الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

حرب الطاقة: تداعيات الحرب الإيرانية الأميركية على أمن الطاقة العالمي

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تمثل منطقة الخليج واحدة من اهم المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للمصالح الحيوية للولايات المتحدة وذلك لان حوالي 30% من انتاج الطاقة العالمي يأتي من هذه المنطقة وبحكم تداعيات الحرب الامريكية على ايران، التي دفعت ايران الى الإعلان عن اغلاق مضيق هرمز، مما أدى ذلك الى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية وفرض تحديات كبيرة على تأمين الطاقة سواء للدول المنتجة أم المصدرة لاسيما وان العالم مازال يعاني من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على امدادات الطاقة، تحاول هذه الورقة قراءة المشهد الراهن وتحليل تداعياته على امن الطاقة العالمي.

 

اولاً: تداعيات الحرب على انتاج الطاقة

تعد المواجهة الراهنة بين الجمهورية الاسلامية في ايران من جهة والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة من اشد المواجهات تهديدا  لمنابع الطاقة في منطقة الخليج لاسيما وان “إسرائيل” عملت على استهداف خزانات تخزين النفط الإيراني وحقل بارس للغاز، ما دفع ايران الى استهداف محطات الطاقة وخزانات الغاز والنفط في دول الخليج، ما اثر على عملية انتاج النفط، كما ان قيام الجمهورية الاسلامية في ايران بإغلاق مضيق هرمز ومنع مرور السفن عبر المضيق أدى الى اجبار حقول النفط والغاز في دول الخليج والعراق الى اعلان حالة القوة القاهرة التي تجبر الحقول تلك على التوقف عن الإنتاج، وهي حالة تؤدي الى تعطيل انتاج الطاقة في واحدة من اغنى أسواق الطاقة في المنطقة.

لقد فرضت هذه الحرب تحديات كبيرة على عملية انتاج الطاقة في الدول المنتجة في المنطقة سواء بالنسبة للجمهورية الاسلامية في إيران او بالنسبة للعراق ودول الخليج، فقد اضطر العراق والكويت الى تقليص الإنتاج بسبب امتلاء الخزانات المحلية منذ أوائل اذار 2026 فيما أوقفت قطر انتاج الغاز المسال في حقول راس لفان ومسيعيد بعد تعرضها لهجمات من طائرات مسيرة إيرانية، مما أدى الى تراجع صادرات الغاز العالمية بنسبة 20%، حيت تراجعت امدادات الغاز والنفط الى السوق العالمية بنسبة 20% مما أدى الى تقلص المعروض وادى الى ارتفاع الأسعار حيث وصل سعر برميل النفط  ليتجاوز 100 دولار للبرميل في اول قفزة كبرى له منذ  الحرب الروسية الأوكرانية.

 

 

وقد اسفرت الحرب عن ضربات متبادلة بين الجمهورية الاسلامية في ايران من جهة والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى حيث ان هذه الضربات اثرت بشكل كبير بالإضافة الى اغلاق مضيق هرمز على انتاج الطاقة بالنسبة للدول المصدرة للنفط والغاز في المنطقة مما أدى فرض تحديات إضافية على الدول المنتجة لتأمين صادراتها من الطاقة، حيث عملت السعودية على التصدير عبر أنبوب شرق- غرب الذي يصل الى ميناء ينبع على البحر الأحمر في محاولة لتعويض انقطاع مضيق هرمز، الا ان الانبوب لا يسع سوى لتصدير 5 ملايين برميل يومياً مما قلص الإنتاج السعودي الأكبر عالميا من النفط الى قرابة النصف.

اما العراق فبات يسعى للبحث عن بدائل لتصدير النفط مما اجبره على إعادة تفعيل خط كركوك جيهان التركي  للتصدير عبر البحر المتوسط والذي سبق ان اوقفته الحكومة الاتحادية بقرار من المحكمة الاتحادية وذلك في محاولة لتصدير 600 الف برميل يوميا حيث سيبدأ بواقع 170 الف برميل، كما تحاول الحكومة أصلاح خط كركوك جيهان القديم الذي تعرض لعمليات تخريب على طول 100 كم لإعادة تفعيله مما يجعل العراق قادر في حال تفعيل الخطين للوصول الى قدرة تصدير بحوالي 1.6 مليون برميل في اليوم، وكذلك يحاول العراق زيادة  التصدير الى الأردن عبر الصهاريج برا الى 30 الف برميل يوميا بعدما كانت تبلغ حوالي 15 الف برميل يومياً، بمعنى ان انتاج العراق للنفط تقلص الى حدود ثلث الكمية المنتجة يومياً في الظروف الطبيعية عبر مضيق هرمز والبالغة 3 ملايين برميل يومياً، مما يكبد العراق خسائر كبيرة كونه دولة ريعية تعتمد بحوالي 90% من إيراداتها على النفط.

 

ثانياً: تحديات تأمين موارد الطاقة على الدول المستوردة خلال الحرب

لقد فرضت الحرب تحديات اكبر على الدول المستوردة للطاقة والتي تعتمد في ادامة انتاجها الصناعي والزراعي وادامة حالة رفاهية سكانها على واردات الطاقة من الدول المنتجة، لاسيما في أوروبا التي باتت تعاني بشكل كبير من انقطاع صادرات مضيق هرمز، حيث كانت هذه الدول تعتمد بشكل أساس على الغاز والنفط الروسي في تلبية احتياجاتها من الطاقة قبل ان تفرض عقوبات على صادرات الطاقة الروسية نتيجة للحرب الروسية الأوكرانية ما أدى الى انقطاع امدادات الطاقة الروسية، في حين سعت الدول الأوروبية للبحث عن بدائل لتوريد الطاقة اليها كانت من ابرزها دول الخليج التي باتت تغطي جزء من احتياجات دول أوروبا من الطاقة لسد العجز الناجم عن غياب الطاقة الروسية، لكن اليوم مع انقطاع طريق مضيق هرمز وعدم قدرة دول الخليج على تصدير الطاقة الى أوروبا باتت هذه الدول تواجه تحديات كبيرة في تامين احتياجاتها من الطاقة لاسيما مع تآكل المخزونات الاستراتيجية التي استُنزفت خلال الأعوام الماضية لتغطية غياب الغاز الروسي. هذا الانكشاف الطاقي وضع القارة العجوز أمام خيارات أحلاها مرّ، فإما القبول بانهيار صناعي نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو تحسين العلاقات مع روسيا لاستعادة خط الاستيراد القديم، أو الدخول كطرف مباشر في تأمين الممرات المائية، مما يعني امكانية تدويل الصراع وتحوله من مواجهة إقليمية إلى صدام عالمي تشترك فيه القوى المستهلكة الكبرى لحماية مصالحها الحيوية.

اما بالنسبة للصين فتعد اكبر مستورد للنفط الإيراني حيث تستورد حوالي 91% من الصادرات الايرانية النفطية، إذ مازالت الجمهورية الاسلامية في إيران رغم الحرب قادرة على تصدير النفط من جزيرة خارك (خرج) الى الصين ، لذلك حتى الآن لم تتأثر الصين بالحرب الجارية في الوقت الراهن لكن أمن امداداتها النفطية قد يصبح مهدداً في حال قيام الولايات المتحدة بتنفيذ تهديدها بإستهداف البنية التحتية الايرانية في جزيرة خارك الاستراتيجية في إطار الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز.

 

جزيرة خارك الإيرانية

 

اما الهند فقد تأثرت بشكل كبير من أزمة مضيق هرمز حيث تراجعت وارداتها النفطية الى 23% منذ بداية شهر آذار مقارنة بشهر شباط، كما تواجه الهند تحديا في تأمين الغاز لاسيما بعد اعلان شركة كبرى مثل قطر للغاز القوة القاهرة على بعض عقود التوريد بما فيها العقود الهندية مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز محليا في الهند، فيما ادى تعطل سلاسل التوريد في الخليج الى تكدس الحاويات وارتفاع تكاليف الشحن، فيما ادى ارتفاع أسعار النفط الى أكثر من 100 دولار للبرميل الى تداعيات اقتصادية على الاقتصاد الهندي ادت لرفع وتيرة التضخم في الروبية الهندية.

وكنوع من إجراءاتها للتكيف مع الازمة تعمل الهند على زيادة وارداتها من النفط الروسي مستغلة سماح ادارة ترامب في رفع الحظر بشكل مؤقت عن صادرات النفط الروسي لتخفيف ازمة تقلص المعروض في السوق العالمية الناتج عن ازمة غلق مضيق هرمز، كما قامت باستخدام مخزونها الاستراتيجي من النفط الخام، فيما تعمل الهند على التفاوض دبلوماسيا مع إيران لضمان مرور سفنها العالقة في المضيق، حيث تستهلك الهند حوالي 5 ملايين برميل يوميا بينما يمر عبر مضيق هرمز حوالي 2 مليون برميل من احتياجات الهند اليومية، ما دفعها للبحث عن بدائل تعوض النقص في امدادات النفط.

 

ثالثاً: تداعيات الحرب في إعادة تشكيل بنية الطاقة العالمية

تشكل الحرب الامريكية على الجمهورية الاسلامية في إيران ، وتحديداً مع امتدادات هذه الحرب للتحول الى ازمة تتعلق  بمضيق هرمز وتحول الحرب الى حرب استهداف متبادل لمنشآت الطاقة، ما أدى الى زلزال في “بنية الطاقة العالمية”، فلم تعد تقتصر التأثيرات على أسعار النفط فقط، بل امتدت لتعيد تشكيل خارطة الإمدادات بالكامل وذلك من خلال مجموعة من التداعيات الاستراتيجية كالاتي:

 

  1. نهاية عصر “الإمدادات الرخيصة والمستقرة”

تسببت الأزمة في إضافة ما يسمى بـ “ضريبة المخاطر الجيوسياسية” بشكل دائم على أسعار البرميل. فلم يعد العالم ينظر إلى نفط الخليج كخيار آمن بنسبة 100%، مما دفع الدول المستهلكة (مثل الصين والهند) إلى تسريع بناء مخزونات استراتيجية ضخمة تكفي لعدة أشهر بدلاً من أسابيع.

 

  1. زيادة التوجه الاضطراري نحو “الطاقة البديلة” و”النووية”

لقد  عجّلت  الأزمة من خطط التحول الطاقي، فالدول التي تضررت من انقطاع الغاز والنفط (خاصة في آسيا وأوروبا) بدأت تضخ استثمارات هائلة في الهيدروجين الأخضر والمفاعلات النووية الصغيرة  لتقليل الاعتماد على الطاقة الاحفورية لاسيما تلك التي تمر امداداتها  عبر الممرات المائية الخطرة.

 

  1. إعادة رسم خريطة التجارة (روسيا وأفريقيا والبرازيل)

نتيجة للازمة الراهنة في امدادات الطاقة عززت روسيا مكانتها كمورد بديل للطاقة “بري” أو عبر مسارات بعيدة عن هرمز، مستغلة حاجة آسيا الماسة للنفط، اما بالنسبة لأوروبا فقد زادت من الاعتماد على نفط البرازيل، غيانا، وغرب أفريقيا، كونها مناطق تصدير لا تمر عبر مضائق مزدحمة أو مناطق نزاع مباشر.

 

  1. عسكرة ممرات الطاقة

تحولت بنية الطاقة من قضية اقتصادية إلى قضية أمن قومي عسكري. حيث تطالب الولايات المتحدة بتشكيل  تحالف بحري  دولي  لحماية ناقلات النفط والغاز، مما زاد من عملية استخدام الطاقة كسلاح في الحرب الدائرة بواسطة أطراف النزاع.

 

  1. أزمة الغاز المسال (LNG) والسيادة الطاقية

بما أن قطر هي المورد الرئيسي للغاز عبر هرمز، فإن تعطل الإمدادات دفع الدول الأوروبية للعودة مؤقتاً إلى الفحم أو إطالة عمر محطات الطاقة النووية التي كان من المقرر إغلاقها، مما أبطأ قليلاً من مستهدفات “الحياد الكربوني” مقابل تأمين “السيادة الطاقية”، لكي لا تضطر هذه الدول للحوار مع روسيا من اجل استعادة واردات روسيا من الطاقة في ظل استمرار الحرب الروسية الاوكرانية والموقف الأوروبي المناوئ لروسيا في هذه الحرب.

 

  1. طفرة في تكنولوجيا “تسييل الغاز” العائمة

بدأت الشركات العالمية تستثمر بكثافة في محطات إعادة التغويز العائمة (FSRU)، وهي سفن تتيح للدول استقبال الغاز من أي مكان في العالم دون الحاجة لخطوط أنابيب ثابتة قد تتعرض للتفجير أو الإغلاق.

 

الخاتمة

بالختام يمكن القول ان العالم بات يتجه نحو “اللامركزية في الطاقة”، من خلال  محاولة كل إقليم تأمين مصادره محلياً أو عبر مسارات برية، لتقليل الارتهان للمضائق المائية الحساسة، كما ان هذه الازمة ستدفع الدول المستوردة للطاقة وفقا لمبدأ التحدي والاستجابة لمواجهة تحدي شحة المعروض من الطاقة الاحفورية في السوق العالمية عبر زيادة الاستثمارات لزيادة وتيرة التحول نحو الطاقات البديلة النظيفة، مما قد ينعكس ايجابياً بالمستقبل على تراجع ظاهرة التلوث البيئي والتغير المناخي، كما ان الدول المصدرة للطاقة في منطقة الخليج باتت تعمل على البحث عن طرق بديلة لتصدير منتجاتها ولو بكميات اقل من حصتها في السوق ما كشف الخلل الاستراتيجي الذي وقعت به هذه الدول والتي من بينها العراق من خلال الاعتماد على منفذ واحد لتصدير النفط والغاز عبر مضيق هرمز بدلاً من تنويع طرق منافذ التصدير.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى