الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

تداعيات الحرب “الصهيوأميركية” على إيران في الاقتصاد العراقي

تحليل جيو - اقتصادي

بقلم: د. علي سعدي عبدالزهرة

كلية الحقوق / جامعة النهرين

 

 

تشهد منطقة “الشرق الأوسط” تداعيات معقدة نتيجة الحرب (الصهيوامريكية) على إيران، وهي حرب لا تقتصر آثارها على الأطراف المباشرة فحسب، بل تمتد لتطال دول الجوار وفي مقدمتها العراق، فالأخير بحكم موقعه الجغرافي وصلاته الاقتصادية والسياسية مع كل من الجمهورية الاسلامية في إيران والولايات المتحدة الأمريكية، يجد نفسه في قلب هذه الأزمة، إذ يمثل العراق حالة خاصة فهو يقع في قلب البيئة الجيوسياسية للصراع، الأمر الذي يجعله من أكثر الدول عرضة للتأثر بتداعياته المباشرة وغير المباشرة، كما أن طبيعة الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، تجعله هشاً أمام التقلبات الإقليمية والدولية، لاسيما تلك التي تؤثر في أسواق الطاقة أو في مسارات تصدير النفط، كما إن الاقتصاد العراقي الذي يعاني من تحديات هيكلية كضعف البنية التحتية والاعتماد الكبير على النفط والفساد الإداري، يتعرض لضغوط إضافية بسبب هذه الحرب، إذ تتأثر حركة التجارة عبر الحدود، وترتفع أسعار السلع الأساسية نتيجة اضطراب سلاسل التوريد، كما يتأثر قطاع الطاقة بشكل مباشر بسبب ارتباط العراق بإمدادات الغاز والكهرباء الإيرانية، إضافة إلى ذلك فإن حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي الناتجة عن هذه الحرب تضعف ثقة المستثمرين وتؤخر مشاريع التنمية.

شهدت منطقة “الشرق الأوسط” تصعيداً عسكرياً تمثل في شنّ “إسرائيل”، بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، هجوماً واسع النطاق ضد الجمهورية الاسلامية في إيران، مستندة في تبرير هذا الهجوم إلى جملة من الذرائع المرتبطة ببرنامج إيران النووي والصاروخي، فضلاً عن نفوذها الإقليمي المتنامي، غير أن الهدف الاستراتيجي لهذا التحرك يتمثل في إضعاف النظام السياسي الإيراني أو السعي إلى إسقاطه، بما يضمن استمرار التفوق الاستراتيجي لـ”إسرائيل” في المنطقة، ولا سيما في مجال احتكار القدرات النووية ومنع ظهور قوة إقليمية منافسة، لذلك نفذت “إسرائيل” في حزيران 2025 حملة عسكرية ضد إيران استمرت نحو اثني عشر يوماً، شاركت فيها الولايات المتحدة الأمريكية عبر استهداف عدد من المنشآت النووية الإيرانية، ويأتي هذا التصعيد في إطار سياسة طويلة الأمد انتهجتها “إسرائيل” تجاه الجمهورية الاسلامية في إيران، عبر التحريض السياسي والدبلوماسي ضدها، وجعل من مواجهة برنامجها النووي وإضعاف نظامها السياسي هدفاً رئيساً في مسيرته السياسية.

وأسهمت “إسرائيل” بصورة فاعلة في دفع الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي نحو تبني سياسات أكثر تشدداً تجاه إيران، تمثلت في فرض حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية والسياسية، بهدف عزلها دولياً وإضعاف قدراتها الاستراتيجية، وإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي، لذلك أعلن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) في 28 شباط 2026 إطلاق عملية عسكرية مشتركة مع “إسرائيل” تحت مسمى (الغضب الملحمي)، استهدفت مواقع متعددة داخل إيران، وقد أسفرت الضربات في يومها الأول عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني (علي خامنئي) وعدد من كبار المسؤولين والمساعدين، إضافة إلى استهداف منشآت عسكرية وأمنية وبنى تحتية استراتيجية، وردت إيران على هذه الهجمات بسلسلة من الضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيرة استهدفت مواقع داخل “إسرائيل”، فضلاً عن قواعد ومصالح أمريكية في عدد من دول المنطقة، إلى جانب استهداف منشآت لإنتاج النفط والغاز في دول الخليج، وفي ظل استمرار هذه المواجهات، تشير التطورات الميدانية إلى تصاعد عمليات التدمير المنهجي للبنى العسكرية والمدنية داخل إيران، الأمر الذي يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة يغلب عليها منطق القوة العسكرية، بما ينذر بتداعيات إقليمية ودولية واسعة النطاق.

 

 

ويمثل العراق إحدى أكثر الساحات حساسية في سياق التصعيد الإقليمي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، نظراً لموقعه الجغرافي والسياسي الذي يضعه بين أطراف الصراع، فالعراق يستضيف على أراضيه قوات أمريكية ضمن مهام تدريبية واستشارية، في الوقت الذي تنشط في داخله فصائل مسلحة ضمن محور المقاومة بقيادة ايران، ويخلق هذا التداخل في المصالح والتحالفات بيئة معقدة تجعل العراق ساحة محتملة لردود الفعل غير المباشرة ضمن صراع أوسع في المنطقة، لذلك تواجه الدولة العراقية معادلة سياسية وأمنية صعبة تتمثل في كيفية حماية سيادتها الوطنية وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية شاملةتحمل تداعيات خطيرة، اذ ان استهداف المصالح الأمريكية قد يعرض البلاد لردود عسكرية واقتصادية  امريكية انتقامية.

واقتصادياً فإن استمرار التوترات الأمنية أو توسعها قد يهدد البنية التحتية لقطاع النفط، ويؤثر سلباً على الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على الاستقرار الاجتماعي ومستوى الخدمات العامة، وإن الموقع الجيوسياسي للعراق وطبيعة بنيته الاقتصادية الهشة يجعلان منه أحد أكثر الدول عرضة للتأثر بالانعكاسات الاقتصادية للصراع الإقليمي، ويعود ذلك أساساً إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بنسبة تفوق (90%) على إيرادات النفط، في حين يتم تصدير معظم هذا النفط عبر ناقلات تمر من خلال مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب خمس الإمدادات النفطية العالمية، ومع إعلان الجهورية الاسلامية في إيران إغلاق المضيق في سياق التصعيد العسكري، واجه العراق تحدياً اقتصادياً بالغ الخطورة، تمثل في انخفاض حركة ناقلات النفط عبر المضيق بنسبة تقارب (90%)، الأمر الذي أدى إلى شبه توقف في تدفق الإيرادات النفطية، التي تشكل المصدر الأساسي لتمويل الموازنة العامة للدولة، وفي حال استمرار هذا الإغلاق لفترة طويلة، فإن العراق قد يواجه عجزاً مالياً حاداً يحد من قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها المالية، وفي مقدمتها دفع رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية، الأمر الذي قد يفضي إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق، إلى جانب ذلك يعتمد العراق بشكل كبير على استيراد الغاز الطبيعي من إيران لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية، ولا سيما خلال فصل الصيف الذي يشهد ذروة الطلب على الكهرباء، ومع تعرض البنية التحتية للطاقة داخل إيران للاستهداف العسكري، واحتمال تعطل إمدادات الغاز نتيجة ظروف الحرب، يواجه العراق خطر حدوث أزمة حادة في قطاع الكهرباء، ومن شأن هذا العجز في الطاقة أن يؤدي إلى تعطيل العديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما في ذلك المصانع والمؤسسات الصحية، فضلاً عن احتمال تصاعد الاحتجاجات الشعبية التي قد تهدد استقرار الحكومة.

ومنذ عام 2003 تودع عائدات النفط العراقي في حساب خاص لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو ما يمنح الولايات المتحدة الأمريكية أداة ضغط مالية محتملة على الحكومة العراقية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، لذلك برزت تهديدات باستخدام هذه الآلية للضغط على بغداد ومنع أي توجه سياسي أو عسكري قد يفسر على أنه داعم لإيران، ويعني ذلك أن العراق قد يواجه خطر فقدان السيطرة الكاملة على موارده المالية حتى في حال تمكنه من الاستمرار في تصدير النفط، الأمر الذي يجعله عرضة لتجاذبات الصراع المالي والسياسي بين واشنطن وطهران، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية غير المباشرة،..

وشهدت الأراضي العراقية تطورات ميدانية مرتبطة بالصراع، إذ تعرضت بعض المواقع العسكرية وقواعد فصائل الحشد الشعبي داخل العراق لضربات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل”، في حين استهدفت إيران مواقع أمريكية في إقليم كردستان، ويؤدي تحول العراق إلى ساحة عمليات عسكرية إلى تقويض البيئة الاستثمارية وتعطيل حركة النقل الجوي والتجارة الدولية،..

فضلاً عن زيادة الأعباء الاقتصادية المرتبطة بإعادة الإعمار في بلد لا يزال يعاني من آثار الحروب والصراعات السابقة، وأن استمرار الصراع الإقليمي لا يهدد الأمن السياسي للعراق فحسب، بل يفرض تحديات اقتصادية هيكلية قد تؤثر بصورة عميقة في استقرار الاقتصاد الوطني ومسار التنمية في البلاد.

وإن للحرب سيكون ارتدادات اقتصادية، لاسيما أن العراق يستورد مواد غذائية وصناعات أخرى من إيران، وأن استمرار الحرب سيقود إلى توقف بعض المشاريع الصناعية والتجارية والسياحية في العراق أو انخفاض مستوى تنفيذها، وبالتالي ستزداد نسبة البطالة، كما أن استمرار الحرب ستكون له نتائج سلبية على الشعب العراقي، إذ قد يشهد نزوح العديد من الإيرانيين للمدن العراقية وهذا سيشكل تحديا للحكومة العراقية، ومن آثار تلك الحرب القلق المتزايد لدى المواطنين في العراق مع تصاعد الحرب (الصهيوامريكية) ضد إيران واحتمال اتساع نطاقها في المنطقة، إذ تخشى قطاعات واسعة من المجتمع العراقي من انعكاسات هذه الحرب على الوضع الاقتصادي والمعيشي، وقد انعكس هذا القلق في سلوك المواطنين الذين اتجهوا إلى الأسواق لشراء وتخزين المواد الغذائية والأدوية والوقود، وفي المقابل تحاول الحكومة العراقية احتواء هذه المخاوف عبر التأكيد على توافر مخزون استراتيجي من المواد الغذائية والدوائية، إضافة إلى وجود احتياطات كافية من العملة الأجنبية لضمان استمرار الاستيراد، ويشير ذلك إلى محاولة الدولة الحفاظ على الأمن الغذائي والدوائي كأحد عناصر الاستقرار الاجتماعي في ظل الأزمات الإقليمية، كما أكدت وزارة التجارة أن مخزون المواد التموينية الأساسية كافٍ لتلبية احتياجات المواطنين.

وإن استمرار الحرب قد يؤدي إلى توقف أو تقليص صادرات النفط، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على تدفق العملة الصعبة إلى خزينة الدولة، وبالتالي على قدرة الحكومة في تمويل النفقات العامة، بما في ذلك الرواتب والنفقات التشغيلية، ومع ذلك فإن نظام التسعير المؤجل لشحنات النفط يمنح الحكومة هامشاً زمنياً مؤقتاً يتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع، يسمح باستمرار تدفق بعض الإيرادات النفطية خلال المدى القريب، كما أن تعطل سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، نتيجة اضطراب حركة الملاحة في الخليج العربي، الأمر الذي قد يؤدي إلى نقص في السلع الأساسية وارتفاع الأسعار داخل الأسواق المحلية، وفي المقابل تؤكد الجهات الحكومية امتلاك العراق احتياطيات نقدية أجنبية قادرة على تغطية وارداته لمدة تصل إلى عام، إضافة إلى وجود مرونة مالية تسمح بتأمين الرواتب والنفقات الأساسية في المدى القريب، كما تشير التقديرات إلى إمكانية الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط العالمية في حال استمرار التوترات الجيوسياسية، إلى جانب استخدام مسارات تصدير بديلة مثل خط الأنابيب (العراقي- التركي)، وإن كانت طاقته محدودة مقارنة بحجم الصادرات النفطية عبر الخليج.

 

 

وتشير التطورات المرتبطة بالحرب (الصهيوامريكية) ضد إيران إلى بروز مجموعة من التداعيات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة على العراق، رغم عدم كونه طرفاً مباشراً في الصراع، ومن أبرز هذه التداعيات إغلاق المجال الجوي العراقي بعد تصاعد النشاط العسكري في المنطقة، إذ امتنعت شركات الطيران المحلية والدولية عن استخدام الأجواء العراقية نتيجة المخاطر الأمنية المرتبطة بمرور الصواريخ والطائرات المسيرة والمقاتلة، وقد دفع ذلك سلطة الطيران المدني العراقية إلى اتخاذ قرار بإغلاق المجال الجوي أمام جميع الرحلات الجوية القادمة والمغادرة، وقد ترتب على هذا القرار خسائر اقتصادية ملحوظة، إذ يُعدّ المجال الجوي العراقي أحد مصادر الإيرادات غير النفطية للدولة، وبالتالي فإن استمرار إغلاق المجال الجوي قد يؤدي إلى فقدان هذا المورد المالي، مما يضيف ضغوطاً إضافية على الاقتصاد العراقي، كما أن  لهذه الحرب يمكن تأثيرات اقتصادية مباشرة بدأت بالظهور، منها ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق العراقية، وهو انعكاس لحالة القلق وعدم اليقين المرتبطة بتوسع الصراع الإقليمي، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع قيمة الدينار العراقي وارتفاع أسعار السلع المستوردة، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية على المواطنين.

 

الخاتمة

يواجه العراق مجموعة من التحديات المعقدة والمتداخلة نتيجة تداعيات الحرب (الصهيوامريكية) على الجمهورية الاسلامية في إيران، فـ(العراق) بحكم موقعه الجغرافي وارتباطاته الاقتصادية مع دول المنطقة، لا يستطيع أن يبقى بمنأى عن انعكاسات التوترات الجيوسياسية، حتى وإن لم يكن طرفاً مباشراً في الحرب، وأن التأثر الاقتصادي للحرب تتمثل في تهديد صادرات النفط العراقية نتيجة احتمالات تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يمثل خطراً كبيراً على الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل أساسي على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة العامة للدولة، كما أن احتمالات تراجع الصادرات النفطية قد تقود إلى اختلالات مالية خطيرة، تشمل العجز في الموازنة وصعوبة تأمين الرواتب والنفقات الحكومية الأساسية، وإن استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران أو تعطل إمدادات الغاز الإيراني إلى العراق قد يؤدي إلى تفاقم أزمة الكهرباء، الأمر الذي ينعكس سلباً على القطاعات الإنتاجية والخدمية وعلى مستوى معيشة المواطنين، كما أن تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة قد يضعف البيئة الاستثمارية ويؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، فضلاً عن تعطيل حركة التجارة والنقل الجوي والبحري، كما أن استخدام الأدوات المالية الدولية كوسيلة ضغط سياسي قد تضع العراق في موقف اقتصادي حساس، لاسيما في ظل وجود عائداته النفطية ضمن النظام المالي الدولي، وبذلك فإن استمرار الصراع الإقليمي قد يؤدي إلى زيادة هشاشة الاقتصاد العراقي ويحد من قدرته على تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية المستدامة، وإن مواجهة هذه التحديات تتطلب تبني سياسات اقتصادية واستراتيجية أكثر مرونة، تسهم في تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الأزمات الإقليمية والدولية، وإن هذه المرحلة تتطلب من الحكومة واعياً استراتيجياً وإدارة رشيدة للأزمات، كي لا يتحول العراق إلى ساحة إضافية لصراع القوى الكبرى، بل إلى دولة قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى