الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

مشرقنا العربي والإسلامي بين تأجيج الصراعات ومخاطر الطائفية

بقلم: الباحث نوار العبد الرزاق الحسن الثامر

 

لم تكن الصراعات في مشرقنا العربي والاسلامي يومًا مجرد نزاعات عابرة بين دول او قوى سياسية، بل غالبًا ما ارتبطت بتشابكات عميقة من المصالح الدولية والاقليمية، وبمحاولات مستمرة لإعادة تشكيل موازين القوة في منطقتنا. واليوم وفي خضم الحرب على الجمهورية الاسلامية في إيران من قبل “إسرائيل” وأمريكا وتبيعاتها، ستبرز مسائل خطيرة- حال اي حرب اخرى ومنها ما هو مقصود ومنها ما هو غير مقصود، ومن أخطرها مسألة الطائفية التي يمكن ان تستخدم في ادارة الصراعات او اعادة ترتيب الخريطة الاقليمية.

قبل أكثر من سنة أصدر معهد الآمن القومي “الإسرائيلي” دراسة يوصي بها حكومة الكيان بأن تكون لها اليد الطولا في المنطقة، وان تسيطر على دولها بطرق عدة بالشكل المباشر او غير المباشر او بواسطة التخريب والتمزيق، واوصت ايضًا بإغراق دول المنطقة بالطائفية والعنصرية وتأجيج النزعة الأثنية والقومية، وبالتالي الفوضى التي من خلالها يتم التحكم غير المباشر بمصائر دول المنطقة واخضاع شعوبها.

وفي ظل الحرب الدائرة رحاها الأن وتبيعاتها، شهدت منطقتنا توترات متصاعدة، بين ايران من جهة وبعض الدول العربية ودول الخليج العربي من جهة اخرى، حيث قامت ايران بضرب القواعد الامريكية ومصالحها على اراضي هذه الدول، وهي سابقة خطيرة-والتي هي مرفوضة من حيث الأصل- سيكون لها ما بعدها من اثار جسيمة مترتبة على المنطقة- اذا لم يتم تدارك الامور بعقلانية وحكمة قبل فوات الأوان، وقد رأينا تصعيدًا في الخطاب السياسي والاعلامي والاجتماعي المحمل بالنفس العاطفي الطائفي المستعجل، وخصوصًا في الاوساط الاعلامية حتى طال بعض النخب السياسية والثقافية والاجتماعية وحتى الدينية!.

 

وهذا يعيد طرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن امام مرحلة جديدة من اعادة تشكيل المنطقة عبر تغذية الانقسامات الداخلية والنزاعات البنية والصراعات القديمة، ام ان ما يحدث هو نتيجة طبيعية لصراع النفوذ وبسط السيطرة الاقليمية؟

 

التفكير الاستراتيجي والتنبؤ بالسيناريوهات

تعتمد كثير من الدول في سياساتها وبرامجها وتحركاتها الداخلية والخارجية على مراكز بحوث ومؤسسات استشرافية ودوائر متخصصة بالدراسات والتنبؤ بالمخاطر والكوارث، وتعد هذه المراكز والمؤسسات هي الركيزة الاساسية لقراءة صناع القرار للتحديات الاقليمية وسبل التعامل معها. فمنذ العدوان الاول على إيران في حرب الــ 12 يومًا، وجميع المؤشرات والدلائل، وتحليلات الاستراتيجيين وتنبؤات المراقبين، بل وكثير من المسؤولين الامريكيين و”الإسرائيليين” أعلنوها بطريقة مباشرة او غير مباشرة ان جولة اخرى من الحرب والعدوان لا شك واقعة!

ومن منظور فطري فضلًا عن استراتيجي، فان اي دولة ستسعى لتجنب او على الاقل تقليل التهديدات المحتملة وابعاد الخطر المحيط بها، خصوصًا الدول التي تقع في بؤر توتر دائم، وفي مثل ظروف الحرب تختلف الدول في استراتيجيتها دفاعًا او هجومًا او الاثنين معًا بحسب موقع الدولة من الحدث الواقع او المتنبئ به.

فقبل شن هذه الحرب بأيام او بأسابيع، اتخذت امريكا و”إسرائيل” استراتيجية (هجوم الافناء) واعدت لذلك عدتها. وبالمقابل قد استعدت الجمهورية الاسلامية في إيران وتبنت استراتيجية الدفاع المتقدم بالهجوم، وقد اعلنت عنها، وقالت: ان مصالح العدو في المنطقة وضعت كأهداف يمكن ضربها، وهذا ما صرح به أحد المسؤولين الكبار وقال: “ان صواريخنا لا يمكنها ان تصل الى اراضي الولايات المتحدة، ولكنها تصل الى كل مصالحه في المنطقة”. فضلًا عن هذا وفي استراتيجية الحروب انه (لا خطوط حمراء، ولا سقوف للإفناء)!

هنا كان من المفترض- برأيي- على الدول التي بادرت لتجنب الحرب وألزمت نفسها جانب الحياد- دول الخليج- والتي فيها قواعد ومصالح امريكية واخرى “إسرائيلية”، ان تأمر منذ البداية بإخلاء القواعد وإجلاء المصالح وأصحابها- ولو مؤقتًا- والاعلان عن هذه الاجراءات واخطار إيران بها، لسد الباب لأي ذريعة يمكن ان تتعذر بها إيران للاستهداف. فالذي كان هو رد فعل متأخر او اجراءات غير حقيقية من هذه الدول، فالقواعد لم تُخلى كليًا والمصالح الامريكية الكبرى واصحابها لم يطرأ عليها تغيير يمنع استهدافها، حتى صار الجميع تحت الامر الواقع، فكانت النتيجة استهداف جميع القواعد الامريكية والمصالح الامريكية والاسرائيلية في دول الخليج والمنطقة. فلا القواعد الامريكية ومصالحها المبنية على وجودها صحيحًا من حيث الاصل، ولا الاستهداف الايراني للأراضي العربية صحيحًا ايضًا- بل ومرفوضًا- من حيث الاصل. وهذه(اللات)، انما هي من باب درء واجتثاث اهم منبع من منابع الفتنة وتبعياتها.

 

 

الطائفية كأداة في الصراع الجيوسياسي

تاريخيًا، كان مشرقنا فضاءً متنوعًا دينيًا وثقافيًا، حيث تعايشت اديان وثقافات ومذاهب وفرق مختلفة ضمن مجتمعات واحدة ولقرون طويلة، ولم يتحول هذا التنوع يومًا الى صراع يضر بمجتمعاته وشعوبه ودوله الا بعد ان تدخلت المطامع الخارجية وأُدخِلت الاحقاد الداخلية وعلى كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، وان اشدها فتكًا بمجتمعاتنا وشعوبنا هي الطائفية السياسية، والتي بدورها لا تنشأ من الاختلاف الديني او المذهبي ذاته، بل من توظيف هذا الاختلاف في الصراعات والنزاعات على المصالح وعلى السلطة والنفوذ. وقد عانى مشرقنا ومجتمعاته وعلى مدار عقود طويلة وخصوصًا المجتمع العراقي واللبناني واليمني وحتى دول الخليج من الطائفية السياسية ذات الاثار المدمرة والمهلكة، الى ان وصلنا الى هذه الحرب التي غالبًا ما ستجر المنطقة الى اتون طائفية دينية ومذهبية وقومية وكلها من صنع الاعداء وترويج الاغبياء.

 

التوتر الايراني العربي وإعادة أنتاج الانقسام

شهدت العلاقات بين إيران وعدد من الدول العربية تحولات كبيرة من خلال العقود الماضية، حيث تراوحت بين التنافس السياسي والصراع غير المباشر الى ان وصل بصيغته المباشرة اليوم في ظل الحرب الدائرة. ومع كل تصعيد سياسي او عسكري يعود الخطاب القومي والطائفي الى الواجهة، خصوصًا عندما هاجمت إيران اراضي دول الخليج وبعض الدول العربية الاخرى، وهذا يؤثر مما لا شك فيه على آمن وتجانس واستقرار المنطقة بأسرها.

ان أخطر ما في هذا التصعيد الجاري- والمتوقع ازدياده أكثر إذا لم يتم احتوى الموقف- ليس الصراع السياسي بحد ذاته، بل الامكانية الكبيرة لتحويله الى حالة استقطاب مذهبي طائفي وقومي اوسع بين مجتمعات مشرقنا، وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه امام انقسامات حادة داخل العالم الاسلامي ككل (وهذا ما ترمي اليه وتنشده “اسرائيل”)!

 

مكمن الخطورة

في واقع الحرب الحالية، وغياب الرؤية فيها، واستحالت التنبؤ بما ستؤول اليه الاحداث، فربما تتعقد الامور كثيرا وتحصل احداث هائلة تكون أكثر تعقيدًا واشد مفاجأةً وتشابكًا. ولكن إذا بقي الحال كما هو حاليًا، فيمكن ان اقول، ان الاحتمال الارجح، هو ان تتسع رقعة الحرب لتطال أطراف اختارت الحياد سابقًا، وتجر أطراف اخرى لدخول هذه الحرب، وستتدخل قوى أكبر على خط المواجهة، ومع اتساع الحرب سيشتد النفس القومي والطائفي لغرض الاستقطاب والاصطفاف، وسيؤدي هذا كله بالنهاية الى اضعاف الدول وتراجع قدرتها على الحفاظ على الاستقرار والتماسك الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، فان مكمن الخطورة هو تصاعد التوتر وتحويله الى صراع طائفي مذهبي وقومي شامل يعيد انتاج ازمات الماضي بصورة اشد آلمًا وهلاكًا وأكبر خرابًا ودمارًا!

 

ما الذي ينبغي فعله لتجنب مخاطر السيناريو الأسوأ؟

 

ادراكًا لخطورة الأمر، برأيي على جميع الاطراف المعنية بالأحداث بشكل مباشر او غير مباشر داخل منطقتنا ان يأخذوا دورهم المستفاد من التجارب المريرة والمؤلمة السابقة، وان يقوموا بالواجب المناط بهم والذي تحتمه مصلحة مشرقنا ومنطقتنا وشعوبهما، وهو:

 

  1. على عقلاء إيران ان يقفوا استهداف اراضي الدول العربية- خصوصًا ان استراتيجية الاستهداف قد أتت أُكلها والرسائل المبتغاة قد وصلت-، وان يراعوا حُسن الجوار واقعًا لا بالأقوال فقط، وأن يعيدوا حساباتهم ويراجعوا سياساتهم واستراتيجياتهم السابقة في المنطقة إذا ما انتهت الحرب عاجلًا ام آجلًا، وتغييرها بما يعزز الوحدة والتماسك خصوصًا في ظل عدوان خارجي يستهدف جميع الامة.

  2. على دول الخليج والدول العربية ودول مشرقنا ان تتجنب الولوج في هذه الحرب تحت اي ظرف كان- خصوصًا ان امريكا و”اسرائيل” على وجه التحديد يريدان جر دول المنطقة وتركيا خصوصا لهذه الحرب، وعليهم ان يقوموا بإخلاء القواعد الامريكية كُليًا واجلاء المصالح واصحابها فعليًا، واخطار الجانب الايراني بذلك.

  3. على القادة والرؤساء وصناع القرار والنخب السياسية والاجتماعية والثقافية والاعلامية رفض الفتنة الطائفية والمذهبية والقومية رفضًا قاطعًا، وعبر كل الوسائل، وتجريم المريدين لها وإنزال عقوبات قاسية بحقهم.

  4. على العلماء والمراجع ومراكز الإفتاء ومجالس الفقهاء تحريم الطائفية وجميع دواعيها الباعثة لها قولًا او فعلًا، واصدار البيانات الرسمية وغير الرسمية بذلك.

  5. على ادارات القنوات الفضائية وجميع العاملين فيها، والمراكز الاعلامية وكل ما يخص المجال الاعلامي والمعلوماتي، ان يوجهوا الاعلام نحو كل ما يخدم وحدة بلدان امتنا وجميع قضايا مشرقنا وتماسكها اتجاه الاخطار المحدقة.

 

الخاتمة

تقف امتنا جميعًا ومشرقنا العربي والاسلامي اليوم امام مفترق طرق تاريخي، حيث يتعرض الى حملة عدوانية متكاملة الاركان يراد منها تغيير خريطته وفق استراتيجية الكيان الصهيوني للهيمنة والسيطرة عليه وعلى شعوبه.

ان إدراك مخطط الاعداء من جهة، ومخاطر الطائفية من جهة اخرى، لا يعني ابدًا تجاهل الخلافات السياسية والاجتماعية والثقافية والاحداث المؤلمة القائمة والسابقة، بل يعني الفصل بينها وبين ما هو ضرورة الوقت من طرف، وبين تحويل الهوية الدينية والمذهبية والقومية الى اداة للصراع من طرف اخر. فالتاريخ يثبت ان المجتمعات التي تنجح في ادارة تنوعها الداخلي هي الاكثر قدرة على الصمود في مواجهة المشاكل الداخلية والتحديات الخارجية.

وفي نهاية المطاف: إِنِ الحرب استمرت او توقفت، فان مستقبل مشرقنا لن تحدده القوى الإستعمارية ولا التحالفات السداسية مهما بلغت قوتها، بل ستحدده وبشكل كبير قدرة شعوبه على مقاومة الانقسام الداخلي، والحفاظ على نسيجها الاجتماعي في مواجهة محاولات التفكيك والاستقطاب. والتاريخ يشهد على هذا، ومن قرأ شيئًا من التاريخ يدرك ما أقول.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى