لهؤلاء الجيران تعطيل حركة التجارة الصينية وجعل مرور الأسطول البحري محفوفًا بالمخاطر، فيما تمتلك بعض الدول الساحلية المجاورة– مثل إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند وتايوان– منافذ بحرية بديلة تجعل حظرها صعبًا.

وكما روسيا تحتفظ الصين برؤية قارية فإلى جانب المطالب الإقليمية على اليابان والفلبين وتهديدها باستخدام القوة للسيطرة على تايوان تسعى بكين أيضًا للحصول على أراضٍ من بوتان والهند ونيبال، وعند سرد المواطنين الصينيين لأراضيهم التاريخية يشيرون إما إلى سلالة يوان المغولية التي امتدت حتى المجر أو إلى إمبراطورية تشينغ التي شملت الأراضي التي يحاول مشروع الحزام والطريق الآن سحبها من النفوذ الروسي، وما زال للصينيين اسمان لأنفسهم “المملكة الوسطى” أو “الكل تحت السماء” أي نظام عالمي كامل يشمل الأراضي التي يسيطر عليها. ولم تشن بكين خلافًا لموسكو حروب غزو مباشرة حتى الآن لكنها تشن حربًا مالية من خلال قروض مشروع الحزام والطريق التي تثقل الدول المستفيدة بالديون، كما تخوض حربًا إلكترونية باختراق البنى التحتية الحيوية للدول الأخرى وسرقة أسرارها وتشارك في حروب الموارد عبر تقييد صادرات المعادن النادرة وحروب بيئية عبر سدود أنهار جنوب شرق وجنوب آسيا وحروب مخدرات من خلال فيضان الأسواق الأميركية بالفنتانيل، بل تدخل أحيانًا في حروب غير نظامية مع توغلات في الأراضي الهندية أودت بحياة جنود كل ذلك يمثل وصفة قارية للتوسع المفرط والضغط على الاقتصاد ويضع الصين على طريق محتمل نحو الانهاك إذا استمر هذا التوسع.

 

تفادي الكارثة

لمواجهة القوى القارية لا تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إعادة ابتكار الاستراتيجية فالاستراتيجية التي قادت إلى انتصار الحرب الباردة السابقة تظل فعّالة اليوم أيضًا وتبدأ هذه الاستراتيجية بالاعتراف بأن الصراع الحالي شأنه شأن الصراع السابق– سيكون مطوَّلًا، بدلاً من محاولة إنهائه بسرعة مما قد يؤدي إلى نشوب حرب نووية تعامل المنتصرون في الحرب الباردة الأولى مع النزاع على مدى عدة أجيال وينطبق نفس المنهج اليوم يجب على القوى البحرية التحلي بالصبر والحفاظ على الصراع الحالي في مستوى “بارد”، مع تجنب الحروب الساخنة خصوصًا في المسارح التي تفتقر إلى الوصول البحري الكافي أو في الدول المحاطة ببلدان معادية قد تتدخل أو حيث السكان المحليون غير راغبين عمومًا في تقديم الدعم كما حدث في أفغانستان والعراق ما يفسر إخفاق واشنطن في هذين النزاعين. وبدلاً من خوض الحروب الساخنة يجب على الولايات المتحدة وشركائها استغلال القوة الاقتصادية الهائلة للعالم البحري مقابل ضعف القوى القارية في توليد الثروة ويتعين عليهم استبعاد القوميين القاريين من فوائد النظام البحري عبر فرض عقوبات عليهم حتى يكفوا عن انتهاك القانون الدولي ويتخلوا عن الأعمال العدائية ويقبلوا الدبلوماسية، فالعقوبات على عكس الرسوم الجمركية التي تفرض على الواردات لحماية المنتجين المحليين تجعل المعاملات المستهدفة غير قانونية لمعاقبة الجهات الضارة وحتى العقوبات الجزئية التي تقلل معدلات النمو بنسبة واحدة أو اثنتين يمكن أن تُحدث تأثيرات تراكمية مدمرة وطويلة الأمد كما يتضح من مقارنة كوريا الشمالية الخاضعة للعقوبات وكوريا الجنوبية غير الخاضعة لها، وتُعد العقوبات بمثابة “كيمياء اقتصادية” قد لا تقضي على الورم بالكامل لكنها على الأقل تُبطئ تقدمه كما أظهرت التجربة السوفيتية في تأخر التطور التكنولوجي.

ينبغي لواشنطن وشركائها استيعاب الدول غير الطامحة لتغيير النظام الدولي فقد أدرك المنتصرون في الحرب الباردة السابقة أن التحالفات تعمل بتكاملية إذ تضيف قدرات جديدة تساعد على إجبار الأعداء على الاستسلام، وتقوم المؤسسات بتعبئة الخبرات لتقديم الخدمات ومعالجة المشكلات التي تمكّن الدول الأعضاء من مواجهة القوى القارية، لذلك يتعين على الولايات المتحدة تعزيز شبكتها وتوسيعها مع التركيز على الحفاظ على ازدهارها وازدهار شركائها بحيث يمكنهم مواجهة القوى المتسلطة معًا، كما يجب على أنظمة التحالف مساعدة الدول المتضررة من القوميين القاريين لأن مقاومتها تضعف أعداءها، وبنفس الطريقة التي زوّد بها الغرب أعداء موسكو حتى انسحب الاتحاد السوفيتي من الحرب في أفغانستان يجب على الغرب اليوم دعم أوكرانيا طالما استلزم الأمر فكلما طال الصراع الأوكراني ضعفت موسكو مما قد يفتح الباب أمام استغلال محتمل من الصين. وفي حال سقوط النظام الحالي في روسيا فإن صراع الخلافة الناتج سيجبرها على تقليص التزاماتها الخارجية كما حدث مع الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الكورية بعد وفاة جوزيف ستالين والتي انتهت بسرعة، وإذا تخلى أي من القوميين القاريين عن طموحاتهم الإقليمية وساهموا سلمياً في تحسين القوانين والمؤسسات الدولية فعندها يجب على الولايات المتحدة وشركائها استقبالهم ضمن النظام القائم على القواعد، أما إذا لم تتغير هذه الدول فإن الاستراتيجية الأنسب هي الاحتواء لقد انتصرت واشنطن في مواجهتها السابقة مع موسكو ليس من خلال نصر عسكري مفاجئ بل عبر ازدهارها الاقتصادي بينما عانى الاتحاد السوفيتي من تدهور اقتصادي من صنعه، ففي الثمانينيات بينما كان السوفييت يقفون في طوابير للحصول على احتياجاتهم الأساسية كان الأمريكيون يقضون عطلاتهم العائلية. والهدف الحالي للولايات المتحدة يجب أن يكون الحفاظ على ازدهار الديمقراطيات والشركاء مع إضعاف القوى القارية، فقد لا تزول هذه القوى قريبًا ولكن إذا عجزت عن مواكبة معدلات النمو الاقتصادي للدول التي تحافظ على النظام البحري، فإن التهديد النسبي سيقل تدريجيًا.

 

الأهداف الذاتية

 تبلغ رهانات الصراع بين النظام القاري والنظام البحري القائم على القواعد ذروتها اليوم، فمع وجود العديد من القوى النووية تتردد الولايات المتحدة تدريجيًا في القيام بدور الضامن النهائي للنظام العالمي من خلال دعم الحلفاء وتوسيع مظلتها النووية، وإذا توسعت النزاعات في أوكرانيا وأفريقيا وبين (إسرائيل)** وإيران واندماجها معًا، فقد تنشب حرب عالمية ثالثة كارثية حيث سيكون الجميع عرضة للهجمات النووية ونتائجها المدمرة. اتخذت الولايات المتحدة خطوات كبيرة لمواجهة خصومها القاريين بما في ذلك فرض عقوبات صارمة وضوابط على الصادرات وتمويل وتسليح الدول المواجهة للخصوم المشتركين، ومع ذلك يتعزز نفوذ منتقدي النظام القائم على القواعد الذين يركزون على عيوبه ويغفلون فوائده الأساسية بما في ذلك تجنيب العالم الكوارث المحتملة، فالنظام البحري يسهم في حماية الأفراد والشركات والحكومات عبر تسهيل التجارة وردع السلوكيات العدائية، إلا أن الناس نادرًا ما يقدرون الكوارث التي تم تفاديها. في السنوات الأخيرة أبدى كبار المسؤولين الأمريكيين انتقادات للنظام الحالي متجهين نحو نهج قاري، فبالرغم من امتلاك الولايات المتحدة حماية طبيعية بفضل المحيطين الأطلسي والهادئ، فإنها تشترك في حدود طويلة مع كندا والمكسيك وقد اختارت مواجهة كلتيهما، كما انتقدت عدة ديمقراطيات صديقة وفرضت رسومًا جمركية على شركاء تجاريين وعرقلت المؤسسات الدولية التي تدعم النمو الاقتصادي العالمي من خلال وضع القواعد وتنفيذها، وحتى مجرد التصريحات حول ضم كندا أو الاستيلاء على غرينلاند أو إعادة السيطرة على قناة بنما يمكن أن تغيّر بشكل دائم خيارات المستهلكين في كندا وأوروبا وخطط عطلاتهم، وفي أسوأ الحالات قد تضعف التحالفات الغربية.

إن استراتيجية خاطئة قد تحوّل الولايات المتحدة من القوة الأساسية إلى قوة هامشية حيث يشكل الشركاء السابقون تحالفات جديدة تستبعد واشنطن، ومع مرور الوقت قد تتعزز هذه التحولات لتصبح دائمة فتزداد قوة الأوروبيين معًا تاركين الولايات المتحدة أضعف ووحيدة، وفي أسوأ السيناريوهات قد تصبح واشنطن الخصم الرئيسي المشترك للصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا دون حلفاء لدعمها، وحتى إذا لم تصل الأمور إلى هذا الحد فقد تضطر الولايات المتحدة لمواجهة الصين بمفردها مع مخاطر عالية لعدم القدرة على التفوق الاقتصادي والعسكري. لقد أخذ العديد من الأمريكيين فوائد النظام البحري كأمر مفروغ منه وركزوا على عيوبه مبددين مزايا بلادهم الجغرافية والتاريخية، وكالأكسجين حولهم فإنهم سيشعرون بفقدان النظام العالمي إذا اختفى، وكما حذر الزعيم الأثيني بيركليس منذ قرون عشية سلسلة من الأخطاء التي أنهت تفوق أثينا بشكل دائم “انا أخاف من أخطائنا الخاصة أكثر من مكائد العدو”.

 

* S. C. M. Paine, By Land or by Sea Continental Power Maritime Power, and the Fight for a New World Order, FOREIGN AFFAIRS, August 19, 2025.

**  لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى