الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الصين لن تتحمّل مسؤولية الأمن لإيران
بكين ليست بصدد تقليد التزامات التحالفات العسكرية للولايات المتحدة

بقلم: تشن ونغ
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
بالنسبة للعديد من المحللين الغربيين يبدو أن رد فعل الصين على أزمة إيران يؤكد حكمًا مألوفًا بأن بكين صديق غير موثوق به، فهي تشتري النفط الإيراني وتدين أي عمل عسكري أحادي الجانب وتدعو إلى ضبط النفس لكنها تتوقف قبل أن تفعل ما يعتقد هؤلاء المحللون أن القوة الكبرى يجب أن تفعله لشريك تحت الضغط، أي تقديم الدعم العسكري المباشر أو من خلال تزويده بالأسلحة والتمويل. ومن المؤكد أن الصين ليست على استعداد للقيام بنفس الدور الذي تتحمل الولايات المتحدة طويلاً تجاه شركائها، لكن هذا لا يعني أن الصين عديمة الفاعلية ولا يعني أن علاقاتها مع إيران غير صادقة، إنه يعني قبل كل شيء أن الكثير من المراقبين ما زالوا يقيسون كل قوة صاعدة وفق نموذج أمريكي. في واشنطن يُفهم مفهوم القوة وفق قواعد التحالفات وضمانات الأمن وتحويل العلاقات السياسية إلى التزامات عسكرية، وبمجرد افتراض أن هذا النموذج عالمي يصبح أي رفض للقيام بدور الراعي العسكري دليلًا على الضعف، ومع ذلك لم تنظم بكين القوة بهذه الطريقة أبدًا والأسباب وراء ذلك ليست مجرد حسابات متشائمة بسيطة.
تُعطي الصين الأولوية أولًا لاهتماماتها الداخلية، فمهما بلغت قوة الصين، فإنها تظل منشغلة بالتحديث الداخلي تعزيز الطلب خلق فرص العمل إدارة الديون مواجهة الضغوط الديموغرافية صيانة التقدم التكنولوجي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، ويُقيَّم السياسة الخارجية أساسًا على ما إذا كانت تضمن بيئة خارجية قابلة للتعامل بما يخدم الأهداف الداخلية مثل ضمان الوصول المستقر إلى الأسواق أو التكنولوجيا، إن الالتزامات العسكرية المفتوحة لشركاء بعيدين تتعارض مع هذا الترتيب خصوصًا في وقت تظل فيه الاختبارات الاقتصادية والسياسية الجوهرية للصين محلية. كما يشكل الذاكرة التاريخية تقليدها الاستراتيجي، فقد تشكلت الهوية السياسية للصين الحديثة عبر تجارب الغزو والإكراه والإذلال الوطني، وبلد عاش مثل هذه التجارب أقل ميلًا لتصوير فكرة أن الدول القوية يجب أن تتدخل عسكريًا في الخارج لإعادة ترتيب الدول الأضعف بالقوة، قد يُنظر إلى هذا على أنه دعاية لكنه الرسالة التي ظلّت الدولة تنشرها داخليًا بما في ذلك في المناهج الدراسية.
وسجل الصين التاريخي يدعم هذا الغريزة خارج حرب كوريا التي شكلت تهديدًا لحدودها، نادرًا ما استخدمت الصين القوة لحماية دولة ثالثة إذ ارتبط معظم صراعاتها بحدودها المباشرة، تستطيع بكين ممارسة الضغوط الاقتصادية عندما ترى مصالح دولية حيوية مهددة لكنها لم تبنِ دورًا عالميًا أو حتى إقليميًا قائمًا على الحرب التوسعية وهي بالأساس حذرة من أن يُنظر إليها كمن يدير شؤون حماية الآخرين. هناك أيضًا مثال الولايات المتحدة فقد أمضت بكين عقودًا تراقب واشنطن تشن حربًا تلو الأخرى ثم تكافح لترجمة التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستدامة، من العراق إلى أفغانستان وما بعدها استخلص صانعو القرار الصينيون درسًا مهمًا ليس أن القوة العسكرية غير مهمة لكنها غالبًا ما تفشل في فرض النظام بتكلفة مقبولة، القوة العسكرية قادرة على تدمير النظام القديم لكنها لا تستطيع بناء نظام جديد شرعي بثقة، ومن منظور صيني سجل الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة يمثل تحذيرًا من الإفراط في النفوذ بقدر ما يمثل دليلًا على القدرة.

هناك أيضًا محدودية القدرات حتى لو أرادت بكين أن تصبح راعيًا أمنيًا في “الشرق الأوسط” على النمط الأمريكي فإنها ستواجه صعوبة كبيرة، فقد حدّثت الصين قواتها العسكرية بسرعة لكنها تفتقر إلى شبكة التحالفات والقوة الإقليمية والخبرة القتالية والبنية اللوجستية اللازمة لمشروع نفوذ مستدام كما تفعل واشنطن، فهي قوة كبرى ذات مصالح عالمية متنامية لكنها ليست مجهزة لضمان النظام كما تفعل الولايات المتحدة.
توضح إيران الفرق بين المصلحة والالتزام فالصين أكبر مشتري للخام الإيراني ولديها أسباب واضحة للقلق بشأن الاستقرار في الخليج وأمن الممرات البحرية والتوازن الإقليمي، لكن هذه المصالح لا ترقى إلى مستوى الالتزام التحالفي، فجزء كبير من النفط الإيراني المتجه إلى الصين يُشترى ليس من قبل أكبر شركات الطاقة المملوكة للدولة بل من قبل مصافٍ صغيرة مستقلة تجذبها الأسعار المخفضة، إيران مهمة للصين لكنها ليست حليفة رئيسية أو ساحة أمنية مركزية كما هي الولايات المتحدة فالأهمية ليست هي نفسها الالتزام. هنا تكمن المفارقة في سردية “محور المقاومة”، إذ إن إدراج علاقات الصين مع دول مثل إيران ضمن إطار كتلة موحدة يدفع بعض المراقبين إلى تفسير التنسيق الاقتصادي والمقاومة المشتركة للضغط الأميركي على أنها خطوات أولية لتشكيل تحالف عسكري، غير أن نفوذ الصين عادةً ما يمتد عبر التجارة والبنية التحتية والتمويل والدبلوماسية هذه الأدوات يمكن استخدامها أحيانًا كورقة ضغط لكنها لا تمثل ضمانات بموجب معاهدات، عمليًا استفادت بكين من بيئة أمنية ضمنت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا منها بينما تجنبت التكاليف والتشابكات المرتبطة بدور الراعي الأمني.
يمتاز هذا النهج بعدة مزايا فهو يمنح الصين مرونة استراتيجية ويحد من مخاطر الإفراط في الامتداد العسكري ويتيح الحفاظ على علاقات مع جهات فاعلة متنافسة في الوقت نفسه، لكن لهذا النهج حدودًا واضحة ففي كثير من الأحيان تستطيع الصين إدارة البيئة السلمية بكفاءة أكبر مما تستطيع التحكم في نتائج الأزمات بمجرد تحولها إلى صراع مسلح، فعندما تبرز الحاجة إلى الردع أو حماية القوات أو تنسيق الاستخبارات أو تقديم ضمانات الطوارئ يظل الفاعلون الإقليميون يتطلعون أولًا إلى واشنطن وليس إلى بكين، نفوذ الصين حقيقي لكنه ليس متماثلًا مع نفوذ الولايات المتحدة. وتجري جزء من التجارة الصينية مع إيران في ظل العقوبات الأميركية الأحادية وقد استهدفت واشنطن مرارًا جهات مشاركة في تدفقات النفط الإيراني، هذا لا يثبت وجود تحالف عسكري خفي لكنه يعزز الشكوك الغربية حول رغبة بكين في جني مزايا العلاقات دون تحمل الالتزامات، ويجعل دعواتها لـ”الاستقرار” تبدو أحيانًا تفضيلًا لاستمرارية منخفضة التكلفة.
ومع ذلك فإن إدراك حدود بكين لا ينبغي أن يؤدي إلى سوء قراءة أخطر يتمثل في افتراض أن ضبط النفس الصيني يعني أن مصالح الصين في الخارج عرضة للضغط، فإذا استنتجت واشنطن أن رفض الصين أداء دور الراعي الأمني يعني قبولها بالضغط على جميع مصالحها الخارجية فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد خطير، فعندما تصبح المستهدفات ليست دولًا أخرى بل مصالح تجارية صينية قانونية يتغير السياق، لم يعد الأمر مسألة ما إذا كانت بكين ستنقذ شريكًا بل مسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة تتحدى الصين نفسها مباشرة.
وقد ظهرت علامات مبكرة لهذا التجاوز بالفعل ففي بنما تم الاستيلاء على عقد إيجار ميناءين تديره شركة من هونغ كونغ كانت على علاقة متوترة ببكين تحت ذرائع ملفقة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغم أن النشاط التجاري لم يكن يُعتبر مسبقًا مرفوضًا، وفي بيرو صار ميناء شانكاي المدعوم صينيًا يُنظر إليه في إطار أمني متزايد ويحاول ترامب أيضًا إقصاء الصين في فنزويلا، الاتجاه الأوسع هو أن واشنطن تميل بشكل متزايد إلى اعتبار أي وجود تجاري صيني عادي تهديدًا محتملًا وبالتالي هدفًا مشروعًا للضغط الجيوسياسي.
قد لا تكون الصين مستعدة أو قادرة على الدفاع عن شركائها كما تفعل الولايات المتحدة، لكنها من غير المرجح أن تظل سلبية إذا استنتجت أن السياسة الأميركية تحولت من مواجهة الدول إلى ممارسة ضغط منهجي على مصالحها التجارية القانونية دون طابع عسكري مباشر، هذا هو الفرق بين رفض أن تكون راعيًا لإيران وقبول سابقة تجعل مصالح الصين في الخارج قابلة للتصرف بلا حماية.
لذلك ينبغي ألا يُفسَّر موقف الصين تجاه إيران على أنه دليل على رغبتها السرية في أن تكون نسخة من الولايات المتحدة وفشلت ولا يجب تجاهله باعتباره كلامًا فارغًا، إنه يعكس تصورًا مختلفًا للقوة: تأثير استراتيجي دون قيادة تحالفية ونفوذ تجاري دون التزامات أمنية تلقائية وتأثير دبلوماسي دون انكشاف عسكري دائم.
المخاطر الحقيقية ليست أن تصبح الصين نسخة أخرى من الولايات المتحدة بل أن الولايات المتحدة، غير قادرة على تصور قوة كبرى لا تعمل من خلال الضمانات والتحالفات، ستستمر في خلط ضبط النفس بالضعف وتتخذ قرارات على هذا الأساس تجعل المنافسة أكثر حدة وخطورة مما ينبغي.
* By Zichen Wang, China Won’t Play Security Patron for Iran Beijing doesn’t want to imitate the United States’ alliance obligations, FOREIGN POLICY, March 6, 2026.



