الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الاستهداف الممنهج للحشد الشعبي من قبل التحالف الصهيوأميركي – ج 1

التحديات والأبعاد الاستراتيجية ومستقبل العلاقات الثنائية العراقية - الأميركية

الجزء الاول

بقلم: د. مصدق عادل

كلية القانون/ جامعة بغداد

 

 

شكل ابتداء العدوان الصهيوامريكي ضد الجمهورية الإسلامية في ايران في 28 شباط 2026 مرحلة جديدة في إعادة رسم صراع النفوذ الدائر في منطقة “الشرق الأوسط”، حيث لم يقتصر هذا العدوان الصهيوامريكي على ايران فقط، وانما تعداه الامر الى شمول العراق به، حيث قام التحالف الصهيوامريكي باستخدام الأجواء العراقية لغرض تنفيذ هجمات بالطائرات والصواريخ على الجمهورية الإسلامية في ايران، فضلاً عن تصاعد هذه الانتهاكات لتصل الى حد الاستهداف الممنهج للعديد من مقرات الالوية التابعة لهيئة الحشد الشعبي المنتشرة في جميع المحافظات العراقية والتي تمخض عنها سقوط العديد من الشهداء والجرحى، وهو الامر الذي يمكن اعتباره انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام، وخروجاً على المبادئ الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، وما يترتب على ذلك من تهديد السلم والمجتمع الدوليين.

ومن اجل الوقوف على هذه التحديات الناجمة عن استمرار استهداف الحشد الشعبي، والابعاد التي يروم التحالف الصهيوامريكي تحقيقها لذا سنتناول ذلك تباعاً كالاتي:

 

اولاً: التكييف القانوني للحشد الشعبي في العراق

تعد هيئة الحشد الشعبي احدى التشكيلات العسكرية المستقلة التي ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، والتي تعد جزءاً لا يتجزء من القوات المسلحة العراقية، دون ان ترتبط بوزارة الدفاع، حيث تستقل هيئة الحشد الشعبي عن وزارة الدفاع وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري والفني في أداء الواجبات والمهام المناطة بالحشد وفقاً للتوجيهات الصادرة من القائد العام للقوات المسلحة وذلك استناداً للمادة (1/اولاً) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016.

ولا يقتصر الامر عند هذا الحد فحسب، بل نجد ان المشرع العراقي قد اقرّ في قانون هيئة الحشد الشعبي محاكاة نفس التنظيم العسكري الذي تتشكل به القوات المسلحة العراقية، حيث اقر القانون تشكيل الحشد الشعبي من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة، فضلاً عن اخضاع هيئة الحشد ومنتسبيها لسريان القوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي، كما اوجب القانون تكييف منتسبي ومسؤولي وآمري هذا التشكيل وفق السياقات العسكرية من تراتبية ورواتب ومخصصات وعموم الحقوق والواجبات، فضلاً عن إقرار هذا القانون فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي عن كافة الأُطر السياسية والحزبية والاجتماعية ولا يسمح بالعمل السياسي في صفوفه.

وبهذا يتضح تحقيق الفصل العضوي والوظيفي بين منتسبي هيئة الحشد الشعبي وبين منتسبي فصائل المقاومة الإسلامية في العراق، والتي شكل مجاهدوها في المرحلة الأولى البذرة واللبنة الأساسية في تشكيل الوية الحشد الشعبي اثناء عمليات تحرير العراق من دنس التنظيمات الإرهــ ـــابية عام 2014، غير ان الولايات المتحدة الامريكية و”إسرائيل” منذ التأريخ المذكور ولغاية يومنا هذا لازالوا يعتقدون بأن الحشد الشعبي وفصائل المقاومة العراقية وجهان لعملة واحدة على الرغم من اختلاف المركز القانوني والتمويل المالي والمهام والارتباط الفني بين التشكيلين الرسمي وغير الرسمي للأجنحة العسكرية العراقية.

بعبارة أخرى فانه في الوقت الذي يعد فيه الحشد الشعبي تشكيلاً عسكرياً يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة وينفذ المهام المناطة به، فضلاً عن وجود قاضي مكلف من مجلس القضاء الأعلى يختص بالنظر في جميع القضايا المرتبطة بمنتسبي الحشد الشعبي، مع التزام الحكومة العراقية ووزارة المالية بتمويل رواتب منتسبي الحشد الشعبي، نجد بالمقابل ان فصائل المقاومة الإسلامية لا ترتبط بالحشد الشعبي ولا تأتمر بالاوامر الصادرة من القائد العام للقوات المسلحة، وانما تخضع للتوجيهات والاوامر الصادرة من الأمين العام للتشكيل أو المجلس العسكري او الجهادي التابع لها، فضلاً عن عدم خضوعها لرقابة القانون أو القضاء في ممارسة المهام والأنشطة العسكرية والأمنية التي تؤديها سواء في الاستهداف المباشر للقوات الامريكية المحتلة المتواجدة في العراق أو خارجه، ناهيك عن استقلال هذه الفصائل العضوي والوظيفي في توفير الرواتب والمعاشات للمقاتلين العاملين فيها دون وجود أي التزام مالي مشترك مع هيئة الحشد الشعبي او الحكومة العراقية بهذا الشأن.

وعلى الرغم من ذلك غير أن التحالف الصهيوامريكي قد ابتدأ منذ البدايات الأولى للحرب على الجمهورية الإسلامية في ايران 28 شباط 2026 باستهداف قطعات والوية الحشد الشعبي دون التمييز بين هذه القوات العسكرية الرسمية وبين القوات العسكرية غير الرسمية التي تمثلها فصائل المقاومة الإسلامية في العراق.

 

ثانياً: استعراض الهجمات العسكرية من التحالف الصهيوامريكي ضد الوية ومقرات الحشد الشعبي

 

انسجاماً مع النظرة الخاطئة الناجمة عن عدم مراعاة الفصل العضوي والوظيفي بين مقاتلي هيئة الحشد الشعبي وبين مجاهدي فصائل المقاومة الإسلامية في العراق فقد اقدم التحالف الصهيوامريكي الغاشم على تنفيذ اكثر من (50) هجمة جوية على الوية ومقرات الحشد الشعبي في العراق منذ البدايات الأولى للحرب على الجمهورية الإسلامية في ايران، والتي نجملها وفق الجدول الاتي:

 

ت

منطقة الهجوم

المحافظة

التاريخ

اللواء المستهدف

عدد الشهداء والجرحى

1

جرف النصر (هجوم ثلاثي)

بابل

28 شباط 2026

اللواء 47

2 شهيد

3 جرحى

2

منطقة الوجيهية/ المقدادية

ديالى

1 اذار 2026

اللواء 41

4 شهداء

2 جرحى

3

بلدة باطنايا/تلكيف

نينوى

1 اذار 2026

اللواء 50

لا يوجد

4

عكاشات/القائم (هجوم مزدوج)

الانبار

1 اذار 2026

اللواء 45

4 شهيد

11 مصاب

5

جرف النصر

بابل

2 اذار 2026

اللواء 47

1 شهيد

1 جريح

6

القائم

الانبار

3 اذار 2026

اللواء 45 + مديرية الطبابة

13 شهيد

9 جرحى

7

الهرمات/غرب المول (قصف مزدوج)

نينوى

3 اذار 2026

اللواء 30 (فوج المهمات الخاصة)

5 جرحى

8

جرف النصر (قصف رباعي)

بابل

4 اذار 2026

اللواء 47

دون خسائر

9

بعقوبة

ديالى

4 اذار 2026

اللواء 24

1 شهيد

10

المنطقة الصحراوية في السماوة

المثنى

5 اذار 2026

3 جرحى

11

جرف النصر

بابل

6 اذار 2026

اللواء 47

12

القيارة/ الموصل

نينوى

6 اذار 2026

اللواء 41

13

سهل نينوى

نينوى

7 اذار 2026

اللواء 14

14

القائم (هجوم مزدوج)

الانبار

10 اذار 2026

4 جرحى

15

قضاء الدبس

كركوك

10 اذار 2026

اللواء 40

6 شهداء

20 جريح

16

الصويرة

واسط

11 اذار 2026

معسكر حمورابي

2 شهيد

عدد من الجرحى

17

جرف النصر

بابل

11 اذار 2026

اللواء 47

18

المسيب

بابل

11 اذار 2026

19

الرشيدية وشريخان

نينوى

11 اذار 2026

اللواء 14

20

كركوك خلف جامعة الامام جعفر الصادق(هجوم مزدوج)

كركوك

12 اذار 2026

فوج القوات الخاصة

1 شهيد

7 جرحى

21

عكاشات/ القائم (هجوم مزدوج)

الانبار

12 اذار 2026

اللواء 19

9 شهيد

6 جرحى

22

معسكر صقر

بغداد

12 اذار 2026

اللواء 45

2 شهيد

2 جريح

23

الحمرة

صلاح الدين

13 اذار 2026

24

الدبس

كركوك

13 اذار 2026

اللواء 40

25

القائم

الانبار

13 اذار 2026

26

القائم

الانبار

13 اذار 2026

اللواء 18

27

عرصات الهندية

بغداد

14 اذار 2026

اللواء 19

3 شهيد

8 جرحى

28

براوجلي

كركوك

17 اذار 2026

اللواء 52

29

القائم (هجوم ثلاثي)

الانبار

16 اذار 2026

اللواء 18

6 شهداء

4 جرحى

30

جرف النصر

بابل

17 اذار 2026

اللواء 47

دون خسائر

31

النباعي

بغداد

17 اذار 2026

اللواء 12

3 جرحى

32

الانبار

17 اذار2026

اللواء 65

33

الجرد/ قضاء الدبس

كركوك

18 اذار 2026

اللواء 40

دون خسائر

34

داقوق

كركوك

18 اذار 2026

اللواء 16

3 جرحى

35

طوزخرماتو

كركوك

18 اذار 2026

اللواء 63

3 جرحى

36

القائم

الانبار

18 اذار 2026

مقر قائد عمليات الانبار+اللواء 45

3 شهداء

37

الموصل

نينوى

19 اذار 2026

مقر قيادة عمليات نينوى

دون خسائر

38

الصينية/بيجي

صلاح الدين

19 اذار 2026

اللواء 31

1 شهيد

39

بيجي

صلاح الدين

19 اذار 2026

اللواء 6

3 جريح

40

قرب مطار حليوة/طوزخرماتو

كركوك

21 اذار 2026

اللواء 52

1 شهيد

41

عكشات

الانبار

21 اذار 2026

اللواء 19

42

جرف النصر (قصف رباعي)

بابل

22 اذار 2022

طبابة قيادة عمليات الجريرة

1 جريح

43

صلاح الدين

23 اذار 2026

اللواء 15

دون خسائر

44

الانبار

23 اذار 2026

اللواء 27

45

جرف النصر

بابل

23 اذار 2026

اللواء 47

2 جريح

46

القائم-عكاشات

الانبار

24 اذار 2026

قيادة عمليات الانبار

14 شهيد

47

الصينية/ بيجي (قصف مزدوج)

صلاح الدين

24 اذار 2026

اللواء 31

7 جرحى

48

الموصل

نينوى

24 اذار 2026

مكتب رئيس هيئة الحشد الشعبي

1 جريح

49

قاعدة الحبانية

الانبار

24 اذار 2026

مقر الطبابة

10 شهيد

15 جريح

50

القائم

الانبار

25 اذار 2026

اللواء 45

دون خسائر

51

القائم- سيطرة مشتركة مع الجيش

الانبار

25 اذار 2026

اللواء 45+الجيش

1 جريح

 

 

ثالثاً: موقف القانون الدولي من الاستهداف الممنهج للتحالف الصهيوامركي لالوية ومقرات الحشد الشعبي في العراق

سبق وان بينا ان الحشد الشعبي يعد تشكيلاً عسكرياً يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، ولهذا فان استهداف الحشد الشعبي يعد انتهاكاً بالسيادة العراقية الكاملة، ومن ثم تشكل هذه الهجمات العسكرية التي ينفذها التحالف الصهيوامركي انتهاكاً صارخاً بالقانون الدولي بصورة عامة وميثاق الأمم المتحدة بصورة خاصة.

بعبارة اخرى فان الاستهداف الممنهج للحشد الشعبي يشكل انتهاكاً لمبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول، مما يشكل مخالفة صريحة لأحكام الفقرة (1) من المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص “1. تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها”.

كما يخالف الاستهداف الممنهج مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية المنصوص عليه في الفقرة (3) من المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص “3. يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر”.

كما ان الاستهداف الممنهج ينتهك مبدأ منع استخدام القوة في العلاقات بين الدول، حيث تنص الفقرة (4) من المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة “يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد “الأمم المتحدة”.

فضلاً عن ذلك فان الاستهداف الممنهج للحشد يخالف المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني وهو الضرورة العسكرية، حيث ان الحشد الشعبي لم ينخرط في العمليات العسكرية الدائرة بين التحالف الصهيوامريكي والجمهورية الإسلامية في ايران، وان جميع العمليات العسكرية التي تم تنفيذها قد تمت من قبل فصائل المقاومة الإسلامية في العراق وليس الحشد الشعبي، مما يجعل مبدأ الضرورة العسكرية او تحقيق ميزة عسكرية غير متحقق في الهجمات التي تنفذها الولايات المتحدة الامريكية ضد الحشد الشعبي.

يضاف لما تقدم فانه في ظل تكرار واستمرار القصف الممنهج للحشد الشعبي فانه يثبت لجمهورية العراق وللحشد الشعبي الحق في الدفاع المشروع عن النفس وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص “1. ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس- بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق- من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه”.

 

 

 

رابعاً: التحديات التي تواجه استمرار الاستهداف الممنهج للحشد الشعبي في العراق

بعد ان كانت الهجمات الصهيوامريكية على الحشد الشعبي تتركز في منطقة القائم في محافظة الانبار ومنطقة جرف النصر في محافظة بابل في المرحلة الأولى من الاستهدافات العسكرية فقد تم توسيع هذه الهجمات لتشمل العديد من المحافظات الأخرى كالموصل وكركوك وصلاح الدين وبغداد وواسط وغيرها.

وبهذا يتضح أن التحدي الأول الذي يواجه العراق هو تحوّل هيئة الحشد الشعبي التي تعد تشكيلاً عسكرياً من هدف محايد تجاه العدوان الصهيوامريكي ضد ايران الى عدو صريح ومباشر لهذا التحالف، وما يترتب على ذلك من تحويل العراق إلى ساحة للحرب الإقليمية الدائرة.

فضلاً عن ذلك فان الاستهداف المتكرر للقائم وجرف النصر له علاقة مع التوسع الصهيوني ورغبته في إقامة الدولة الكبرى المزعومة من النيل الى الفرات، فضلاً عن الرغبة الصهيونية في قطع الجسر البري الإيراني المار من العراق، وهو الامر الذي سيترتب على استمرار هذه الهجمات الصهيوامركية في توسيع دائرة الاستهداف المتبادل بين الحشد الشعبي من جهة وبين “إسرائيل” من جهة أخرى.

أما التحدي الثاني فيتمثل بتعريض الاستقرار العسكري والأمني الحاصل في العراق الى الخطر، من اجل اظهار حاجة العراق الى استمرار المطالبة بوجود التحالف الدولي لمحاربة داعش في الأراضي والأجواء العراقية بصورة عامة واستمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق بصورة خاصة، وهو الامر الذي يشكل بوابة لغرض مطالبة الحكومة الحالية أو القادمة بالوجود العسكري الأمني من اجل منع تداعيات واثار هذا الاستهداف الممنهج والعداء المعلن للولايات المتحدة الامريكية، سواء من قبل الحشد الشعبي او فصائل المقاومة أو باقي فئات الشعب المؤيدة والداعمة للجمهورية الإسلامية في ايران في حربها ضد التحالف الصهيوامريكي.

ولعل التحدي الأكبر الناجم عن استمرار استهداف الحشد الشعبي يتمثل في توسيع نطاق الاستهدافات لتشمل استهداف الجيش العراقي كما حصل في يومي 24 و25 اذار 2026 في الانبار، وهو الامر الذي يفهم منه انصراف نية الولايات المتحدة الامريكية إلى اظهار عجز الحكومة العراقية والقائد العام للقوات المسلحة والقوات المسلحة عن رد الاعتداءات الحاصلة على السيادة الوطنية الكاملة في العراق، مما قد يؤدي في نهاية المطاف الى استدراج الحشد الشعبي الى الصراع والذي يتجلى من خلال انفراد بعض الالوية في الحشد الشعبي بتنفيذ هجمات عسكرية (غير رسمية) ضد القوات الامريكية ومصالحها في العراق بمعزل عن علم وموافقة القائد العام للقوات المسلحة، وما يترتب على ذلك من نتائج سلبية على الموقف الرسمي العراقي تجاه الحرب الدائرة بين التحالف الصهيوامريكي وايران على الرغم من التزام الحكومة العراقية بموقف الحياد في هذه الحرب.

 

وبهذا يمكن القول أن العراق تحول الى ساحة حرب ظل (غير معلنة) معقدة متعددة الأطراف في ظل الاعتداءات والهجمات العسكرية المتكررة للولايات المتحدة الامريكية و”إسرائيل” على الحشد الشعبي، حيث تتقاطع على أراضيه عمليات غير معلنة ضمن الصراع الإقليمي الدائر في “الشرق الأوسط”، وهو الامر الذي يحمل في طياته دلالات خطيرة على تحول العراق الى ساحة مواجهة غير مباشرة ضمن الصراع الإقليمي الأكبر في المنطقة، مما يفرض العديد من التحديات على الحكومة العراقية في تعزيز منظومة السيادة الاستخبارية والإنذار المبكر لمنع تحويل أراضيها إلى مسرح دائم لتصفية الصراعات الدولية والإقليمية في منطقة “الشرق الأوسط”، واتخاذ قرارات مصيرية في مواجهة هذه الانتهاكات المتكررة للسيادة العراقية بصورة عامة والحشد الشعبي بصورة خاصة.

 

وهو ما تمخض عنه اتخاذ المجلس الوزاري للامن الوطني العراقي يوم 23 اذار 2026 العديد من الإجراءات الرسمية ومنها استدعاء القائم بالاعمال في السفارة الامريكية وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية على السلوك العدواني للولايات المتحدة الامريكية ضد العراق، فضلاً عن تقديم شكوى دولية امام مجلس الامن الدولي عن هذه الانتهاكات المستمرة للسيادة العراقية.

 

خامساً: الابعاد الاستراتيجية للاستهداف الممنهج للحشد الشعبي في العراق

ان تكرار القصف الصهيوامريكي الممنهج على الوية الحشد الشعبي له العديد من الابعاد الاستراتيجية العامة والخاصة.

فبالنسبة للاهداف العامة فان الولايات المتحدة الامريكية تنظر الى الحشد الشعبي على انه من جيوش الظل التي لها ارتباطات مع الحرس الثوري الإيراني، ومن ثم يشكل الحشد الشعبي مصدر خطر مستمر للمصالح الامريكية في العراق بصورة عامة، فضلاً عن تهديده للمصالح الصهيونية وإقامة الدولة المزعومة بصورة خاصة.

وبهذا فان البعد الاستراتيجي الأول يتمثل في تعبيد الطريق امام “إسرائيل” في بسط نفوذه في الصحراء الغربية والحدود العراقية في القائم بعد ان قام بالسيطرة على العديد من المناطق السورية في اطار إقامة الدولة المزعومة.

أما بالنسبة الى الابعاد الخاصة للهجمات الممنهجة ضد الحشد الشعبي في القائم وجرف النصر، فان منطقة القائم تعد من المناطق المفصلية الاستراتيجية التي تربط غرب الأنبار بالحدود السورية، وتتحكم بخطوط انتقال الأفراد والسلاح والإمداد بين العراق وشرق سوريا، وكانت هذه المنطقة ثد شكلت سابقاً قلب الهلال الشيعي الممتد من لبنان سوريا العراق ايران، ومن ثم تقوم الاستراتيجية الصهيونية الامريكية على تفكيك العمق اللوجستي لفصائل المقاومة الإسلامية في هذه المنطقة التي تشكل جوهر عمليات انتقال المقاتلين وامدادات السلاح، واضعافها بصورة تدريجية من اجل تمكين النفوذ الصهيوني في المناطق المحاذية للعراق أو في الصحراء الغربية في الانبار.

وينطبق الامر ذاته بالنسبة الى منطقة جرف النصر التي تعتبرها الولايات المتحدة الامريكية و”إسرائيل” المصدر الأساسي والجوهري للتهديدات الحالية والمستقبلية التي تشكلها فصائل المقاومة الإسلامية في العراق تجاه توسيع النفوذ الصهيوامريكي في العراق، فضلاً عن اعتبارها العقل المدبر لعمليات استهداف المصالح الامريكية والصهيونية داخل العراق وخارجه.

وبهذا فان استمرار القصف الممنهج للحشد الشعبي والجيش العراقي من قبل القوات الامريكية قد يؤدي الى إعادة النظر في مستقبل العلاقات الثنائية العراقية الامريكية، وما يترتب عليه من رسم خارطة جديدة في ضوء هذه التداعيات، وهو ما سيكون محور الجزء الثاني من الدراسة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى