الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
بروتوكول الرمال المتحركة: قراءة في حرب واشنطن النفسية ضد مادورو

بقلم: حنين محمد الوحيلي
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
في عالم السياسة الدولية ليست المعارك كلها مدججة بالمدافع والدبابات، أحياناً يكفي أن تزرع بذرة شك صغيرة في قلب دائرة السلطة لتبدأ جذور الانهيار بالنمو من الداخل. على مدى عقود أتقنت الولايات المتحدة هذا النوع من الحروب الصامتة حيث يتحول الشك إلى أداة ضغط والخيانة إلى سلاح فعال، وفي المشهد الفنزويلي المعقد برز مثال لافت عندما أعلنت واشنطن عن مكافأة مالية ضخمة لأي من يمتلك معلومات تؤدي إلى اعتقال الرئيس “نيكولاس مادورو”. خطوة كهذه قد تبدو في نظر البعض مجرد إشارة سياسية أو حملة إعلامية، لكنها في العمق أشبه بحركة محسوبة ضمن ما يمكن أن نسميه بـ “بروتوكول الرمال المتحركة” استراتيجية تهدف إلى تحويل ولاءات الحلفاء إلى قنوات شك وجعل النظام نفسه يغرق ببطء في مستنقع من عدم الثقة.
الأزمة الفنزويلية ليست وليدة اليوم بل هي نتاج تراكمات سياسية واقتصادية بدأت تتفاعل منذ عهد “هوغو تشافيز” واستمرت مع خليفته “نيكولاس مادورو”. العلاقة مع واشنطن كانت دائماً متوترة لكن السنوات الأخيرة شهدت انتقال الصراع من مواجهة دبلوماسية واقتصادية إلى ساحة أكثر خفاءً وتعقيداً، الحرب النفسية فضلاً عن العقوبات الاقتصادية التي أرهقت الاقتصاد وأضعفت العملة المحلية، كانت في السابق الأداة الأبرز لكن الإدارة الأمريكية بدت وكأنها تبحث عن أسلوب أكثر تأثيراً على قلب النظام نفسه، أسلوب لا يكتفي بإضعاف الدولة بل يستهدف بنيتها الداخلية من الثقة والولاء. وهكذا ظهرت سلسلة من التحركات التي تتجاوز القوالب التقليدية من تسريبات موجهة ضد قيادات الجيش والحزب الحاكم إلى حملات إعلامية دولية تشكك في شرعية النظام وصولاً إلى مكافآت علنية لمن يملك “المعلومة القاتلة” عن الرئيس أو محيطه. في هذا المناخ بدأت ملامح ما يمكن أن نسميه “بروتوكول الرمال المتحركة” تتشكل كإطار يجمع بين الضغوط الاقتصادية والسياسية وأدوات تفكيك الثقة الداخلية.
-
بروتوكول الرمال المتحركة وتكتيك زعزعة الثقة
بروتوكول الرمال المتحركة هو تكتيك سياسي-نفسي يقوم على هز أساسات الثقة داخل بنية السلطة، بحيث لا يعرف القائد من يقف معه فعلاً ومن ينتظر لحظة الانقضاض. في هذا الإطار تأتي خطوة واشنطن بإعلان مكافأة مالية ضخمة لمن يملك معلومات تؤدي إلى اعتقال “نيكولاس مادورو” كأداة مركزية. فهي لا تستهدف بالضرورة الحصول الفوري على المعلومة بقدر ما تهدف إلى خلق بيئة شك مزمنة داخل الدائرة الضيقة للنظام. هذه الإشارة العلنية تفتح الباب أمام من يراودهم التفكير في الخيانة وتغري من يرى فرصة لنجاة شخصية على حساب الولاء، وفي الوقت نفسه تزرع في ذهن “مادورو” سؤالاً لا يهدأ “هل من حولي جميعهم أوفياء؟ هنا تتحول المكافأة من عرض مالي إلى قنبلة نفسية موقوتة، تزعزع الروابط الداخلية وتدفع القائد إلى اتخاذ قرارات تحت ضغط الريبة والخوف، تماماً كما يفعل المستنقع الذي يجبر من يقع فيه على الحركة العشوائية التي تعجل بغرقه.
تطبيق واشنطن لـ “بروتوكول الرمال المتحركة” في فنزويلا جاء على مراحل متكاملة. بدايةً صممت العقوبات الاقتصادية لتقويض قدرة النظام على الحفاظ على شبكة ولاءاته عبر الامتيازات المادية. تلا ذلك استخدام الإعلام الدولي والمنصات الرقمية لتسليط الضوء على الانقسامات والفضائح الداخلية، وإبراز قصص الفساد أو الخلافات في صفوف الجيش والحزب الحاكم. ثم جاءت الخطوة الأكثر إثارة إعلان المكافأة العلنية التي عملت كنداء مفتوح لكل من يفكر بالخيانة، وفي الوقت نفسه كرسالة نفسية “لمادورو” بأن دائرته المحيطة قد لا تكون آمنة. هذه الخطوات مجتمعة لم تسقط النظام حتى الآن لكنها أوجدت بيئة من عدم الاستقرار الذهني والسياسي وهو ما يشكل جوهر هذا البروتوكول.
سبق للولايات المتحدة أن طبقت استراتيجيات قريبة من “بروتوكول الرمال المتحركة” في مناطق وصراعات أخرى، حيث استهدفت تفكيك الثقة داخل أنظمة معادية عبر أدوات نفسية وسياسية. فقد شهدنا ذلك في الحرب النفسية ضد “فيدل كاسترو” في كوبا، حيث استخدمت حملات تسريبات إعلامية وتحريض داخلي لمحاولة إثارة الشكوك داخل صفوف القيادة. كذلك خلال حكم “تشافيز” في فنزويلا نفسها حاولت واشنطن استغلال الانقسامات الحزبية والعسكرية عبر دعم معارضين داخليين وتسريبات موجهة. وفي عصور أخرى كحالة “نورييغا” في بنما تم استغلال العلاقات الشخصية والمصالح المتقلبة لخلق بيئة من الخيانة والشك.
هذه الأمثلة تثبت أن واشنطن لا تكتفي بالضغط الخارجي المباشر بل تعتمد على تفكيك منظومات الولاء من الداخل كجزء من استراتيجياتها المعقدة للحفاظ على الهيمنة السياسية.
-
مادورو بين الضغط والمقاومة تحديات واستراتيجيات
رغم محاولات واشنطن المتكررة لإضعافه أثبت “نيكولاس مادورو” قدرة استثنائية على الصمود والبقاء في السلطة، مستفيداً من منظومة متينة من الدعم الأمني والسياسي داخلياً ومساندة دولية استراتيجية خارجياً. ففي وقت تعاني فيه فنزويلا من أزمات اقتصادية خانقة نجح “مادورو” في الحفاظ على ولاء أجهزته الأمنية وقواعد حزبه، معتمداً على أدوات قمع متقدمة وتحكم محكم في مؤسسات الدولة.
هذا الصمود لم يكن ليحدث لولا علاقاته المتنامية مع قوى كبرى مثل روسيا التي وفرت له الدعم العسكري والاستخباري، والصين التي قدمت له حزماً اقتصادية وأذرع استثمارية، وتركيا التي لعبت دوراً في كسر الحصار المالي عبر تهريب الذهب والتحايل على العقوبات. هذه التحالفات لم تعد فقط تعبيراً عن رفض لإملاءات واشنطن بل أصبحت محوراً للنفوذ الدولي في أمريكا اللاتينية، ما زاد من حدة العداء الأمريكي لـ “مادورو” باعتباره عقبة جغرافية وسياسية في لعبة الكبار.
في مواجهة هذا الواقع تحولت السياسة الأمريكية إلى ما يمكن وصفه بـ “بروتوكول الرمال المتحركة” حيث تستهدف الثقة الداخلية للنظام بدلاً من مواجهة مباشرة شاملة. لكن يبقى السؤال الاستراتيجي هل تنجح هذه السياسة في اختراق متانة النظام؟ وهل يمكنها أن تقود إلى تفكك حقيقي، أم أن “مادورو” سيواصل استثمار حالة التهديد لتعزيز شرعيته واستمراره؟
الإجابة ليست سهلة فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تواجه أعداء خارجيين بإصرار، قد تلجأ إلى أساليب توحيد الداخل واستثمار “العدو المشترك” كورقة لتعزيز الولاء والشرعية. ومع ذلك فإن استمرار زعزعة الثقة وتغلغل وسائل الإعلام والتسريبات يمكن أن تحدث تآكلاً تدريجياً يصعب إيقافه، خصوصاً إذا استغلت بذكاء من الخصوم داخل النظام ذاته.
بروتوكول الرمال المتحركة يعكس تحولاً نوعياً في أدوات الحروب النفسية والسياسية التي تستخدمها الولايات المتحدة، حيث لم يعد الهدف مجرد إضعاف الخصم من الخارج بل تفكيك بنيته من الداخل عبر ضرب الثقة والولاء. وفي مواجهة هذا التحدي يظل “مادورو” رمزاً لصمود معقد يجمع بين هشاشة النظام وحيويته في آنٍ واحد. إن نجاح هذه السياسة يعتمد على مدى قدرة واشنطن على استغلال الانقسامات الداخلية دون أن تتحول إلى وقود يشعل مزيداً من التماسك الوطني. ومن هنا يبقى مصير فنزويلا مرهوناً بتوازن دقيق بين أدوات الضغط النفسي والمقاومة السياسية، مما يجعل “بروتوكول الرمال المتحركة” نموذجاً حديثاً لفهم الحروب غير التقليدية في القرن الواحد والعشرين.



