الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
إشكالية الأمن القومي العراقي بين مقتضيات الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن وضرورات الحوار الجيوسياسي الإيراني
خيارات التموضع وإدارة التوازن

بقلم: د. عباس فاضل علوان
جامعة الكوفة / كلية العلوم السياسية
العراق في قلب منطقة (الصدع الجيوسياسي- Geopolitical Faultline)، يُمثل العراق في الأدبيات الاستراتيجية المعاصرة نموذجاً للدولة التي تعمل كساحة اختبار للمصالح المتعارضة، حيث لم يعد مجرد مسرح ثانوي بل تحول إلى نقطة توازن مركزية في صراع يتسم بالجيوسياسة المتغيرة ((Geopolitics Shifting وتعدد المسارات، ولذلك إن الأمن القومي العراقي يواجه معضلة بنيوية ناتجة عن وقوعه ضمن (نظام جيوسياسي متغير) تتقاطع فيه الهشاشة الداخلية مع المنافسة بين المكونات والاحزاب أضافة للتدخلات الخارجية، هذا الواقع نقل الساحة العراقية من فضاء لاحتواء التوترات إلى منصة لإدارة الصراع وإعادة تعريف قواعد الاشتباك، مما جعل الدولة العراقية أمام اختبار سيادي غير مسبوق يتعلق بقدرتها على احتكار القرار الأمني وإدارة التوازنات في بيئة إقليمية عالية المخاطر.
أولاً: مقتضيات الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن (بين الاحتواء وإعادة الضبط)
تستند العلاقة العراقية- الأمريكية إلى إطار قانوني وفني معقد متمثل في اتفاقية الإطار الاستراتيجي واتفاقية وضع القوات، اللتين سعتا إلى رسم معالم الدولة العراقية الحديثة بعد عام 2003 وفق الاتفاقية الموقعة بين الطرفين، بالنسبة لبغداد توفر واشنطن دعماً في مجالات مكافحة الإرهـــ ـــاب، التدريب العسكري، فضلاً عن الارتباط بالنظام المالي العالمي والدولار، هذا من الناحية الايجابية، الا انه من ناحية اخرى هناك تدخل في الشؤون الداخلية للعراق وما موضوع التدخل باختيار رئيس الوزراء العراقي الا مثال واضح وسلبي لهذا التدخل.
ويلاحظ أن المقاربة الأمريكية تجاه العراق بدأت تتحول من (الاحتواء التقليدي) إلى (إعادة الضبط القسري)، حيث تسعى واشنطن لإدخال عنصر (التكلفة المتصاعدة) للنشاط المسلح المناهض لها ولسياساتها التدخلية في الشؤون العراقية، عبر استهدافات أكثر دقة تهدف إلى خلق حالة من عدم اليقين بدعوى مكافحة الفصائل المرتبطة بأيران، وتنظر واشنطن الآن إلى العراق لا كشريك مستقر تماماً، بل كساحة يتداخل فيها نفوذها مع نفوذ إيراني متنامٍ، مما دفعها لتفعيل أدوات ضغط اقتصادية وقيود مالية صارمة بحجة تقليل تأثير طهران داخل مفاصل الدولة، هذا الضغط يضع الحكومة العراقية في موقف حرج بين متطلبات السيادة وضغوط الواقع السياسي، خاصة في ظل استغلال واشنطن للغطاء العسكري للتحرك العملياتي المباشر عند الضرورة.
ثانياً: ضرورات الجوار الجيوسياسي الإيراني (عقيدة الدفاع الأمامي)
يمثل العراق (عمقاً استراتيجياً) لا غنى عنه في التفكير الجيوسياسي الإيراني، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي والحدود الطويلة، اضافة الى وجهة نظر الولايات المتحدة الى إيران، بأن امتدادها داخل العراق هو امتداداً أمنياً يسمح بإدارة الصراع بكلفة أقل، وترى ان طهران تنطلق من عقيدة (الدفاع الأمامي) التي ترى أن حماية أمنها القومي لا تتحقق عند حدودها، بل عبر نقل خطوط التماس إلى ساحات إقليمية وسيطة، حيث يُعد العراق حجر الزاوية في هذه المنظومة.
كما تعتقد الولايات المتحدة الامريكية ان ايران تعتمد على شبكة معقدة من الحلفاء في العراق التي تعمل كأدوات مرنة لإدارة الضغط وتثبيت النفوذ، مما يوفر لها قدرة على الردع دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة، فمثلاً اقتصادياً يمثل العراق (رئة) لطهران لتخفيف آثار العقوبات الدولية من خلال تبادل تجاري ضخم واعتماد العراق على الغاز والكهرباء الإيرانيين، اما سياسياً تحرص طهران على ضمان تصدر نخب سياسية حليفة تمنع تحول العراق إلى منصة لتهديد الأراضي الإيرانية، مما يجعل من العراق (منطقة عازلة) ضرورية لعدم تهديد الامن القومي الايراني، وبذلك تتجاهل الولايات المتحدة كثيراً من الحقائق التي جعلت العراق قريباً من الجمهورية الاسلامية الايرانية.
ثالثاً: إشكالية القرار السيادي وصراع (الدولة واللادولة)
تتجلى المعضلة العراقية الكبرى في التباين بين منطق (الدولة) التي تسعى للنأي بنفسها عن الصراعات، ومنطق (بعض الحلفاء) وفق الوصف الامريكي والتي تسعى لربط الساحة العراقية بمعادلة (وحدة الساحات) الإقليمية، ويلاحظ إن (الإطار التنسيقي) يعمل كمتغير وسيط يترجم المصالح الإيرانية ويوازنها مع تدخلات الولايات المتحدة الامريكية، مما يجعل القرار الأمني العراقي مجزء وغير مكتمل الاركان من اجل تحقيق الاهداف، لارتباط بغداد مع واشنطن باتفاقية أمنية.
التشظي هذا في مركز القرار يُضعف قدرة الدولة، ويجعل القواعد الأمنية خطوطاً حمراء متحركة يتم اختبارها باستمرار، حيث إن استمرار هذا النمط يؤدي إلى تآكل الحدود بين (الداخل) و(الخارج) حيث يصبح هذا التشظي عائقاً أمام بناء استراتيجية أمن قومي وطنية خالصة.
رابعاً: خيارات التموضع الاستراتيجي للعراق
في ظل هذا الضغط المزدوج، يبرز أمام العراق ثلاثة مسارات لخيارات التموضع:
استراتيجية التوازن المتعدد المحاور: وهي الاستراتيجية الأكثر واقعية حالياً، حيث يسعى العراق لعدم الانحياز لمعسكر واحد، بل العمل في نقطة تقاطع المحاور لاستخلاص الفوائد الوظيفية من الجميع مع الحد من الانكشاف الأمني.
العراق كجسر إقليمي وسيط: استثمار الموقع الجغرافي للتحول من ساحة صراع إلى منصة للحوار، مما يمنح العراق (ثقلاً استراتيجياً) يتجاوز قدراته العسكرية المحدودة.
التحوط عبر الشراكات البديلة: تنويع الشركاء الدوليين والإقليميين من خلال الانفتاح على الاتحاد الأوروبي، الصين، الهند، وتركيا، وكذلك التكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي لتقليل الاعتماد المفرط على قطب واحد.
خامساً: إدارة التوازن (أدوات التحرك العملياتي)
لتحويل هذه الخيارات إلى واقع، يحتاج العراق إلى إدارة توازن دقيق يعتمد على عدة ركائز:
-
مشروع (طريق التنمية): يمثل هذا المشروع خياراً استراتيجياً لربط العراق بالاقتصاد العالمي، مما يخلق اعتماداً متبادلاً يعزز الأمن من خلال المصالح الاقتصادية ويقلل من تأثير النزاعات الجيوسياسية.
-
تحديث النظام الحدودي والمعاهدات: الحاجة إلى تحديث اتفاقيات الحدود مع دول الجوار مثل (ايران بخصوص بعض حقول النفط المشتركة وغيرها) وكذلك (الكويت بخصوص بعض حقول النفط وخور عبدالله وغيرها) أو إبرام معاهدات حدودية جديدة تراعي التهديدات المعاصرة وتؤمن الحصانة السيادية للعراق من جهة وايران والكويت واي دولة حدودية اخرى من جهة ثانية.
-
الدبلوماسية الاقتصادية وأمن الطاقة: تقليل الاعتماد على مورد طاقة واحد من خلال الربط الكهربائي مع الخليج، وتطوير قطاع الغاز المصاحب لتقليل الارتباط الجيوسياسي من جهة ولصناعة مصالح اقتصادية متينة مع دول الخليج من جهة اخرى.
الخاتمة
يقع اليوم مستقبل الأمن القومي العراقي في منطقة رمادية بين مطرقة الضرورات الجيوسياسية للجوار الإيراني وسندان الالتزامات الاستراتيجية والتدخل من قبل القطب الأمريكي، لقد كشف المقال التحليلي آنفا أن وضعية (الدولة المتأرجحة) لم تعد كافية لحماية المصالح الوطنية العراقية في ظل (منطقة الصدع الجيوسياسي) الذي تعيشه المنطقة، وبناءً على ذلك فإن الانتقال نحو الحياد الإيجابي وتحويل العراق من (ممر العبور الامني- Transit Corridor Security) إلى جسر للمصالح هو المسار الوحيد لضمان الاستقرار المستدام، حيث إن نجاح العراق كدولة فاعلة لا يعتمد فقط على الدبلوماسية الخارجية، بل يبدأ من التماسك البنيوي الداخلي، وقدرة صانع القرار على فرض إرادة الدولة.
التوصيات
-
مأسسة منصة بغداد للحوار: تحويل مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة من حدث بروتوكولي إلى أمانة عامة دائمة تعمل كمركز إقليمي لفض النزاعات، مما يمنح العراق حصانة دبلوماسية ناتجة عن دوره كفاعل وسيط لا غنى عنه.
-
تطوير دبلوماسية الطاقة المستقلة: تفعيل الانضمام لاتفاقية باريس لإدارة الطاقة والاتحاد من أجل المتوسط لتحديث قطاع الطاقة العراقي وفق معايير دولية، وتسريع الربط الكهربائي مع الجوار لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
-
التحرك نحو معاهدة حدودية حديثة: البدء بمفاوضات تقنية مع الجانب الإيراني والكويتي والسعودي، بدعم من الأمم المتحدة، لتحديث معاهدات الحدود لضمان حقوق العراق في بعض الابار النفطية المشتركة وبعض الاطلالات البحرية والاراضي البرية وغيرها، ودمج أنظمة مراقبة ذكية مشتركة لمنع التسلل والتهريب، بما يحفظ حقوق جميع الاطراف وفقاً للحقائق العلمية والجيومكانية الحديثة.
في المحصلة، يظل الأمن القومي العراقي مرتبطاً بمدى قدرة بغداد على إثبات أن استقرارها هو مصلحة عليا لجميع الأطراف، وليس مجرد جائزة يتم التنافس عليها.



