الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

التنافس الذاتي في الذكاء الاصطناعي: هل يتحول التفوق الصيني إلى صراع داخلي

بقلم: الباحثة زينة مالك عريبي

يُنظر إلى الصين اليوم باعتبارها أحد الفاعلين المركزيين في سباق الذكاء الاصطناعي، حيث تمكّنت خلال سنوات قليلة من بناء منظومة تكنولوجية تنافس نظيراتها في الغرب، مدفوعة برؤية استراتيجية تجمع بين التخطيط المركزي والاستثمار المكثف في البحث والتطوير. غير أن هذا التفوق الظاهري يخفي في طيّاته بنية معقدة من التنافس الداخلي بين الشركات التقنية الكبرى، والمؤسسات البحثية، والأجهزة الحكومية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول استقرار النموذج الصيني ذاته.

حيث اصبحت الصين قوة رئيسية تهدد دول الغرب خاصةً الولايات المتحدة الامريكية لذلك فقد ظهر التفوق الصيني بوضوح في عدد الباحثين وحجم الاستثمارات بالاضافة الى تكامل الذكاء الاصطناعي ضمن البنية الاقتصادية للدولة، مع مرور الوقت ظهرت مجموعة من المؤشرات التي تشير الى بروز ظاهرة التنافس الذاتي داخل الصين، حيث تتسابق جامعاتها وشركاتها ومقاطعاتها في إنتاج نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة، مدفوعةً بالسياسات التحفيزية المركزية واللامركزية.

 هذا المقال يسعى لتحليل هذه الظاهرة، وتفسير أبعادها وتأثيراتها على مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصين، وعلى موقعها العالمي.

في هذا السياق، تبرز إشكالية “التنافس الذاتي” كعامل مركزي لفهم طبيعة تطور الذكاء الاصطناعي في الصين: فهل يعزز هذا التنافس من فعالية النظام ويدفعه نحو الابتكار المستدام؟ أم أنه ينطوي على تناقضات بنيوية قد تتحول، تحت ضغط السباق الدولي والتحديات الأخلاقية والرقابية، إلى صراع داخلي يقوض الطموح الصيني في الهيمنة التكنولوجية؟

تتناول هذه الورقة تحليل هذا البعد المركب، مستندة إلى مقاربة تجمع بين الجيوبولتيك التكنولوجي والتحليل المؤسسي، لتفكيك طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق، وبين التفوق والاضطراب، داخل النموذج الصيني للذكاء الاصطناعي.

 

اولاً: ملامح التفوق الصيني في الذكاء الاصطناعي

اتبعت الصين استراتيجية طويلة الامد في مجال الذكاء الاصطناعي تدعمها اللوائح التكييفية وبنية اساسية قوية من اجل تحقيق التوازن ما بين الابتكار والسلامة، فقد قدمت الصين رؤى حول كيفية تمكن الدول من مواءمة الاستراتيجية والابتكار وتطوير النظام البنيوي من خلال صناعة الذكاء الاصطناعي المتنامية التي تقدر قيمتها باكثر من 70 مليار دولار ونظام بيئي ديناميكي يضم اكثر من  51 الف  شركة.

استطاعت الصين بحلول عام 2017 ان تهيمن على نحو 48% من اجمالي تمويل الذكاء الاصطناعي وذلك بهدف ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، فيمكن القول ان هذه الخطة تعمل بالتركيز على التخطيط الطويل الاجل والذي يتضمن تحقيق التوازن بين الابتكار والسلامة من خلال اللوائح التكييفية.

تحولت الصين خلال 25 عام من امة مقلدة الى قوة تكنولوجية عالمية، حيث تمكنت من انشاء قاعدة صناعية-تكنولوجية متينة عبر دعم القطاع الخاص الذي توسع بشكل كبير جدا خلال سنوات، حتى وصل الحال اليوم بشركةXIAOMI  الصينية على سبيل المثال ان تسلم حوالي 135,000 سيارة كهربائية في عام 2024 بينما تخلت ابل عن مشروعها في هذا المجال رغم الاستثمارات الضخمة التي دامت عقدا كاملا. والان الصين في سباق لنشر الروبوتات على نطاق واسع واستطاعت البلاد في عام 2023 تركيب عدد من الروبوتات الصناعية متفوقة على كل الدول التكنولوجية.

لقد حققت الصين قفزات هائلة في  مجال الذكاء الاصطناعي، فقد اصبحت تمتلك حوالي 5100 شركة  من بينها 71 شركة (يونيكورن) تشكل ما نسبته حوالي 26% من شركات اليونيكورن العالمية بمجال الذكاء الاصطناعي حسب بيانات اصدرتها الهيئة الوطنية لتنظيم السوق في يوم الخميس الماضي،[1] والتي من بينها شركات عملاقة مثل Baidu وTencent وHuawei وAlibaba، تقود مشاريع تطوير نماذج لغوية ضخمة وتطبيقات ذكاء اصطناعي في مختلف القطاعات، وتمتلك أكثر من 535 جامعة تقدم برامج متخصصة في الذكاء الاصطناعي، بالاضافة الى ذلك فأن نصف كبار الباحثين في هذا المجال هم من أصول صينية، كل ذلك بسبب مضاعفة الحكومة الصينية تمويلها للذكاء الاصطناعي منذ2017، وأطلاقها خطة “New Generation AI Development Plan” لقيادة العالم بحلول 2030.

 

 

ثانيًا: التنافس الذاتي- جغرافيا ومؤسساتيًا

يمثل التنافس التكنولوجي فيما بين الشركات الصينية مشهداً ديناميكياً متعدد الاوجه، وذلك لأن الشركات الصينية اصبحت تتنافس فيما بينها في مختلف القطاعات الصناعية والتكنولوجية والعسكرية وغيرها، وقد انعكس ذلك ايجابياً على النمو الاقتصادي الصيني بعد ان ادى الى الدفع بعجلة الابتكار بشكل موسع مما زاد التطور التكنولوجي في الصين فأصبحت الشركات تقدم منتجات وخدمات بشكل مستمر ومتطور، وذلك الامر عمل على تحسين الكفاءة الانتاجية وخفض التكلفة وتعزيز النمو الاقتصادي والقضاء على البطالة وخلق فرص عمل جديدة.

 

رغم المركزية في الخطط الوطنية، بدأت تظهر منافسة صينية صينية داخلية تشمل:

  1. الجامعات والمراكز البحثية: تسعى كل جامعة لإثبات ريادتها من خلال عدد الأبحاث المنشورة وجودتها، جذب المواهب والخبرات، والحصول على التمويل.

  2. شركات التكنولوجيا: ظهر تنافس حاد بين كبرى الشركات على إطلاق نماذج لغوية خاصة بها (LLMs). في عام 2023 وحده أطلقت الصين أكثر من 130 نموذجًا مختلفًا.

  3. المقاطعات والمدن: بكين، شنغهاي، شينزن، وهانغتشو، كل منها تسعى لتكون عاصمة الذكاء الاصطناعي.

 

هذا التنافس يحمل في طياته مجموعة من الايجابيات والسلبيات اهمها:

  1. الإيجابيات:

  • تحفيز الابتكار المحلي.

  • تسريع تطوير التطبيقات الذكية.

  • خلق بيئة تنافسية بين المؤسسات.

  • الحفاظ على التوافق وتعزيز الشراكات لتمكين تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

  • تحسين الكفاءة الانتاجية وخفض التكاليف.

  1. السلبيات:

  • ازدواجية الجهود وتكرار المشاريع.

  • استنزاف الموارد الحوسبية والبشرية.

  • غياب التنسيق الوطني.

  • تشبع السوق بالمنتجات والبدائل، وتآكل هوامش الربح.

  • حروب الاسعار التي قد تضر بالشركات الصغيرة والناشئة.

  • تدخل حكومي لتنظيم المنافسة بين الشركات.

يمكن القول أن التنافس الداخلي قد يصبح سلاحًا ذو حدين من جهة، يمكن أن يعزز الابتكار. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تشتيت الجهود وإضعاف الكفاءة.

 

فالصين الآن أمام خيارين:

الخيار الاول : تحويل التنافس الداخلي إلى محرّك منظم يخدم الاستراتيجية الكبرى.

الخيار الثاني: ترك التنافس يأخذ طابع الفوضى مما قد يضعف موقعها العالمي.

الخاتمة

إن تفوق الصين في الذكاء الاصطناعي لم يعد محل شك، لكن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إدارة هذا التفوق داخليًا. فالتنافس الذاتي بين الجامعات، والشركات، والمقاطعات، قد يكون بمثابة وقود للابتكار، لكنه أيضًا قابل للتحول إلى وقود للانقسام والتكرار والتآكل المؤسسي. لذلك تحتاج الصين أن توازن بين ديناميكية السوق والانضباط الاستراتيجي، حتى لا يتحول صعودها التكنولوجي إلى عبء داخلي يقوض طموحها العالمي. إن مستقبل الصين في الذكاء الاصطناعي سيتحدد ليس فقط بحجم إنجازاتها، بل أيضًا بقدرتها على تنظيم هذا التنافس الذاتي وتحويله من خطر كامن إلى فرصة مستدامة.

[1] . China tops global AI model count with over 1,500 large models released, Xinhua  Agency News English, 28.7.2025, at URL: https://english.news.cn/20250728/ff93808c3b674349acc9cfee48f07774/c.html

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى