الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

إلى أي مدى يمكن لإيران تنفيذ هجوم بطائرات مسيّرة داخل الأراضي الأمريكية؟

يحذّر خبراء من أن لا دولة بمنأى عن تهديدات الحرب باستخدام الطائرات المسيّرة *

بقلم: جون هالتيوانغر

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

عندما نُشر في وقت سابق من هذا الشهر تقريرٌ يفيد بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أبلغ أقسام الشرطة في ولاية كاليفورنيا باحتمال شنّ إيران هجماتٍ باستخدام طائرات مسيّرة من سفينةٍ قبالة الساحل الغربي للولايات المتحدة، أثار ذلك بطبيعة الحال قلقًا واسعًا بين السكان. غير أن التحذير الصادر عن الـFBI والذي تم إرساله في أواخر شهر شباط استند إلى معلومات غير مؤكدة، وسرعان ما خفّف البيت الأبيض من أهمية هذه المزاعم مؤكّدًا عدم وجود تهديد وشيك من طائرات مسيّرة إيرانية يستهدف الأراضي الأمريكية، وفي 11 اذار صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين بأن هذا المخطط المحتمل قيد التحقيق لكنه أشار في الوقت ذاته إلى عدم شعوره بالقلق من إمكانية تنفيذ إيران لهجوم إرهابي داخل الولايات المتحدة، وفي اليوم نفسه قال حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم إن قضايا الطائرات المسيّرة كانت دائمًا ضمن أولويات الاهتمام لكنه لم يكن على علم بوجود أي “تهديدات وشيكة” تستهدف الولاية.

وفي تطورات لاحقة تم رصد طائرات مسيّرة مجهولة تحلق فوق القاعدة العسكرية التي يقيم فيها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث وقد أفادت تقارير بأن مسؤولين يدرسون إمكانية نقل إقامتهما في ظل مخاوف من احتمال وقوع هجمات انتقامية إيرانية، وعلى الرغم من عدم وجود أدلة استخباراتية مؤكدة تشير إلى هجوم وشيك بطائرات مسيّرة إيرانية على الأراضي الأمريكية يحذّر خبراء من ضرورة أن تبقى واشنطن في حالة استعداد لمثل هذه السيناريوهات، كما يشيرون إلى أنه حتى في حال عدم اتخاذ إيران قرارًا بتنفيذ هجوم مباشر فإن وكلاءها أو عناصر منفردة قد يلجؤون إلى استخدام الطائرات المسيّرة في تنفيذ عمليات هجومية. وفي هذا السياق قال كولين كلارك الخبير في شؤون الأمن الدولي والمدير التنفيذي لمركز سوفان إن على الولايات المتحدة أن تأخذ جميع الاحتمالات بعين الاعتبار، وأضاف “كما أن اصطدام الطائرات بالمباني كان يومًا ما مجرد فكرة خيالية إلا أنه أصبح واقعًا في 11 ايلول 2001″، وأشار إلى أن تقرير لجنة 11 ايلول وصف الفشل في منع تلك الهجمات بأنه “فشل في الخيال” مؤكدًا أن الأمر ذاته ينطبق على التهديدات الجديدة التي قد تمثلها الأنظمة الجوية غير المأهولة ضد الأراضي الأمريكية.

 

 

من جانبه أوضح جيمس باتون روجرز المتخصص في شؤون الطائرات المسيّرة في جامعة كورنيل أنه ظلّ لسنوات قلقًا من إمكانية استخدام الطائرات المسيّرة في شنّ هجوم مفاجئ ضد الولايات المتحدة، وبيّن أن “القوة الجوهرية للطائرات المسيّرة تكمن في قدرتها على التخفي وإمكانية تشغيلها عن بُعد أو بشكل ذاتي، فضلًا عن قدرتها على العمل عبر مسافات طويلة”، مشيرًا إلى أن بعض الأنظمة الصغيرة يمكن إخفاؤها داخل حاويات شحن وإطلاقها من عرض البحر مع قدرة على قطع مسافات تصل إلى نحو 1200 ميل.

ورغم امتلاك الولايات المتحدة أسرابًا من وحدات الاعتراض وعددًا كبيرًا من الأصول البحرية على الساحل الغربي حيث طُرحت هذه التهديدات غير المؤكدة فإن روجرز شدّد على أن “جميع الدول لديها نقاط ضعف”، وأضاف “إذا كنا نتحدث عن الدفاع ضد بعض الطائرات الرباعية الصغيرة التي قد تظهر فوق قاعدة عسكرية أو طائرات هجومية أحادية الاتجاه مثل (شاهد-13) فإن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل القدرات اللازمة للتصدي لها كما أثبتت ذلك مرارًا في الصراع الحالي مع إيران، لكن ما يظل غير مؤكد هو ما إذا كانت تمتلك قدرات كافية مضادة للطائرات المسيّرة وعمقًا كافيًا في مخزون الذخائر للاستمرار في الدفاع ضد مثل هذه التهديدات على المدى الطويل”. وأفادت كيت بوندار المستشارة السابقة في الحكومة الأوكرانية والزميلة الحالية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، بأنها عندما اطلعت لأول مرة على الأنباء المتعلقة باحتمال استخدام طائرات مسيّرة إيرانية في ولاية كاليفورنيا بدت لها الفكرة “مستبعدة إلى حدٍّ ما”، غير أنها أكدت في الوقت ذاته أنه “ضمن السياق الأشمل لهذا التهديد، فإن على الولايات المتحدة أن تأخذه بعين الاعتبار بجدية”. وأضافت بوندار “لقد تابعنا على مدار السنوات الأربع الماضية ما يجري في أوكرانيا وأحد أبرز التحديات التي يفرضها هذا النمط الجديد من الحروب- وخاصة الطائرات المسيّرة وسائر الأنظمة غير المأهولة في مختلف المجالات- هو أنها متاحة على نطاق واسع، منخفضة التكلفة، وسهلة الإنتاج، بما يتيح عمليًا لأي جهة القدرة على تصنيعها واستخدامها”.

وتُعد طائرة (شاهد) 136 من أبرز مكونات الترسانة الإيرانية في هذا المجال وهي طائرة مسيّرة بعيدة المدى منخفضة الكلفة وذات فعالية قتالية عالية تُعرف أحيانًا بوصف (صاروخ كروز الفقير)، وتعتمد إيران على هذه الطائرات في تنفيذ هجمات انتحارية أحادية الاتجاه بأعداد كبيرة بهدف إرباك أنظمة الدفاع الجوي لدى الخصم حيث يمكن لاختراق واحد ناجح أن يُحدث أضرارًا كبيرة وخسائر بشرية جسيمة، ويبلغ مدى هذه الطائرة نحو 1200 ميل وتصل سرعتها إلى ما يقارب 115 ميلًا في الساعة مع قدرة على حمل رأس حربي يزن نحو 110 أرطال، كما تمتاز بسهولة نقلها وإمكانية إطلاقها من منصات غير تقليدية مثل الشاحنات الصغيرة أو السفن. وقد برزت القدرات التدميرية لهذا النوع من الطائرات منذ اندلاع الصراع المرتبط بإيران في 28 شباط إذ أسفر هجوم نفذته طائرة مسيّرة إيرانية أحادية الاتجاه عن مقتل ستة جنود أمريكيين إثر استهداف مركز عمليات تكتيكي في الكويت في اليوم الثاني من الحرب في حادثة تُعد الأكثر دموية بالنسبة للولايات المتحدة حتى الآن، كما أُصيب أكثر من 230 عنصرًا من القوات الأمريكية خلال مجريات هذا الصراع، وأشار رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين في منتصف اذار إلى أن غالبية هذه الإصابات تعود إلى هجمات نفذتها طائرات مسيّرة أحادية الاتجاه.

 

القبة الحديدية

 

ولم تقتصر آثار هذه الطائرات على ذلك إذ تمكنت الطائرات التي أطلقتها إيران وفصائله من اختراق بعض منظومات الدفاع لدى الحلفاء في المنطقة واستهدفت منشآت عسكرية وسفارات أمريكية، كما أصابت سفنًا في مضيق هرمز وهاجمت مواقع مدنية في عدد من دول الخليج، وتُعد هذه التطورات مؤشرًا مهمًا على التحديات التي قد تواجه منظومات الدفاع عن الأراضي الوطنية. وفي هذا السياق أشار روجرز إلى أن حتى أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة مثل نظام «القبة الحديدية» في “إسرائيل”**، واجهت صعوبات في التصدي لبعض الطائرات المسيّرة الإيرانية مضيفًا أن ذلك يعكس حقيقة أن جميع الدول مهما بلغت قدراتها التقنية، تظل عرضة لنقاط ضعف. وعلى الرغم من أن مدى طائرات شاهد 136 لا يتيح لها الوصول مباشرة من داخل إيران إلى الأراضي الأمريكية فإن إمكانية إطلاقها من منصات بحرية قد تتجاوز هذا القيد من الناحية النظرية، وفي هذا الإطار أوضح كولين كلارك أن “إيران بحكم طبيعة استراتيجيتها تميل إلى تبني نهج غير متكافئ في مواجهة الولايات المتحدة، ولذلك ورغم أن تنفيذ مثل هذا السيناريو يُعد بالغ التعقيد فإنه يظل واردًا من الناحية النظرية ولا يمكن استبعاده كليًا”.

على الرغم من أن طائرات شاهد أثبتت فعاليتها كأحد أبرز أسلحة الترسانة الإيرانية، فإن خبراء يميلون إلى الاعتقاد بأن الاحتمال الأكبر في حال وقوع هجوم على الأراضي الأمريكية يتمثل في استخدام طائرات مسيّرة متاحة تجاريًا، دون أن يتطلب ذلك بالضرورة تورطًا مباشرًا من إيران. وفي هذا السياق أوضح كولين كلارك أن السيناريو الأكثر ترجيحًا لوقوع هجوم إرهـ ـــابي داخل الولايات المتحدة يتمثل في عملية قد توجهها إيران أو تُستوحى منها باستخدام طائرة مسيّرة تجارية جاهزة داخل بيئة حضرية أو ضد هدف هشّ، إذ تتطلب مثل هذه العمليات موارد محدودة للغاية، كما أن المهارات اللازمة لتنفيذها ليست معقدة. وبالمثل أكدت كيت بوندار أن الطائرات المسيّرة ذات الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV) يمكن شراؤها بسهولة عبر منصات مثل امزون، ثم تعديلها لحمل متفجرات، وأضافت “يمكن لأي شخص تقريبًا القيام بذلك وهذه التهديدات لا تحظى بالتقدير الكافي”.

ومع ذلك لم تشهد الولايات المتحدة منذ اندلاع الحرب في 28 شباط أي هجمات أو محاولات هجوم منسوبة بشكل مباشر إلى إيران، ويرى خبراء أن استهداف الأراضي الأمريكية لا يمثل حاليًا أولوية قصوى بالنسبة لطهران خاصة في ظل نجاحها في فرض ضغط على مضيق هرمز، وهو ما أسهم في ارتفاع أسعار النفط عالميًا وأوجد ضغوطًا سياسية واقتصادية على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وفي هذا الإطار أوضح أليكس بليتساس المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية وزميل بارز في المجلس الأطلسي أن إيران ترى نفسها حاليًا في موقع استراتيجي متقدم، مستفيدة من قدرتها على التأثير في الممرات البحرية الحيوية التي يمر عبرها نحو 20% من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالميًا، وأضاف أن طهران تسعى إلى ممارسة ضغوط على الرئيس ترامب لدفعه إلى وقف العمليات العسكرية انطلاقًا من اعتقادها بأن التداعيات السياسية والاقتصادية للحرب قد تؤثر على الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني.

كما تمتلك إيران خيارات بديلة يمكن أن تلجأ إليها قبل تصعيد المواجهة إلى مستوى استهداف الأراضي الأمريكية بحسب بليتساس، ومن بينها دعم جماعة أنصار الله الحوثـ ـــي في اليمن لمحاولة تعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب وهو ممر استراتيجي آخر على الجانب المقابل من شبه الجزيرة العربية، إن أنشطتهم السابقة في تهديد الملاحة في البحر الأحمر تجعلهم محل مراقبة دقيقة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. وأكد بليتساس أن إيران تُعد “فاعلًا عقلانيًا” لكنها قد تلجأ إلى أدوات إضافية من التهديدات غير المتكافئة إذا شعرت بأنها محاصرة في مراحل لاحقة من الصراع، ومع ذلك فإن الطائرات المسيّرة قد لا تكون الخيار الأول ضمن أدواتها إذ قد تسعى طهران إلى تنفيذ عمليات “أكثر تأثيرًا ولفتًا للانتباه” مثل عمليات الاغتيال، بحسب تقديره.

وعلى مدى السنوات الماضية قامت إيران بشكل سري بإرسال عناصر استخباراتية إلى داخل الولايات المتحدة بهدف استطلاع الأهداف المحتملة لعمليات مستقبلية، كما حاولت تجنيد أفراد لتنفيذ مخططات اغتيال مقابل أجر من بينها مخطط مزعوم استهدف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي هذا السياق أُثيرت تساؤلات حول إمكانية تفعيل ما يُعرف بـ”الخلايا النائمة” داخل الولايات المتحدة وهي مسألة قال ترامب إن الحكومة تتابعها عن كثب. كما أشار بليتساس إلى احتمال وقوع حوادث فردية ينفذها أشخاص يتصرفون بشكل مستقل استجابةً للصراع مع إيران، ففي 1 اذار أقدم رجل يرتدي سترة تحمل عبارة (المُلك لله)-  «Property of Allah»إلى جانب قميص داخلي يُعتقد أنه يحمل تصميمًا لعلم إيراني- على تنفيذ عملية إطلاق نار جماعي في حانة بمدينة أوستن في ولاية تكساس، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص (بمن فيهم منفذ الهجوم) وإصابة أكثر من عشرة آخرين، وتخضع هذه الحادثة للتحقيق باعتبارها عملًا  عدائيا محتملًا وقد أثارت مخاوف بشأن تداعيات الصراع الإيراني على الداخل الأمريكي. حتى الآن يرى كولين كلارك أن إيران “تصعد بشكل مدروس ومتدرج على سلم التصعيد”، ويشير إلى أن بعض المتشددين داخل الحرس الثوري الإيراني قد يعتبرون أن “استهداف الأراضي الأمريكية يمثل خيارًا أخيرًا لكنهم قد يكونون مستعدين لتفعيله إذا شعروا بضرورة ذلك”، مضيفًا أن “أي عملية برية أمريكية محتملة قد تشكل نقطة تحول تدفع إيران إلى هذا المستوى من التصعيد”.

وفي ظل هذا المشهد المعقد يصعب التنبؤ بمآلات التصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران، فقد صرّح ترامب بأن مفاوضات لوقف القتال قد بدأت بين واشنطن وطهران وهو ما نفته الأخيرة، وفي المقابل تعمل الولايات المتحدة على تعزيز وجودها العسكري في المنطقة بما في ذلك إرسال آلاف من عناصر مشاة البحرية (المارينز)، ما يثير تكهنات بشأن احتمال نشر قوات برية داخل إيران للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.

 

* By John Haltiwanger, Could Iran Actually Attack the U.S. Homeland with Drones? No country is immune to the threat of drone warfare, experts warn, Foreign Policy, March 25, 2026.
**   لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى