الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الأسلوب الأميركي الجديد في الحرب الاقتصادية مخاطر استراتيجية بلا عقيدة

بقلم: بيتر إي. هاريل
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
شكّل قرار الرئيس دونالد ترامب في أواخر العام الماضي بالشروع في مصادرة ناقلات النفط الفنزويلية في أعالي البحار تحولًا لافتًا في أدوات الدولة الأمريكية في مجال توظيف القوة الاقتصادية، فعلى مدى أكثر من عقدين حرصت واشنطن على ترسيم خط فاصل واضح بين استخدام الأدوات الاقتصادية- مثل العقوبات والقيود على الصادرات- وبين اللجوء إلى القدرات العسكرية، إذ جرى توظيف العقوبات ومنها تلك المفروضة على قطاع النفط الفنزويلي منذ عام 2019 كوسيلة لإخضاع الخصوم لضغوط اقتصادية دون الانزلاق إلى مواجهة مسلحة، في حين عُدّت عمليات الحصار البحري ومصادرة السفن أعمالًا عسكرية تُمارس عادةً ضمن سياق نزاعات قائمة.
غير أن ترامب أعلن في كانون الأول عن ما وصفه بـ”حصار شامل وكامل” للناقلات الخاضعة للعقوبات والمتجهة من فنزويلا أو إليها ومنذ ذلك الحين شهدت السياسة الأمريكية توسعًا متسارعًا في توظيف البحرية الأمريكية لإنفاذ العقوبات، وقد أقدمت البحرية حتى الآن على مصادرة أو احتجاز ما لا يقل عن عشر ناقلات ذات صلة بفنزويلا، كما لوّح ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول التي تنقل النفط إلى كوبا ويبدو أن هذا التهديد يستند بصورة غير مباشرة إلى دعم من خفر السواحل الأمريكي الذي اعترض بالفعل سفينة واحدة كانت متجهة إلى الجزيرة، وفي السياق ذاته سارت بعض الدول الحليفة على النهج نفسه إذ قامت الهند في شباط بمصادرة عدة ناقلات إيرانية خاضعة للعقوبات الأمريكية بينما احتجزت فرنسا في كانون الثاني سفينة روسية خاضعة للعقوبات وأخرى لاحقًا.
ومن منظور فن إدارة الدولة قد يسهم هذا التوجه في إعادة تعزيز فعالية العقوبات الأمريكية وتلك المفروضة بالتنسيق مع الحلفاء بعد أن شهدت تراجعًا نسبيًا في تأثيرها خلال السنوات الأخيرة، غير أن هذا التحول ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر جدية تتمثل في احتمال دفع أطراف دولية أخرى إلى تبني إجراءات انتقامية مماثلة، وإذا ما كانت واشنطن بصدد الانتقال إلى مرحلة جديدة من “الحرب الاقتصادية الهجينة” فإن ذلك يستلزم تطوير عقيدة واضحة تحدد معايير استخدام العقوبات ومتى يمكن دعمها باستخدام القوة فضلًا عن بيان الأساس القانوني لهذه الإجراءات، وفي غياب مثل هذا الإطار قد تجد الولايات المتحدة نفسها عرضة لردود فعل اقتصادية أو سيبرانية أو حتى عسكرية من جانب دول أخرى كما قد تُرسي سابقة خطيرة تتيح للخصوم الاستيلاء على ممتلكات الولايات المتحدة وحلفائها حتى خارج نطاق النزاعات المسلحة.
تراجع الفاعلية
يعود توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو تبنّي نمط من الحرب الاقتصادية الهجينة إلى اعتبارات عملية بالدرجة الأولى إذ بات هذا الخيار ضرورة إذا ما أرادت واشنطن ممارسة ضغط اقتصادي فعّال على خصومها من الدول المصدّرة للنفط، ففي الأسابيع الأخيرة لجأت الولايات المتحدة مؤقتًا إلى تخفيف بعض العقوبات المفروضة على النفط الروسي والإيراني وذلك في سياق الاستجابة لإغلاق إيران لمضيق هرمز والارتفاع الحاد في أسعار النفط عالميًا، غير أن المعطيات تشير إلى أن معظم النفط الإيراني والروسي كان أصلًا متداولًا في الأسواق العالمية على الرغم من استمرار العقوبات الأمريكية.

وخلال السنوات القليلة الماضية تراجعت فعالية العقوبات الأمريكية بشكل ملحوظ ولا سيما في ما يتعلق بالحد من أحجام صادرات النفط للدول المستهدفة، فبعد هجمات 11 أيلول أصبحت العقوبات أداة رئيسية لدى صانعي القرار في الولايات المتحدة وحققت في مراحلها الأولى نتائج ملموسة في تقليص قدرة الخصوم على تحقيق عوائد من صادرات النفط، فعلى سبيل المثال أدّت العقوبات المفروضة على إيران إلى خفض صادراتها النفطية من أكثر من مليوني برميل يوميًا في عام 2011 إلى أقل من مليون برميل يوميًا في عام 2014 وهو ما شكّل عامل ضغط أسهم في دفع طهران إلى القبول بالاتفاق النووي المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة” عام 2015، والذي تضمّن تخفيفًا للعقوبات المرتبطة بقطاع النفط. كما وظّف ترامب العقوبات بفعالية خلال ولايته الأولى، ففي عام 2018 انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني وأعادت فرض العقوبات ما أدى لاحقًا إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية بنسبة تقارب 75%، كذلك أسفرت حملة “الضغط الأقصى” ضد فنزويلا- التي كانت تعاني أصلًا من تدهور الإنتاج نتيجة الفساد وسوء الإدارة- عن انخفاض صادراتها النفطية من 1.6 مليون برميل يوميًا في عام 2017 إلى أقل من 500 ألف برميل يوميًا في عام 2020. ومع ذلك شهدت صادرات النفط الإيرانية تعافيًا تدريجيًا في ظل إدارة الرئيس جو بايدن رغم عدم عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، وقد يُعزى هذا التعافي جزئيًا إلى نهج أكثر مرونة في تطبيق العقوبات إلا أن التراجع العام في فاعلية أدوات العقوبات الأمريكية يبدو تفسيرًا أكثر ترجيحًا، ففي عام 2025 أصدرت إدارة ترامب أكثر من 600 إجراء عقابي مرتبط بإيران استهدفت سفنًا تنقل النفط الإيراني وشركات تتعامل معه ومع ذلك استقرت صادرات النفط الخام الإيرانية عند نحو 1.5 مليون برميل يوميًا خلال العام ذاته، وهو مستوى يقارب ما كانت عليه في عام 2016 أثناء سريان الاتفاق النووي.
كما أظهرت صادرات النفط الفنزويلية مقاومة مماثلة لضغوط العقوبات قبل فرض الحصار البحري الأمريكي في أواخر العام الماضي، ورغم محدودية البيانات المتاحة حول صادرات فنزويلا في عام 2025 إلا أنها بدت مستقرة أو في حالة ارتفاع مقارنة بعام 2024، حتى مع استبعاد النفط الخام الذي سمحت واشنطن باستيراده إلى المصافي الأمريكية. أما روسيا فقد حافظت صادراتها النفطية على قدر كبير من الاستقرار خلال عام 2025 رغم استمرار العقوبات الأوروبية طوال العام، وفرض الولايات المتحدة في تشرين الأول عقوبات على أكبر شركتين نفطيتين روسيتين (روسنفت ولوك أويل)، وفي هذا السياق ساهم تزايد إحباط أوكرانيا من محدودية تأثير العقوبات الغربية على قطاع الطاقة الروسي في تصعيد هجماتها العسكرية ضد البنية التحتية للطاقة في روسيا، بدءًا من خريف العام الماضي واستمرارًا حتى العام الجاري.
صوت عالٍ بلا أثر فعلي
تراجعت فاعلية العقوبات إلى حدّ كبير نتيجة بروز شبكة اقتصادية عالمية بديلة، فقد استمدّت العقوبات الأمريكية تقليديًا قوتها من إتاحة خيار واضح أمام الشركات حول العالم إما التعامل مع واشنطن أو مع خصومها لكن ليس مع كليهما، ولم تكن الولايات المتحدة تلجأ إلى إجبار الشركات في أوروبا أو “الشرق الأوسط” ماديًا على وقف شراء النفط الإيراني على سبيل المثال إلا أن أي شركة تقدم على ذلك كانت تُعرّض نفسها لخطر الاستبعاد من السوق الأمريكية، بما يعني فقدان الوصول إلى الدولار الأمريكي والتكنولوجيا الأمريكية وأنظمة التأمين الغربية فضلًا عن صعوبة إجراء المدفوعات المرتبطة بالبنوك الأمريكية.
بالنسبة لمعظم الشركات كان الخيار واضحًا إذ فضّلت الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى الاقتصاد الأمريكي على تحقيق أرباح محدودة في أسواق أصغر مثل السوق الإيرانية، غير أن عددًا متزايدًا من الشركات اليوم بات يتخذ خيارًا مختلفًا مستعدًا لتحمّل مخاطر الانفصال عن السوق الأمريكية في ظل توفر فرص ربحية مجزية في أسواق أخرى، وإلى جانب ذلك ومع تشديد الولايات المتحدة للعقوبات على دول كبرى مثل روسيا بدأت هذه الدول في بناء شبكات اقتصادية مستقلة تمامًا عن النظام المالي الأمريكي.
وتُعد صادرات روسيا من الطاقة مثالًا واضحًا على ذلك ففي أواخر عام 2022 وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها في مجموعة السبع إلى الحد من قدرة موسكو على تحقيق أرباح من النفط عبر فرض ما يُعرف بـ”سقف السعر”، وبموجب هذا الإجراء لم يعد بإمكان روسيا استخدام السفن أو الخدمات المصرفية أو التأمين الغربية لنقل نفطها الخام إلا إذا تم بيعه بخصومات كبيرة وكان الهدف تقليص إيرادات النفط الروسية مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقرار الإمدادات في الأسواق العالمية، وقد ردّت روسيا على ذلك باستثمار يُقدّر بنحو 10 مليارات دولار لشراء ناقلات نفط جديدة بما يمكّنها من نقل النفط بنفسها دون الاعتماد على خدمات أو سفن قد تتعرض للعقوبات أو الحظر. كما استخدمت موسكو هذه الأسطول الجديد لتصدير النفط إلى مشترين في الهند والصين ممن لا تربطهم علاقات تجارية واسعة مع الولايات المتحدة، وبالتالي كانوا أكثر استعدادًا لتحمّل مخاطر العقوبات الأمريكية، واليوم تحقق ما يُعرف بـ”الأسطول الظلّي” العالمي – الذي يضم أكثر من ألف سفينة خاضعة للعقوبات الأمريكية والأوروبية- نشاطًا تجاريًا واسعًا.

ويزدهر هذا الاقتصاد المقاوم للعقوبات إلى حد كبير بفضل الصين ففي عام 2025 اشترت الصين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية وكانت أكبر مستورد للنفط الخام من روسيا وفنزويلا، ومع ذلك تميل العديد من الشركات الصينية الكبرى- لا سيما المصارف وشركات النفط الدولية- إلى الامتثال للعقوبات الأمريكية نظرًا لأهمية الحفاظ على قدرتها على العمل بالدولار والتعامل مع الأسواق الغربية، فعلى سبيل المثال بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كاري لام الرئيسة التنفيذية السابقة لهونغ كونغ في آب 2020 اضطرت إلى دفع نفقاتها الشخصية نقدًا بعدما امتنعت البنوك ذات الارتباط الدولي عن فتح حسابات لها، وبالمثل وبعد أن فرضت واشنطن في خريف العام الماضي عقوبات على شركتي النفط الروسيتين روسنفت ولوك أويل أوقفت شركات النفط الصينية الحكومية الكبرى شراء النفط منهما.
ومع ذلك لا تخشى العديد من الشركات الصينية الأخرى العقوبات الأمريكية فعلى سبيل المثال تُعد شركة كونلون وهي بنك صيني صغير من الكيانات التي استهدفتها الولايات المتحدة بعقوبات عام 2012 بسبب تعاملاتها مع بنوك إيرانية لكنها لا تزال تواصل نشاطها، وتشير السجلات المؤسسية إلى أنها تمكنت من الاستمرار بل وتحقيق نمو رغم تلك العقوبات، وفي العام الماضي أيضًا فرضت واشنطن عقوبات على عدد من المصافي الصينية الصغيرة المعروفة باسم “مصافي إبريق الشاي” من بينها شركة شاندونغ شينغشينغ للكيماويات بسبب شرائها النفط الإيراني إلا أن هذه الشركة لا تزال تعمل وقد أعلنت في كانون الثاني عن تقدم مستمر في إنشاء منشأة جديدة عبر موقعها الإلكتروني.
بصورة عامة لا تزال واشنطن تمتلك نفوذًا اقتصاديًا مهمًا تجاه بكين إذ يمكن للولايات المتحدة أن تُلحق أضرارًا كبيرة عبر فرض عقوبات على المصارف الصينية الكبرى بغض النظر عما إذا كانت تلك المصارف منخرطة بشكل مباشر في تجارة الطاقة أم لا، غير أن الإقدام على مثل هذه الخطوة من شأنه أن يُقوّض على الأرجح حالة التهدئة الاقتصادية الهشة التي سعت إدارة ترامب إلى ترسيخها منذ إعلان هدنة أولية في الحرب التجارية في أيار الماضي وتوقيع اتفاق اقتصادي وتجاري لمدة عام في تشرين الثاني، علاوة على ذلك تمتلك الصين بدورها أدوات للضغط الاقتصادي كما فعلت في نيسان الماضي حين قيّدت صادراتها من العناصر الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، ومن ثم من غير المرجّح أن تُجازف إدارة ترامب بإضعاف هذه العلاقة أو تقويض أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع عبر فرض عقوبات صارمة على مشتريات الصين من النفط القادم من خصوم الولايات المتحدة.
المصادرة أم عدمها
إن لجوء الرئيس دونالد ترامب إلى استخدام القوة البحرية لاعتراض ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات يُحدث تحولًا جوهريًا في هذا التوازن ويعيد إكساب العقوبات الأمريكية جانبها الردعي، فإيران وروسيا وفنزويلا لا تستطيع تصدير نفطها إلى الصين ما لم تتمكن ناقلاتها من الوصول إلى وجهاتها، غير أن توظيف الوسائل العسكرية لتحقيق أهداف اقتصادية يثير إشكاليات قانونية وسياساتية معقدة يتعين على الولايات المتحدة التعامل معها.
تقليديًا قامت العقوبات الأمريكية على مبدأ “التجميد” حيث تُجمَّد الأصول الخاضعة للعقوبات دون نقل ملكيتها إلى الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال يتم إيقاف أي معاملة مالية تمر عبر بنك أمريكي إذا كانت مرتبطة بجهة خاضعة للعقوبات دون أن تستحوذ الحكومة الأمريكية على تلك الأموال فعليًا، أما في حالة مصادرة السفن فإن الأمر يختلف إذ تنتقل ملكية الأصل إلى الدولة وهو ما يطرح تحديات قانونية أكثر تعقيدًا.

حتى الآن يبدو أن إدارة ترامب تعتمد على أطر قانونية تتيح مصادرة- وليس مجرد تجميد- الأموال والموارد المرتبطة بكيانات أجنبية مصنفة كمنظمات إرهابية، وقد صنّف ترامب “الحرس الثوري الإيراني” كمنظمة إرهابية في عام 2019 ويستند حاليًا إلى هذا التصنيف كأساس قانوني لعمليات المصادرة، وتشير تقارير إلى أن الإدارة نجحت في إقناع قضاة أمريكيين بوجود صلات بين بعض السفن المصادَرة وإيران. وفي حال كسبت الإدارة هذه القضايا أمام المحاكم فمن المرجح أن تتجه إلى بيع الناقلات والنفط المصادَر، إلا أنه في حال رغبت واشنطن في استهداف سفن إضافية لا تربطها صلات واضحة بإيران أو بجهات مصنفة إرهــ ــابية، فسيتعين عليها تطوير سند قانوني بديل- سواء بموجب القانون الداخلي أو القانون الدولي أو قوانين النزاعات المسلحة- لتبرير الاستحواذ عليها.
وفي السياق ذاته يتعين على الولايات المتحدة أخذ ردود الفعل الدولية المحتملة بعين الاعتبار فالتوسع في تبنّي نهج الحرب الاقتصادية الهجينة قد يدفع دولًا أخرى إلى اتخاذ إجراءات انتقامية، فقد أدان مسؤولون روس عمليات مصادرة الناقلات واعتبروها “قرصنة” كما قامت روسيا بنشر وحدات من قواتها البحرية لمرافقة بعض السفن التجارية، ومؤخرًا رافقت البحرية الروسية ناقلة نفط عبر قناة المانش في خطوة عكست مستوى مرتفعًا من التوتر واحتمالات سوء التقدير أو التصعيد العسكري، وقد تلجأ دول أخرى بدورها إلى فرض عقوبات مضادة أو حتى مصادرة سفن تحمل شحنات أمريكية، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تكن تُولي هذا الاحتمال اهتمامًا كبيرًا خلال العقدين الماضيين نظرًا لمحدودية تأثيره العملي فإن تغيّر هذا الواقع مع احتمال استهداف سفن أمريكية بالمثل من شأنه أن يرفع مستوى المخاطر على المصالح الأمريكية بشكل ملحوظ.
الحدود.. إلى السماء؟
تُضيف الحرب السيبرانية بُعدًا إضافيًا من التعقيد إلى الاستراتيجية الأمريكية، فمنذ تسعينيات القرن الماضي امتنعت الولايات المتحدة إلى حد كبير عن تبنّي أدوات الحرب الاقتصادية الهجينة واعتبرتها غير مشروعة وكانت تدين – على سبيل المثال- عمليات الاستيلاء الإيرانية المتكررة على السفن في الخليج، وقد استند هذا التفضيل للأدوات الاقتصادية بدلًا من القوة العسكرية إلى اعتبارات أيديولوجية وعملية في آن واحد إذ إن تعرض الشركات الأمريكية عالميًا للاستهداف كان من شأنه أن يضعف قدرتها على العمل والدفاع.
ومع بداية العقد الثاني من الألفية برزت الحاجة إلى التعامل مع الفضاء السيبراني بوصفه ساحة صراع جديدة، ففي عام 2014 قامت كوريا الشمالية باختراق شركة “سوني بيكتشرز” بعد إنتاجها فيلمًا اعتبره زعيم البلاد مسيئًا، وقد أدانت إدارة الرئيس باراك أوباما هذا الهجوم وفرضت عقوبات ردًا عليه، كما سعت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين إلى دعم وضع معايير دولية تُجرّم الهجمات السيبرانية ضد الأهداف التجارية والبنى التحتية الحيوية.
غير أن واشنطن مع توجهها المتزايد نحو تبنّي الحرب الاقتصادية الهجينة تبدو أكثر استعدادًا أيضًا للانخراط في الحرب السيبرانية، فقد فُرضت عقوبات على مئات من جماعات الجرائم السيبرانية كما طُرحت في الكونغرس مقترحات لإصدار “خطابات تفويض ورد” تتيح لمخترقين أمريكيين استعادة العملات المشفّرة المسروقة من قبل مجرمين أجانب، ومع ذلك لا تزال هناك تساؤلات قائمة لا سيما فيما يتعلق بمدى مشروعية استخدام أدوات سيبرانية لاسترداد أصول خاضعة للعقوبات وموجودة خارج الأراضي الأمريكية.
وسيكون من الأسهل الإجابة عن مسألة متى وكيف ستلجأ الولايات المتحدة إلى الوسائل العسكرية أو السيبرانية لدعم نظام عقوباتها إذا ما امتلكت إطارًا استراتيجيًا واضحًا في مجال “الدبلوماسية الاقتصادية القسرية” أي مجموعة من المبادئ التي تنظّم استخدام العقوبات وغيرها من أدوات الضغط الاقتصادي، ومن شأن هذا الإطار أن يُدمج مبادئ تتعلق باستخدام القوة بشكل منضبط بما يحدّ من مخاطر الانزلاق إلى حالة من التنافس الفوضوي على المستوى الدولي، أما في الوقت الراهن فمن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة توسعًا في استخدام الولايات المتحدة لأدوات الحرب الاقتصادية الهجينة دون وجود تصور واضح أو متكامل لمسارها المستقبلي.
* Peter E. Harrell, America’s New Way of Economic War the Dangers of a Strategy with No Doctrine, Foreign Affairs, March 27, 2026.



