الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
مجموعة البريكس في مواجهة صراعات “الشرق الأوسط” درس في إخفاق التضامن الدولي

بقلم: سي. راجا موهان
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
بعد مرور أربعة اسابيع على اندلاع الحرب في الخليج الفارسي لم تصدر مجموعة بريكس أي بيان مشترك بشأن النزاع، وقد أصاب هذا الإخفاق العديد من مؤيدي بريكس في كل من الشرق والغرب بخيبة أمل إذ تصوروا المجموعة كمعادل موثوق للقوة الأميركية ومؤشراً على صعود نظام عالمي متعدد الأقطاب، ومع ذلك فإن هذا الفشل ليس مفاجئاً فقد كان متوقعاً منذ البنية الجوهرية للمجموعة نفسها.
على صعيد التعاون الجماعي لم تقدم بريكس الكثير حتى لروسيا خلال مواجهتها الطويلة مع ما تصفه موسكو بـ “الغرب الجماعي”، والآن أصبح الوضع أكثر حدة عندما شنت الولايات المتحدة و”إسرائيل”* هجوماً عسكرياً واسع النطاق على إيران العضو الآخر في بريكس وواجه المنتدى صعوبة في صياغة موقف مشترك، بعض الأعضاء يعملون عن كثب مع العمليات العسكرية الأميركية بينما طورت دول أخرى مثل الهند شراكات قوية مع “إسرائيل”.
لكن المشكلة تتجاوز الروابط الفردية للأعضاء مع واشنطن أو تل أبيب، إذ تكمن الأزمة داخل البنية نفسها للمجموعة: الصراع البنيوي بين إيران وبين الدول الخليجية المحافظة مثل الإمارات العربية المتحدة والتي تعد أيضاً عضواً في بريكس، الفجوة الاستراتيجية بينهما عميقة للغاية فإيران عرّفت نفسها على أنها خصم للولايات المتحدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، في حين كانت الإمارات ورفاقها من الدول الملكية شركاء لواشنطن منذ زمن طويل.
توقع أن تتخذ بريكس موقفاً واضحاً من النزاع لا يستند إلى أساس واقعي، وحتى لو تمكنت الهند التي تتولى حالياً رئاسة المجموعة من صياغة بيان يرضي كل من طهران وأبوظبي فقد لا يكون لذلك البيان أي أثر عملي، من السهل التوقيع على بيانات عامة حول المصالح المشتركة والشكاوى ضد الغرب ولكن من الصعب إدارة صراعات حقيقية بين الأعضاء أنفسهم، المنظمة التي صُممت لتحدي القوة الغربية تجد نفسها الآن مجرد مراقب سلبي لحملة القصف الأميركية على إيران ورد إيران على الدول الخليجية.
لكن هذا النتيجة ليست مفاجئة فقصة بريكس خلال الحرب الأخيرة في “الشرق الأوسط” تعكس نمطاً أقدم بكثير في السياسة الدولية، على مدار القرن الماضي اصطدمت الحركات الكبرى التي قامت على وعود التضامن العابر للحدود- سواء كان (البان- آسيوي، البان- إسلامي، البان- عربي، الأممية الشيوعية، أو حتى حركة عدم الانحياز)- بالاختبار نفسه مراراً، فحينما يتصادم التضامن مع المصالح الوطنية تسود الأخيرة.
لقد أظهرت تجارب المشاريع الكبرى للتضامن الدولي نمطاً متكرراً، تبدأ بوعد بتجاوز الدولة الوطنية عبر هوية مشتركة-إقليمية أو دينية أو أيديولوجية أو جيوسياسية- وتزدهر في لحظات الشكوى الجماعية عندما تكون خطاب الوحدة قوياً وتكاليف التضامن منخفضة، لكنها تنهار بمجرد أن يفرض الواقع أزمة حقيقية تُجبر الحكومات على الاختيار بين القضية الجماعية ومصالحها الوطنية.
على سبيل المثال كانت الأممية الشيوعية (الكومنترن) التي تأسست عام 1919 لتنسيق ثورة عالمية ضد الرأسمالية قد كشفت عن تناقضاتها في آب 1939 عندما وقع الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين على ميثاق مولوتوف- ريبنتروب مع ألمانيا النازية، وجرى حينها توجيه الأحزاب الشيوعية في العالم للتعامل مع الفاشية كقوة محايدة بدلاً من عدو، وبعد عامين عندما غزت ألمانيا الاتحاد السوفييتي انقلبت موسكو فجأة وانضمت إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وكشفت السياسة السوفييتية حقيقة بسيطة: مفاد عقيدة “الاشتراكية في بلد واحد” أن المصلحة الوطنية السوفييتية ستطغى في النهاية على التضامن الدولي للطبقة العاملة، وقد أُعلن رسمياً حل الكومنترن عام 1943 بعد أن تهالك عملياً تحت وطأة هذا الواقع.
لم ينجح تيار (الوحدة الآسيوية) في إنتاج استجابة إقليمية موحدة لمواجهة الاستعمار، خلال الحرب العالمية الثانية كانت الدول الآسيوية منشغلة بصراعات مختلفة فالصين قاتلت اليابان الإمبراطورية والوطنيون الهنود حاربوا بريطانيا والإندونيسيون واجهوا الهولنديين وسكان الهند والصين صارعوا الفرنسيين واليابانيين معًا، بعض الحركات الوطنية اعتمدت على دعم اليابان أو ألمانيا لمواجهة القوى الاستعمارية الأوروبية بينما سعى آخرون للحصول على دعم غربي لمواجهة اليابان.
وقد اتبع تيار (الوحدة العربية) مسارًا مماثلًا، فقد بلغت رؤية الرئيس المصري جمال عبد الناصر في إقامة أمة عربية موحدة ذروتها بإنشاء الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 التي ضمت مصر وسوريا في دولة مركزية واحدة لكنها انهارت بعد أقل من ثلاث سنوات بسبب استياء السوريين من الهيمنة المصرية وليس بسبب ضغوط خارجية، كما فشلت الحكومات العربية في التحرك الجماعي تجاه القضية التي يفترض أن تجمعها فلسطين، ويُعدّ حظر النفط العربي عام 1973 أبرز أعمال التعاون العربي الجماعي لكنه سرعان ما انهار نتيجة تباين المصالح الوطنية.
وجاء الغزو العراقي للكويت عام 1990 ليؤكد محدودية الوحدة العربية إذ هاجمت دولة عربية أخرى وانقسم العالم العربي بشكل حاد وظلت جامعة الدول العربية متفرجة على أزمات المنطقة منذ ذلك الحين، وقد عززت الأحداث الأخيرة هذا النمط ذاته إذ لم يكن هناك أي رد جماعي عربي على الحملة العسكرية “الإسرائيلية” في غزة بعد هجوم حماس على “إسرائيل” في تشرين الاول 2023، حافظت مصر والأردن على معاهدات السلام مع “إسرائيل” واستمرت الإمارات والبحرين في علاقاتهما مع “إسرائيل” وفق اتفاقيات إبراهيم ما يوضح أن التضامن العربي ظل شعورًا سياسيًا دون ترجمة عملية حاسمة.
أما (الوحدة الاسلامية) فقد واجهت صعوبات مماثلة، فرغم أن منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة ذات غالبية مسلمة تصدر بيانات ملؤها التعبير عن الوحدة إلا أن الواقع السياسي يكشف خلاف ذلك، فقد خاضت إيران والعراق حربًا طويلة ودموية وكانت ليبيا والسودان مسرحًا لصراعات بين القوى الإسلامية المتنافسة واستمر الصراع الإقليمي بين السعودية وإيران عبر وكلاء مختلفين، واليوم تصاعدت المواجهة بين إيران ودول الخليج الملكية إلى مرحلة جديدة.

كما أظهرت المنظمات الإقليمية المبنية على التعاون العملي حدودها، فجمعية دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التي تُعتبر واحدة من أنجح التجمعات الإقليمية تعمل على أساس التوافق إلا أن هذا المبدأ غالبًا ما يشل قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة، فقد تعرضت الفلبين العضو المؤسس ورئيس الدورة الحالي لضغوط صينية مكثفة في بحر الصين الجنوبي، لكنها لم تتمكن من إصدار إدانة جماعية لبكين بسبب الترابط الاقتصادي العميق والعلاقات الاستراتيجية بين الصين وعضوين آخرين في المنظمة هما كمبوديا ولاوس.
وفي أمريكا اللاتينية فشل الاتحاد المؤلف من دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي في التوصل إلى قرار مشترك عندما تدخلت الولايات المتحدة في فنزويلا واختطفت الرئيس نيكولاس مادورو، إذ عارضت بعض الحكومات اليمينية، أبرزها الأرجنتين أي إدانة للإجراء الأمريكي. ويبدو أن مجموعة بريكس تتبع نفس المسار، فالهند التي تتولى رئاسة المجموعة حاليًا تواصلت مع وزير الخارجية الإيراني خلال الأزمة، ليس بهدف تنسيق رد جماعي بل لضمان سلامة الشحن الهندي عبر مضيق هرمز.
يبقى النظام العالمي قائمًا على الدول ذات السيادة حيث تُحاسب الحكومات أمام مجتمعاتها المحلية على تحقيق مصالح ملموسة تتعلق بالأمن والازدهار، قد تلهم شعارات التضامن العابر للحدود الخطاب السياسي، لكنها غالبًا ما تُهمل عند مواجهة المصالح الوطنية المباشرة.
لقد بنيت جامعة الدول العربية وآسيان وبريكس والكومنترن ومجموعة دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي ومنظمة التعاون الإسلامي على أساس تطلعات مشتركة عريضة، لكنها لم تكن كافية لإنتاج عمل جماعي فعال في مواجهة نزاع كبير، ما يؤكد أن التضامن العابر للحدود يظل غالبًا شعارات أكثر منه أفعالاً ملموسة.



