الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
حرب إيران تدفع أوروبا نحو العودة إلى الطاقة النووية
في ظل أزمة طاقة متجددة تتجه القارة الأوروبية نحو خيار كانت قد تخلّت عنه إلى حدٍّ كبير *

بقلم: أنشال فوهرا
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
مع شنّ إيران هجماتٍ على دول الخليج الغنية بالطاقة ردًا على الضربات الصاروخية التي نفذتها الولايات المتحدة و”إسرائيل”*، وفرضها حصارًا على مضيق هرمز- وهو الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية- ارتفعت أسعار النفط لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل ما أدى إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، وكان من أبرز المتضررين من هذه الاضطرابات القارة الأوروبية.
فأوروبا كانت أصلًا تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الكهرباء مقارنة بمنافسيها الرئيسيين مثل الصين والولايات المتحدة وهو ما انعكس سلبًا على قدرتها التنافسية الصناعية، كما أعادت هذه الأزمة إلى الواجهة هشاشة منظومتها الطاقوية التي تكشفت بوضوح خلال أزمة عام 2022 عندما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تقليص الاعتماد الأوروبي على واردات الوقود الأحفوري الروسي منخفض التكلفة بشكل مفاجئ، وفي هذا السياق اكتسبت مساعي تحقيق الاستقلال الطاقوي زخمًا متجددًا داخل القارة حيث عاد صانعو السياسات إلى طرح الطاقة النووية باعتبارها عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه في مزيج الطاقة الأوروبي.
غير أن هذا التوجه يواجه تساؤلات جوهرية تتعلق بمدى قدرة الحكومات على معالجة المخاوف المجتمعية المرتبطة بالسلامة النووية وإدارة النفايات المشعة، إذ تراكمت المعارضة للطاقة النووية في أوروبا على مدى عقود لا سيما بعد كارثتي تشيرنوبيل عام 1986 في أوكرانيا وفوكوشيما عام 2011 في اليابان، كما يظل من المشروع التساؤل حول قدرة الطاقة النووية فعلًا على تحقيق هدف “السيادة الطاقوية”.
وخلال قمة الطاقة النووية في باريس صرّحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن التخلي عن الطاقة النووية كان “خطأً استراتيجيًا” مشيرةً إلى أنها كانت تُشكل نحو ثلث احتياجات أوروبا من الكهرباء في عام 1990 قبل أن تتراجع اليوم إلى ما يقارب 15%، وأضافت أن أوروبا تعتمد بشكل كامل على واردات باهظة ومتقلبة من الوقود الأحفوري الأمر الذي يضعها في موقع ضعف بنيوي مقارنة بمناطق أخرى مؤكدةً أن الأزمة الحالية في “الشرق الأوسط” تُبرز بوضوح حجم الهشاشة الناتجة عن هذا الاعتماد، وأوضحت فون دير لاين أن أوروبا تدفع حاليًا أسعارًا أعلى بنسبة 50% للغاز و27% للنفط وهو ما كبّد دافعي الضرائب الأوروبيين نحو 3.5 مليارات دولار خلال الأيام العشرة الأولى فقط من الحرب واصفةً ذلك بأنه “ثمن التبعية”.

ويرى خبراء أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب ضد إيران تمثل فرصة مواتية لأنصار الطاقة النووية لإعادة طرح هذا الخيار بوصفه أحد أعمدة منظومة الطاقة المستقبلية، ويبرز الدور الفرنسي في هذا السياق بشكل خاص حيث استضافت باريس قمة ثانية حول الاستخدام المدني للطاقة النووية بعد توسيع مظلتها النووية لتشمل حلفاءها الأوروبيين، وتُعد فرنسا موطنًا لأكثر من نصف المفاعلات النووية في الاتحاد الأوروبي كما تُعتبر مصدرًا رئيسيًا لتصدير الكهرباء إلى دول مثل ألمانيا وقد بدأت أيضًا بإشراك رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين- إحدى أبرز الداعمين للصفقة الخضراء الأوروبية- في الترويج للطاقة النووية.
وفي هذا الإطار أشار تيفا ماير الباحث المشارك في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية إلى أن التوقيت الحالي يمثل فرصة ملائمة لتعزيز الخطاب الداعم للطاقة النووية، غير أن غياب التخطيط المتكامل أو تبني سياسات جزئية قد يؤدي على النقيض إلى زيادة الاعتماد على روسيا التي تهيمن على معظم مراحل سلسلة الإمداد النووي، وبالتالي فإن عدم استعداد الاتحاد الأوروبي لاستثمارات واسعة في البنية التحتية النووية- بما يشمل تأمين الوقود وعمليات التحويل والتخصيب- قد يحد من قدرته على تحقيق استقلال فعلي، بل ويكرّس تبعيته لمصادر خارجية. وفي عام 2024 شكّل الاتحاد الأوروبي تحالفًا صناعيًا لدعم تطوير المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs) وتعهد بتخصيص نحو 5 مليارات يورو (ما يعادل حوالي 5.8 مليارات دولار) لتمويل الأبحاث النووية في محاولة لتحويل هذه التقنية إلى منتج أوروبي عالي القيمة وقابل للتصدير، غير أن هذه المفاعلات لا تزال وفقًا لماير في مراحلها النظرية الأولية إذ تتطلب وقتًا طويلًا واستثمارات ضخمة قبل أن تتحول إلى وحدات تشغيلية آمنة وفعالة، وتتمثل استخداماتها المحتملة في التصدير إلى الدول التي لا تمتلك شبكات كهرباء قادرة على استيعاب إنتاج المفاعلات الكبيرة، إضافة إلى تزويد الصناعات الثقيلة محليًا- مثل صناعة الصلب- بمصادر طاقة تقلل من تكاليف التشغيل.
ومع ذلك وحتى في حال نجاح هذا المسار على المدى البعيد، فإن المفاعلات الصغيرة لن تُسهم في تقليل الاعتماد الطاقوي في الأجل القريب، نظرًا لاعتمادها المستمر على تأمين اليورانيوم وعمليات تحويله وتخصيبه.
وتتمتع روسيا بقدرات مهيمنة في هذا المجال إذ تمتلك احتياطيات كبيرة من اليورانيوم وتسيطر على نحو نصف القدرات العالمية لتخصيبه إضافة إلى خُمس منشآت تحويل اليورانيوم عالميًا، وفي عام 2023 استوردت الشركات الأوروبية 23% من اليورانيوم مباشرة من روسيا و21% من كازاخستان حيث تمتلك الشركات الروسية حصصًا مؤثرة كما اعتمدت مرافق الطاقة الأوروبية على روسيا في تحويل 22% من اليورانيوم وتخصيب 38% منه خلال العام ذاته، وحتى في حال إيجاد مصادر بديلة أو مسارات توريد جديدة سيظل الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى استثمارات ضخمة لتطوير بنيته التحتية النووية- لا سيما في مجالات التحويل والتخصيب- بما يتيح له تحقيق استقلال طاقوي حقيقي ومستدام.
علاوةً على ذلك يوجد في دول الاتحاد الأوروبي 19 مفاعلًا من طراز VVER-440 ذات التصميم السوفيتي وهي مفاعلات صُممت للعمل باستخدام وقود نووي روسي ذي شكل سداسي، وتُسهم هذه المفاعلات في توليد أكثر من 60% من إجمالي الكهرباء في سلوفاكيا وما يزيد على 40% في المجر ومن شأن أي اضطراب في إمدادات الوقود النووي أو الخدمات المرتبطة به أن يُحدث خللًا واسعًا في المنظومة الطاقوية الأوروبية، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الاتحاد الأوروبي حتى الآن إلى تجنّب فرض عقوبات على شركة “روساتوم” المؤسسة الحكومية الروسية للطاقة النووية. وفي هذا السياق أشار بين ماكويليامز الباحث المنتسب في مركز “بروغل”، إلى أن الأمر قد يستغرق ما لا يقل عن عشر سنوات قبل أن تتمكن المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة في أوروبا من تحقيق انتشار تجاري واسع والبدء في العمل بكفاءة اقتصادية.
ورغم طول الأمد الاستثماري وارتفاع متطلبات التمويل لا يزال عدد من العلماء متحفظين بشأن ما إذا كانت الطاقة النووية تمثل فعلًا الخيار الأمثل لأوروبا إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة، ووفقًا لتقرير علمي صدر عام 2025 موجّه إلى البرلمان الألماني فإن محطات طاقة الاندماج النووي تُعد غير ملائمة على الأرجح كمكمّل لتقلبات إنتاج الطاقة من الرياح والشمس نظرًا لعدم قدرتها على التكيف السريع مع تغيرات الطلب أو التوقف والتشغيل بصورة مرنة، كما أشار ماكويليامز إلى أنه وعلى الرغم من خطط الاتحاد الأوروبي للاستثمار في المفاعلات المعيارية الصغيرة لا يزال من غير الواضح مدى قدرتها على زيادة الإنتاج أو تقليصه بسرعة بما يتناسب مع تقلبات الشبكة الكهربائية.
وفي المقابل يقترح بعض الباحثين اعتماد مقاربة طويلة الأمد مدعومة بإجراءات قصيرة الأجل تشمل توسيع قاعدة مورّدي اليورانيوم وتقليل الاعتماد التدريجي على روسيا كمصدر رئيسي لليورانيوم الطبيعي فضلًا عن تبني ممارسات مثل “الاستخدام المفرط لليورانيوم”، التي قد تؤدي إلى زيادة النفايات النووية لكنها في المقابل تُسهم في خفض متطلبات التخصيب بنسبة قد تصل إلى 25%، وعلى المدى المتوسط والطويل يدعو هؤلاء إلى توسيع قدرات منشآت تحويل وتخصيب اليورانيوم إلى جانب تطوير تقنيات وقود متقدمة لأجيال المفاعلات القادمة.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب توجيهًا سياسيًا واضحًا فضلًا عن تخصيص استثمارات عامة ضخمة لمشاريع الطاقة النووية، ويرى بعض المراقبين أنه رغم إقدام ألمانيا على إغلاق آخر محطاتها النووية في عام 2023 فإنها قد تكون تدعم بشكل غير مباشر عودة الطاقة النووية إلى الواجهة في بقية دول أوروبا، إن لم يكن على أراضيها.
وفي هذا الإطار أشارت الباحثة أنابييل ليفيه من مؤسسة البحوث الاستراتيجية إلى تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي وصف التخلي عن الطاقة النووية بأنه “خطأ استراتيجي جسيم”، وهو نفس التعبير الذي استخدمته لاحقًا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قبل نحو شهر، وترى ليفيه أنه رغم عدم تأكدها من وجود توجيه مباشر من ميرتس إلى فون دير لاين لدفع أجندة داعمة للطاقة النووية فإن ألمانيا- بصفتها مستوردًا للكهرباء من فرنسا التي تُعد أكبر منتج للطاقة النووية في أوروبا ومصدرًا صافيًا للكهرباء إلى دول أخرى- قد تكون منحت موافقة ضمنية على إعادة إحياء الدور النووي داخل الاتحاد الأوروبي. وأضافت ليفيه أن المعارضة للطاقة النووية لا تزال قوية داخل ألمانيا، لا سيما فيما يتعلق بإنشاء محطات جديدة وهو ما يحدّ من قدرة المسؤولين الألمان على تبني موقف علني داعم لهذا التوجه، وبما أن هذا الملف يتجاوز الحدود الوطنية فإنه يُطرح داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يفسر بحسب تعبيرها هذا “التوجه غير المباشر” في إدارة النقاش.

وفي سياق موازٍ تسعى شركة فرنسية تُدعى “فراماتوم” إلى إنتاج الوقود النووي السداسي المستخدم في مفاعلات VVER-440 داخل ألمانيا، وذلك بموجب ترخيص من الشركة الروسية “تفل (TVEL)” بهدف ضمان استمرارية إمدادات الوقود للمفاعلات الأوروبية، وبالنظر إلى أن شركة “ويستينغهاوس” الأمريكية تقوم بالفعل بإنتاج وقود بتصميم روسي في السويد لتلبية احتياجات دول أوروبا الشرقية، فإن الطرح الفرنسي يرى أن الاعتماد على شركة أوروبية مثل “فراماتوم” يُعد خيارًا أكثر أمانًا واستقرارًا للقارة الأوروبية.
وفي هذا الإطار يرى ماكويليامز أن “الغزو الروسي وما تلاه من تطورات في إيران، يمنح دفعة إضافية للطاقة النووية ويُبرز مزاياها” إلا أنه شدد على ضرورة أن يعالج الاتحاد الأوروبي الثغرات القائمة في سلسلة الإمداد النووي، على نحو مماثل لما فعله في قطاع الغاز.
غير أن الخطوة الأولى وفقًا له تتمثل في صياغة رسالة سياسية واضحة ومتماسكة قادرة على جذب الاستثمارات الخاصة طويلة الأجل، فالمشاريع الرأسمالية الكبرى تحتاج إلى سنوات قبل أن تبدأ في الإنتاج الفعلي ومن ثم فإن المستثمرين بحاجة إلى رؤية مستقبلية واضحة تحدد شكل صناعة الطاقة النووية في أوروبا خلال العقدين القادمين، كما دعا ماكويليامز الاتحاد الأوروبي والحكومات الأوروبية إلى تجنب الرسائل المتناقضة مشيرًا إلى أنه في حال فرض حظر على استيراد اليورانيوم الروسي فإن ذلك سيُسهّل من تبرير الاستثمارات النووية ويمنح القطاع الخاص تصورًا أوضح حول حجم السوق وإمكانيات الوصول إليه.
في المقابل يرى ناشطون بيئيون أن التوسع في الطاقة النووية تحت ذريعة تعزيز أمن الطاقة قد يُستخدم لصرف الانتباه عن مصادر الطاقة المتجددة بدلًا من دعمها، وفي هذا السياق صرّح روجر سباوتس الناشط المناهض للطاقة النووية في منظمة “غرينبيس” بأن “أحد الأسباب الجذرية لحرب إيران هو الملف النووي” مضيفًا أن الحوادث النووية لا يمكن استبعادها وأن الطاقة النووية لا يمكن اعتبارها آمنة بالكامل، كما أشار إلى أن العالم لا يمتلك سوى موقع جيولوجي واحد مخصص للتخلص من النفايات النووية عالية الإشعاع في فنلندا وهو يواجه تحديات مستمرة تتعلق بعدم اليقين بشأن القدرة على احتواء هذه النفايات على المدى الطويل الذي قد يمتد إلى 100,000 عام، مؤكدًا أنه لا توجد حتى الآن حلول نهائية لمعالجة النفايات النووية عالية الإشعاع.
* By Anchal Vohra, The Iran War Is Pushing Europe Back to Nuclear Energy, Foreign Policy, March 25, 2026.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



