الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

مضيق هرمز.. اليد العليا لإيران وخيارات محدودة أمام الولايات المتحدة

بقلم: كايتلن تالمادج

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

في الظروف الاعتيادية تمر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز الممر المائي الضيق الواقع مقابل الساحل الجنوبي لإيران، غير أن حركة ناقلات النفط عبر المضيق شهدت خلال الأسبوع الماضي انخفاضًا حادًا نتيجة للتهديدات الإيرانية باستهداف أي سفن تحاول المرور، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وأثار حالة من القلق الاقتصادي العالمي. وقد بدا أن مسؤولي إدارة ترامب فوجئوا بالاضطرابات التي شهدتها أسواق النفط العالمية، ووفقًا لشبكة CNN أفاد هؤلاء المسؤولون المشرعين في إحاطات سرية بأنهم لم يكونوا مستعدين لاحتمال محاولة إيران إغلاق المضيق ردًا على الضربات الأمريكية، وبعد أن طرحت الإدارة في البداية فكرة مرافقة البحرية الأمريكية لناقلات النفط خلال العبور صرّح الرئيس دونالد ترامب لاحقًا بأن الناقلات ينبغي أن تعبر المضيق بمفردها، مستندًا إلى تقييمه بأن معظم القوات البحرية الإيرانية قد دُمّرت أو غرقت “في قاع المحيط”. ومع ذلك وحتى مع استنزاف الجزء الأكبر من البحرية الإيرانية التقليدية يبدو أن التهديد قائم من البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي، فقد خططت هذه القوة منذ وقت طويل لعرقلة حركة السفن في المضيق من خلال منظومة متكاملة تشمل الألغام البحرية والصواريخ والطائرات المسيّرة والغواصات الصغيرة والزوارق السطحية غير المأهولة والزوارق السريعة المسلحة، وعلى الصعيد الفردي تردع هذه القدرات معظم شركات الشحن عن دخول الخليج وهو ما يفسر رفض البحرية الأمريكية توفير مرافقة للناقلات، لكن إذا تم تنسيق هذه القدرات وربطها بطريقة تكاملية وتآزرية فقد تتحول إلى ما يشبه “المسار الإيراني المحاصر” داخل المضيق ما يجعل إزالة هذه التهديدات عملية مستهلكة للوقت مكلفة ومعقدة بالنسبة للولايات المتحدة.

وتزداد هذه المخاطر بشكل كبير إذا نجحت إيران في نشر حقول ألغام واسعة، فعملية تطهير الألغام دائمًا ما تكون بطيئة ومعقدة ويزداد التعقيد في حال تنفيذها أثناء حرب شاملة خصوصًا مع التهديد المستمر من صواريخ كروز مضادة للسفن والطائرات المسيّرة وبقية الأصول البحرية الإيرانية، وتعتمد قدرة إيران على تنفيذ مثل هذه الحملة على مدى الأهداف التي سبق للولايات المتحدة استهدافها على طول الساحل الجنوبي بالإضافة إلى مدى استعداد إيران للتعامل مع هذا السيناريو قبل اندلاع الحرب، وبغض النظر عن ذلك فإن أي حملة إيرانية تستهدف حركة ناقلات النفط في الخليج ستضع الولايات المتحدة أمام خيارات استراتيجية صعبة وقد تؤدي إلى تصعيد إضافي في المنطقة.

 

حديث المضيق

قضى الحرس الثوري الإيراني عقودًا في تطوير قدرات عسكرية تستهدف حركة السفن في مضيق هرمز، ولم تُنشَر هذه القدرات بالكامل إذ إن إغلاق المضيق بالكامل من شأنه أن يعيق قدرة إيران على تصدير النفط ويثير ردود فعل اقتصادية عالمية، ومع ذلك صُممت هذه القدرات لتكون أداة ضغط ضد الدول الأكثر قوة تقليدية مثل الولايات المتحدة و”إسرائيل” ** في حال اندلاع أزمة أو حرب شاملة وهو السيناريو الذي تواجهه إيران حاليًا. قبل الحرب أشارت بعض التقديرات إلى أن إيران قد جمعت ترسانة تُقدر بحوالي 5,000 لغم بحري، ومن المرجح أن بعض هذه الألغام تقليدية تعتمد على الاتصال المباشر على غرار الألغام التي استخدمتها إيران خلال حروب ناقلات النفط في الثمانينيات عندما استهدفت إيران والعراق سفن بعضهما البعض، بينما يُحتمل أن تكون بعض الألغام الأخرى من النوع المتأثر بالبيئة البحرية والتي يصعب اكتشافها إذ تنفجر استجابةً للمؤثرات الصوتية أو المغناطيسية أو الضغوطية ومزودة بأجهزة توقيت وعداد للسفن للتحكم الدقيق في انفجارها، كما كان لإيران وسائل متعددة لنشر هذه الألغام بما في ذلك الغواصات الصغيرة ومئات السفن الصغيرة الموزعة على طول الساحل الجنوبي.

لا يُعرف بعد مدى نجاة الألغام الإيرانية ووسائل نشرها من آثار الحرب، وأوضح دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية في 10 اذار أن الجيش الأمريكي “يواصل حتى اليوم مطاردة واستهداف السفن المخصصة لزرع الألغام ومستودعات الألغام”، ومن ثم من الممكن أن تكون الحرب الإيرانية على الألغام محدودة التهديد فعليًا، ومع ذلك هناك احتمال أن تكون إيران قد وزعت أصولها قبل الحرب بما يتيح لبعضها النجاة من الحملة الأمريكية، فقد يكون قد تم توزيع الألغام على سفن صغيرة وغواصات متعددة في مواقع مختلفة على طول الساحل مستفيدين من شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف التي صممت لإخفاء وحماية هذه السفن حتى وقت دخولها المياه. وبالرغم من المراقبة المستمرة من قبل الولايات المتحدة قد تتمكن بعض هذه السفن من الوصول إلى المضيق بفضل سرعتها وصغر حجمها وتعددها، وحتى إذا أفرغت كل سفينة لغمين أو أربعة فقط فإن إيران تمتلك مئات من هذه المنصات، ما يجعل من الممكن تصور نشر مئات الألغام بهدوء على مدى أيام أو أسابيع.

تاريخيًا أظهرت التجارب أن حتى أعدادًا محدودة نسبيًا من الألغام يمكن أن تحدث تأثيرات كبيرة، فعلى سبيل المثال في عام 1972 أوقفت الولايات المتحدة حركة السفن في ميناء هاي فونغ بفيتنام الشمالية بمجرد إسقاط 36 لغمًا فقط، وفي عام 1991 تمكن العراقيون من ردع هجوم أمريكي بري من خلال نشر 1,000 لغم قبالة سواحل الكويت أصاب اثنان منها سفنًا أمريكية دون أن يغرقاها، وفي عام 1950 أبطأ الكوريون الشماليون هبوط القوات الأمريكية في ونسون عن طريق نشر 3,000 لغم على مساحة 50 ميلًا مربعًا.

 

 

تشير هذه التجارب إلى أن أي حملة متواضعة نسبيًا من إيران لزرع الألغام قد تعرقل مرور ناقلات النفط عبر المضيق كما يبدو أن تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قد فعلت خلال الأسبوع الماضي، ومن غير المرجح أن تُغرق الألغام الناقلات فعليًا إذ إن الناقلات تتميز بالطفو وتقسيم الحواجز الداخلية، ومع ذلك فإن التهديدات الموجهة للطاقم واقعية وتبدو بالفعل كعامل أساسي في الحد من حركة المرور في المضيق حتى دون الحاجة لوضع الألغام فعليًا. وقد أعلنت إيران أيضًا مسؤوليتها عن هجوم على ناقلة في المياه العراقية يُرجّح أنه استخدم زورقًا مسيّرًا- أي ما يشبه طائرة مسيّرة سطحية- وهو نوع من الوسائط استخدمه كل من الأوكرانيين والحوثيين بنجاح لإغراق السفن، ويجسد هذا الهجوم مدى الاستعداد الإيراني للحظة الراهنة ويبرز استراتيجية طهران في التهيؤ لمواجهة أي تحرك محتمل ضدها في مضيق هرمز.

 

خيارات محدودة أمام الولايات المتحدة

ادعى الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك “أعظم قدرة على إزالة الألغام” إلا أن البحرية الأمريكية لم تعطي أولوية حقيقية لمهام تطهير الألغام البحرية، ففي الخريف الماضي أُخرجت آخر سفينة مخصصة لمكافحة الألغام من الخليج العربي ولم يتبقَّ سوى أربع سفن من هذا النوع وهي جميعها متمركزة في اليابان، وتعتمد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لإزالة الألغام على الجمع بين سفن القتال الساحلية والمروحيات والمركبات البحرية غير المأهولة، غير أن هذا المفهوم لم يُختبر قط في بيئة قتالية فعلية.

تاريخيًا كانت عمليات إزالة الألغام بطيئة وشديدة الصعوبة خصوصًا تحت نيران العدو، فعلى سبيل المثال استغرقت الولايات المتحدة وحلفاؤها 51 يومًا لإزالة 907 ألغام قبالة سواحل الكويت عام 1991 وذلك بعد انتهاء حرب الخليج ومع الاستفادة من خرائط الألغام التي قدمها العراق المهزوم، وإذا ما قامت إيران بزرع الألغام في مضيق هرمز واستمر النزاع ستواجه الولايات المتحدة قرارًا عسيرًا بشأن إرسال سفن حربية ومروحيات باهظة الثمن إلى مقربة من الساحل الإيراني لتنفيذ مهام التطهير مع احتمال تعرض هذه المنصات لهجمات بالصواريخ البحرية والطائرات المسيّرة والزوارق الصغيرة، وفي الواقع فإن دفع هذه المنصات إلى مرمى إيران قد يكون أحد أهداف طهران الاستراتيجية الرئيسية. لا ينبغي التقليل من قدرات البحرية الأمريكية على مواجهة الأهداف المتحركة ومن ثم فإن النجاح الإيراني في إعاقة عمليات التطهير ليس مضمونًا..

 

ومع ذلك فإن استمرار العمليات في الخليج على مدى أيام أو أسابيع يمنح إيران العديد من الفرص لتحقيق إصابات محدودة أو إبطاء العمليات وهو ما يخدم مصالحها الاستراتيجية، إيران تعتمد على عامل الزمن لصالحها وترى أن استدراج الولايات المتحدة إلى حملة طويلة الأمد يعزز نفوذها ويزيد من فرصها في الضغط على واشنطن.

 

وعند مواجهة المهمة المعقدة المتمثلة في حماية المضيق وسط نزاع مسلح شامل قد تميل الولايات المتحدة للرد على تصعيد إيران بتصعيد مماثل لكن هذه الخيارات نفسها محفوفة بالمخاطر، فمثلًا قد تسعى واشنطن للسيطرة على الساحل الإيراني من خلال نشر قوات مشاة البحرية أو قوات العمليات الخاصة إلا أن هذا الخيار يزيد من احتمالات الخسائر البشرية ويدخلها في مستنقع طويل الأمد، أما خيار تصعيد الحملة الجوية لإجبار إيران على إنهاء النزاع فيواجه تحديات مماثلة إذ قد تكون أهداف الضرب محدودة أو مستنفدة بالفعل ما يقلل من فعالية الضغط على النظام الإيراني، وربما يفسر ذلك استعداد إيران اليوم أكثر من أي وقت مضى لإغلاق المضيق.

باختصار إذا نجحت إيران في زرع الألغام بشكل فعال فإن جميع الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة ستكون دون المستوى الأمثل، لذلك يجب على واشنطن التركيز بشكل عاجل على منع إيران من نشر الألغام من البداية والبحث عن مخرج دبلوماسي لتخفيف حدة النزاع، وإلا فإن أي إعاقة مستمرة لحركة المرور في المضيق ستصبح مجرد أحد الإجراءات التي أعدتها إيران مسبقًا وستنفذها الآن وفق استراتيجيتها طويلة الأمد.

 

* Caitlin Talmadge, The Hormuz Minefield in the Strait, Iran Holds the Advantage—and America Has No Good Options, Foreign Affairs, March 13, 2026.
**  لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى