الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
إعادة تقدير الأمن القومي الياباني
كيف تعيد طوكيو مواءمة استراتيجيتها في عالمٍ أكثر اضطراباً وخطورة؟

بقلم: ماساتاكا أوكانو
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
على مدى عقود عملت حلفاء الولايات المتحدة ضمن نظام دولي أنشأته واشنطن وحافظت عليه، كان للولايات المتحدة التزام بالحفاظ على تدفق التجارة العالمية بما يخدم مصالح دول حول العالم كما عززت المؤسسات متعددة الأطراف التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية قاعدةً للامتناع عن الاحتلال الكلي رغم أنها لم تقضَ كليًا على الحروب، كما قدّم التزام الولايات المتحدة بأمن حلفائها ضمانات لليابان ودول أخرى بأنه ستُحاط بالحماية إذا ما بلغ الصراع شواطئها.
كان قادة الأمن القومي حول العالم على وعيٍ بأن هذا النظام ليس مضمونًا أن يستمر إلى الأبد، ففي السنوات الأخيرة فرضت اندلاعات الحروب المدمرة في أوروبا و”الشرق الأوسط” وتفاقم النشاطات العسكرية الصينية في محيط تايوان وبحر الصين الجنوبي وعودة حروب التجارة وانهيار آليات الحوكمة العالمية مع وتيرة متصاعدة في تطور أساليب الحرب الحديثة- لا سيما في مجال الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي- على الدول تعديل توقعاتها، أصبح العالم أكثر خطورة وعدم قدرة على التنبؤ ومع ذلك ظلت اليابان وشركاؤها يعتقدون أن النظام الدولي القائم على القواعد الذي دعمته الولايات المتحدة هو أفضل علاج لهذه التحديات.
لكنّ التحولات الزلزالية في السياسة الخارجية الأمريكية تجبر اليابان ودولًا حليفة أخرى على إعادة تقييم أمر أكثر جوهرية، لقد رسخت سياسات “أمريكا أولاً” التي بدأت في الإدارة الأمريكية الأولى لتصبح جزءًا من السياسة الخارجية في الإدارة الثانية وقد صُدمت اليابان وشركاؤها بممارسات واشنطن القائمة على فرض تعريفات جمركية والمطالب برفع حصص الحلفاء في أعباء الأمن المشترك والعمليات العسكرية في “الشرق الأوسط” وفنزويلا وادعاءات بشأن ملكية جرينلاند والتراجع عن المشاركة في وكالات الأمم المتحدة، باختصار صُدمت هذه الشركاء من رؤية الولايات المتحدة تُقوّض النظام نفسه الذي صاغته وارتكزوا عليه لمواجهة التحديات المشتركة سواء كانت عسكرية أو ترتبط بحرية التجارة، ويتضح الآن أن قدرة هذه الدول على دعم المؤسسات متعددة الأطراف أو علاقاتها مع واشنطن ليست بالمرونة التي كانت عليها سابقًا.
الاستجابة للتحولات الجارية في الولايات المتحدة وحول العالم تتطلب أكثر من مجرد التوصل إلى اتفاقات مع الإدارة الأمريكية بشأن التعريفات الجمركية والإنفاق الدفاعي، بالنسبة لليابان كما بالنسبة لحلفائها الآخرين، أصبحت أسس استراتيجية الأمن القومي التي استمرت لعقود هشّة- والمهمة الآن تتمثل في تطوير استراتيجية جديدة لتحلّ محلها.
حقائق صادمة
منذ انتهاء الحرب الباردة تمتّعت اليابان ببيئة دولية اتسمت بقدرٍ معتبر من الاستقرار، ورغم أن البرنامجين النووي والصاروخي لكوريا الشمالية إلى جانب التوسع المطّرد في الإنفاق العسكري الصيني شكّلا مصدر قلق دائم فإنهما بدوا قابلين للاحتواء وإن بصعوبة، وقد أسهمت مظلة الردع الممتد التي وفّرتها الولايات المتحدة مقترنةً بجهود اليابان وحلفائها لتعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية في ترسيخ الاعتقاد بإمكانية إبقاء المنطقة بمنأى عن صراع عسكري مباشر. غير أن السنوات الأخيرة فرضت على صناع القرار والرأي العام في اليابان مواجهة وقائع أكثر تعقيدًا، في مقدمة هذه الوقائع سعي الحزب الشيوعي الصيني إلى تحقيق “النهضة العظيمة للأمة الصينية” وهو المشروع الذي يصفه الرئيس الصيني شي جين بينغ بـ”الحلم الصيني”، وتندرج تحت هذا الشعار سياسات تثير قلق دول الجوار إذ تصرّ بكين على إعادة التوحيد مع تايوان دون استبعاد استخدام القوة كما تسعى إلى إحكام السيطرة على نقاط الاختناق في سلاسل التوريد العالمية للمواد الحيوية ولا سيما المعادن النادرة، ويضاف إلى ذلك تقدمها الملحوظ في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والتقنيات الكمية الأمر الذي يعمّق اعتماد الدول الأخرى على الأنظمة الصينية ويمنح بكين قدرة أكبر على فرض معاييرها في النظام الدولي.

ومع تصاعد السلوك الإكراهي للصين- سواء عبر تكثيف أنشطة قواتها البحرية وخفر سواحلها أو من خلال أدوات الضغط الاقتصادي مثل حظر الاستيراد وضوابط التصدير- تصبح اليابان بحكم موقعها الجغرافي في وضع أكثر انكشافًا، ويتمثل التحدي الرئيس في التقييم الدقيق لنهج بكين والتصدي لأي محاولة لتغيير الوضع القائم في الإقليم بالقوة غير أن عملية صنع القرار في الصين تجري ضمن سياق سياسي داخلي خاص ولغة سياسية مميزة ما يجعل افتراض تطابق منطقها مع منطق العواصم الأخرى أمرًا غير مضمون، ومن ثمّ بات الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة على مستوى القيادات ضرورةً لتفادي سوء الفهم مع تجنّب أي انطباع بوجود فراغ في موازين القوة الإقليمية، وفي الوقت الذي ينبغي فيه عرض المواقف بوضوح وحزم قد يكون الغموض الاستراتيجي أداة مفيدة لاحتواء بعض الأزمات كما بات من الضروري إسناد الخطاب السياسي بإجراءات عملية من خلال مناورات وتنسيق دفاعي مشترك مع الولايات المتحدة وأستراليا والهند وشركاء أوروبيين. وقد أضافت تداعيات الحرب في أوكرانيا إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ بعدًا جديدًا للقلق الأمني الياباني، فالغزو الروسي لأوكرانيا في شباط 2022 مثّل انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وخفّض العتبة السياسية لاستخدام القوة على نطاق عالمي كما أعاد تشكيل البيئة الجيوستراتيجية في محيط اليابان، وتشير تقارير إلى نشر آلاف الجنود الكوريين الشماليين للقتال إلى جانب روسيا في وقت يتعمق فيه التعاون العسكري بين بيونغ يانغ وموسكو فضلًا عن تنامي التنسيق الثلاثي بين الصين وكوريا الشمالية وروسيا، ورغم أن هذا التقارب لا يقوم على تطابق كامل في المصالح فإن الدعم الذي تقدمه بكين وبيونغ يانغ لموسكو يقدّم مؤشرًا على طبيعة التنسيق المحتمل في حال اندلاع أزمة في شبه الجزيرة الكورية أو في مضيق تايوان.
من ناحية أخرى دشّنت الحرب في أوكرانيا مرحلة جديدة في تطور فنون القتال فقد تراجعت أهمية بعض الأساليب التقليدية مثل التقدم الواسع بالدبابات لصالح هيمنة الطائرات المسيّرة في مختلف ميادين العمليات جوًا وبرًا وتحت الماء، وتتسارع وتيرة الابتكار في مجالات أجهزة الاستشعار والذخائر الدقيقة والتقنيات الرقمية مدفوعة بمتطلبات الميدان الفورية وفي هذا السياق أنشأت الحكومة الأوكرانية منصة “بريف واحد” (مركز تسريع الابتكار الدفاعي) التي تعمل كحلقة وصل بين الشركات الناشئة ووحدات القتال بما يتيح اختبار الأنظمة الجديدة بسرعة وإدماج الملاحظات العملياتية بشكل فوري، أما اليابان التي لا تعيش ظرفًا حربيًا مماثلًا فلا تمتلك بعد آليات بالسرعة ذاتها إذ تعاني من محدودية ميادين الاختبار وصرامة القيود التنظيمية ما يحدّ من وتيرة التجريب والتطوير. ومع استمرار الفجوة في الخبرة القتالية والتطوير التقني بين الدول المنخرطة في الحروب وتلك التي تعيش في حالة سلم تتصاعد المخاطر، فقد تكون القوات الكورية الشمالية المشاركة في أوكرانيا قد اكتسبت خبرة عملية في استخدام الطائرات المسيّرة ومواجهتها، وإذا ما تمكنت بيونغ يانغ بدعم روسي من تطوير هذه القدرات على نطاق أوسع فقد تجد اليابان وكوريا الجنوبية نفسيهما أمام اختلال في ميزان القوة، كما يبرز طول أمد الحرب الأوكرانية تحذيرًا إضافيًا إذ تحولت التوقعات بحسم سريع إلى صراع استنزاف طويل في ظل بيئة قتال مكشوفة تقنيًا تقل فيها فرص المفاجأة، وهذا الاحتمال يفرض على المخططين العسكريين الاستعداد لحروب طويلة الأمد من خلال تعزيز المخزونات الاستراتيجية وحماية البنى التحتية الحيوية وتقوية الأمن السيبراني وتوسيع قدرات إنتاج الذخيرة والغاية من هذه التدابير ليست خوض الحرب بل منعها عبر تعزيز الردع. ولا يقتصر تصاعد المنافسة على المجال العسكري فالنظام التجاري متعدد الأطراف يشهد اختلالات عميقة في ظل انتشار السياسات غير السوقية، إذ تنتج الصين كميات تفوق الطلب العالمي في عدد من القطاعات فيما تدفع السياسات الحكومية واستثمارات الشركات الكبرى عجلة الابتكار بصورة موجّهة، كما شددت دول عدة سيطرتها على سلاسل توريد المواد الاستراتيجية، وفي ظل تعثر آلية تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية تفتقر الدول إلى أدوات فعالة لمعالجة الممارسات التجارية الضارة.

بالنسبة لليابان فإن حماية استقلالها الاقتصادي تتطلب تقليص أوجه الاعتماد التي يمكن استغلالها مع تأمين موقعها في سلاسل التوريد العالمية، ويشمل ذلك ضمان الوصول إلى المواد الاستراتيجية ولا سيما المعادن النادرة وحماية البنى التحتية الحيوية في مجالات الطاقة والمياه والاتصالات ودعم البحث والتطوير والاستثمار في التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية والفضاء فضلًا عن تنظيم صادرات التقنيات المتقدمة خصوصًا أشباه الموصلات المتطورة، وقد اتخذت اليابان بالفعل خطوات في هذا الاتجاه عبر قانون تعزيز الأمن الاقتصادي الصادر عام 2022 إلى جانب تشريعات مكمّلة، ومن المرجح أن يظل تدخل الدولة والتنسيق الوثيق مع الدول الصديقة عنصرين أساسيين في المرحلة المقبلة.
ويمثل تراجع فاعلية النظام التجاري العالمي جزءًا من تآكل أوسع في مفهوم المسؤولية المشتركة عن الحوكمة الدولية، فقد أخفقت بعض المؤسسات الدولية في تمثيل مصالح جميع أعضائها بصورة متوازنة ومع صعود دول الجنوب العالمي اقتصاديًا وسياسيًا باتت هذه الدول تعبّر بوضوح عن استيائها من بنية النظام القائم والتكيّف مع هذا التحول في ميزان القوى يقتضي الاعتراف بتطلعات تلك الدول وإشراكها بفاعلية أكبر، وفي هذا السياق عززت اليابان شراكتها مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مؤكدة التزامها ببناء اقتصاد مزدهر ومستدام في منطقة المحيطين الهندي والهادئ كما واصلت عقد مؤتمرات دورية مع قادة الدول الأفريقية تأكيدًا على أهمية الانخراط البنّاء مع بلدان الجنوب العالمي، ومن خلال الإصغاء الجاد إلى هواجس هذه الدول وتوقعاتها يمكن لليابان أن تسهم في إعادة ترميم أسس الحوكمة العالمية.
أمريكا أولًا
تعاملت اليابان شأنها شأن دول كثيرة بجدية مع التحولات التي شهدتها السنوات الأخيرة، وخلال تلك المرحلة كان بإمكانها أن تفترض أن حلفاءها يتقاسمون معها الالتزام الدبلوماسي بالردع المشترك والدعم الثابت لنظام دولي حرّ ومفتوح، يقوم على التعددية وسيادة القانون. إلا أن طوكيو تجد نفسها اليوم أمام التجلّي الأكثر اكتمالًا لسياسة “أمريكا أولًا” التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهي سياسة قد تمثل أحد أكثر التحولات تأثيرًا في السياسة الدولية في العقود الأخيرة، فقد أوضحت الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي الصادرة في تشرين الثاني الماضي أن الولايات المتحدة بوصفها أكبر سوق في العالم وأبرز مزود للقوة العسكرية باتت تعطي الأولوية لمصالحها الوطنية على حساب دورها التقليدي في رعاية النظام الدولي، وفي سعيها للبقاء “الدولة الأكثر نجاحًا”- وفق تعبير الوثيقة- لم تعد واشنطن مستعدة للتضحية بمصالحها الداخلية من أجل الاقتصاد العالمي كما تراجعت عن أداء دور “شرطي العالم” ولقد تغيّرت الولايات المتحدة وربما على نحو يصعب عكسه.

وقد بدأت آثار هذا التحول تظهر بوضوح في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ففي وقت مبكر من الولاية الثانية لترامب أثار تحذيره من أن الولايات المتحدة لن تدافع عن أي حليف في حلف شمال الأطلسي لا يخصص اثنين في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي تساؤلات عميقة بشأن مدى التزام واشنطن بتعهداتها الأمنية في حال وقوع أزمة كبرى في أي منطقة بما في ذلك آسيا، ورغم أن الاستراتيجية الأمريكية سعت إلى تبديد بعض هذه المخاوف بتأكيدها عزم الولايات المتحدة “بناء قوة عسكرية قادرة على ردع العدوان في أي نقطة ضمن سلسلة الجزر الأولى”- وهي قوس جغرافي يضم اليابان وتايوان وعددًا من الجزر المحورية في غرب المحيط الهادئ- فإن القلق لا يزال قائمًا من احتمال تنفيذ واشنطن تهديدها بعدم الدفاع عن الدول التي لا تستثمر بما يكفي في أمنها الذاتي. واستجابةً لذلك تعهدت اليابان بتعزيز قدراتها الدفاعية على نحو ملموس، وفي أوروبا حيث أسهمت مواقف ترامب العدائية تجاه شركاء حلف شمال الأطلسي وتهديداته بالسيطرة على غرينلاند في تقويض افتراضات الحلفاء بشأن التزام الولايات المتحدة بالدفاع عنهم، اتجهت دول عديدة إلى اتخاذ خطوات مماثلة لتعزيز إنفاقها الدفاعي واستقلالها الاستراتيجي. إلى جانب ذلك شكلت السياسات التجارية الأمريكية الحازمة تحديًا إضافيًا ولا سيما في ظل تراجع فاعلية النظام التجاري متعدد الأطراف، ففي تموز 2025 اتفقت اليابان والولايات المتحدة على تحديد تعرفة جمركية بنسبة 15 في المئة على الواردات الأمريكية من اليابان- انخفاضًا من المقترح الأصلي البالغ 25 في المئة- مقابل التزام طوكيو بزيادة استثماراتها في الولايات المتحدة وشراء معدات دفاعية أمريكية، غير أن هذا الترتيب لم يتخذ الصيغة التقليدية لاتفاق دولي يتضمن آلية واضحة لتسوية النزاعات، وفي غياب ضمان قانوني ملزم يبقى الباب مفتوحًا أمام احتمال تراجع أي من الطرفين عن التفاهم إذا رأى أن الطرف الآخر لم يلتزم بالشروط على النحو المرضي. وفي ظل هذه الترتيبات الهشة تجد طوكيو- كما عواصم أخرى عديدة- نفسها مضطرة إلى إدارة توازن دقيق ومتعقّد بين المصالح مستندةً إلى تقديرات ذاتية وحسابات سياسية متغيرة، بدلًا من قواعد مستقرة وقابلة للتنبؤ كما كان الحال في السابق.
مهمة جديدة
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية اتسمت السياسة الخارجية للولايات المتحدة بقدرٍ من السخاء تجاه حلفائها غير أن هؤلاء الحلفاء باتوا يدركون اليوم أن هذا السخاء لم يعد أمرًا مسلّمًا به، ولا تزال نقاشات مكثفة تدور في عواصم الدول الحليفة حول أفضل السبل للتعامل مع “الولايات المتحدة الجديدة”، لكن ثمة إجماعًا على ضرورة اعتماد مقاربة مختلفة تتسم بالواقعية والرصانة.
إن الدوافع الكامنة وراء شعار “أمريكا أولًا” تسبق الولاية الأولى لدونالد ترامب ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه بصيغ مختلفة غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انكفاءً انعزاليًا، فما يزال الرأي العام الأمريكي يتطلع إلى دور قيادي عالمي وللحفاظ على هذا الموقع يتعين على واشنطن إدراك قيمة الحلفاء الذين يمتلكون اقتصادات قوية وقدرات عسكرية معتبرة، ويتمثل التحدي أمام هؤلاء الحلفاء ومنهم اليابان في تقديم مقترحات عملية للتعاون الدفاعي والاقتصادي تخدم مصالحهم الوطنية وفي الوقت نفسه تتماشى مع الأولويات الأمريكية المعاد تعريفها، مع إقناع الولايات المتحدة بأن الحفاظ على قيادتها في عالم يتسم بمنافسة حادة يستلزم تعاونًا مستدامًا قائمًا على الثقة مع شركائها. وتُعدّ البيئة الأمنية في شرق آسيا مصدر قلق خاص فاليابان تواجه قوتين نوويتين الصين وروسيا وتعززان تعاونهما بصورة متزايدة في حين تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها النووية والصاروخية، وقد فرضت هذه البيئة الخطرة على طوكيو تعزيز وضعها الدفاعي بما في ذلك إدخال قدرات للردّ المضاد بهدف ردع أي عدوان محتمل، ولا شك أن القدرات النووية والتقليدية الساحقة للولايات المتحدة تظل الضامن النهائي للاستقرار في شرق آسيا كما تدرك الإدارة الأمريكية حجم الصعود الصيني وقد وضعت ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ضمن أولوياتها الدفاعية الأساسية، وتتجاوز المصالح الأمريكية الجانب العسكري فالحفاظ على الاستقرار يتيح لواشنطن الاستفادة من الحيوية الاقتصادية التي تتمتع بها المنطقة، ومع ذلك وبسبب احتمال تطور الأزمات على نحو مفاجئ يتعين على اليابان أن تحافظ على قدر عالٍ من الجاهزية والمرونة أي أن تتعامل بجدية أكبر مع مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية. ولا يزال هناك قدر كبير من التقاطع بين المصالح الاستراتيجية الأمريكية ومصالح حلفائها ما يتيح فرصًا لتسليط الضوء على مجالات واعدة للتعاون، غير أن التكيّف مع عالم “أمريكا أولًا” يقتضي أيضًا من اليابان ودول أخرى توسيع دوائر تحركها خارج الإطار الأمريكي لمعالجة التحديات المشتركة، فمواجهة الأجندة الصينية الطموحة داخليًا وإقليميًا وتعزيز الدفاعات في عصر جديد من الحروب وتأمين سلاسل التوريد الحيوية كلها مهام تتطلب جهودًا متعددة الأطراف، ورغم أن هذه الجهود تحتاج إلى دعم الولايات المتحدة فإن اليابان مطالبة كذلك بتعميق تعاونها مع شركاء مثل كوريا الجنوبية ودول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) وأستراليا والهند وكندا ودول أوروبية. ومع وجود شركاء أكفاء لن تكون مواجهة تحديات الأمن القومي الراهنة مهمة يسيرة فكثير من الحكومات تعاني عجزًا ماليًا كبيرًا ونقصًا في الكوادر العامة واليابان ليست استثناءً، وتتطلب الاستراتيجية الفاعلة تحديد الأولويات بوضوح وتخصيص الموارد المحدودة للأهداف الأكثر إلحاحًا بدل إطلاق وعود شاملة يصعب الوفاء بها ويعني ذلك اتخاذ قرارات سياسية صعبة سواء فيما يتعلق بمستوى الإنفاق الدفاعي أو بإعادة توجيه الموازنات من المنصات العسكرية التقليدية إلى الأنظمة غير المأهولة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي أو بالاستثمار في الصناعات المتقدمة، كما أن ازدياد متابعة الرأي العام لقضايا السياسة الخارجية واقتصاره في أحيان كثيرة على مصادر معلومات تؤكد قناعاته المسبقة يفرض على صانعي السياسات الأمنية بذل جهد أكبر لشرح قراراتهم والدفاع عنها أمام الجمهور، فمن دون إدراك شعبي مشترك لطبيعة التهديدات الراهنة سيكون من الصعب على اليابان بلورة استجابة فعالة وفي هذا السياق يُعد قرار حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكاييتشي تخصيص عام كامل لمراجعة استراتيجية الأمن القومي خطوة تتيح للمجتمع الياباني فرصة استيعاب التحولات التي تفرض هذه المراجعة. إن مستوى التوتر في النظام الدولي اليوم بلغ حدًا يصعب استدامته، وبحكم الخبرة الممتدة لعقود في السلك الدبلوماسي الياباني يمكن التأكيد أن الوقت الراهن رغم ما يفرضه من إجراءات حماية ضرورية هو أيضًا وقت تكثيف الانخراط الدبلوماسي، فالاتصال المباشر بين الخصوم يسهم في خفض الاحتكاكات ورفض الحوار نادرًا ما يحقق النتائج المرجوة كما أن انفتاح اليابان على شركاء متقاربين في الرؤية بما في ذلك العديد من دول الجنوب العالمي يمكن أن يعزز دعم القانون الدولي ويكرّس مبدأ عدم جواز احتلال أراضي الغير أو تغيير الوضع القائم بالقوة، إن التكيّف مع عالم تتكاثر فيه التهديدات الأمنية ومع علاقة متغيرة مع الولايات المتحدة يتطلب قدرات دفاعية واستخبارية واقتصادية قوية غير أن بناء مستقبل أقل توترًا وأقل انقسامًا يظل رهينًا بالدبلوماسية الفاعلة.
* Masataka Okano, Japan’s National Security Reckoning How Tokyo Is Adjusting to a More Dangerous World, Foreign Affairs, February 24, 2026.



