الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الطموح الإيراني و الردع الأميركي.. قراءة استراتيجية في موازين القوى الجديدة

بقلم: الباحثة عُلا عبدالله الوائلي
صراع القطب الواحد في عالم متغير
في ظل التحولات الإقليمية التي تشهدها الساحة السياسية في “الشرق الأوسط” والتي تعصف بالاستقرار العالمي، يتجاوز الصدام الراهن بين واشنطن وطهران حدود الخلافات الإقليمية الضيقة، ليصبح حجر الزاوية في اختبار إرادة الولايات المتحدة الأمريكية، تسعى واشنطن بكل ثقلها الدبلوماسي والعسكري لإثبات أنها لا تزال تمسك بزمام القوة العالمية المطلقة، متمسكة بنظام “القطب الواحد” الذي تربع على عرشه منذ نهاية الحرب الباردة، إن أمريكا اليوم ترفض الاعتراف بالواقع الجديد الذي يفرض نفسه على الساحة الدولية، وهو ولادة نظام متعدد الأقطاب تقوده تحالفات صاعدة بين روسيا والصين وفي هذا السياق، ينظر البيت الأبيض إلى طهران ليس فقط كخصم إقليمي، بل كحليف إستراتيجي لهذا المحور الدولي الجديد، مما يجعل تحجيم إيران ضرورة أمريكية للحفاظ على هيبة الهيمنة الغربية التي بدأت تتآكل أمام الصعود الشرقي.
ثانياً: البرنامج النووي وموازين الردع ما بعد “طوفان تشرين الأول”
تمثل الرغبة الإيرانية في امتلاك التكنولوجيا النووية المتقدمة الكابوس الأكبر لصناع القرار في واشنطن وتل أبيب، إذ إن امتلاك طهران لهذا السلاح سيعني بالضرورة انتهاء حقبة “الاستثناء العسكري” في “الشرق الأوسط” وتبدل موازين القوى لصالح محور المقاومة، لقد شكلت أحداث ما بعد تشرين الاول 2023، وما تلاها من تبادل مباشر للضربات الصاروخية بين إيران و”إسرائيل”، نقطة تحول جوهرية في العقيدة الأمنية الأمريكية، اذ انتقلت الولايات المتحدة من سياسة “الاحتواء الناعم” والمفاوضات الطويلة إلى سياسة التهديد المباشر بالحرب وتغيير النظام السياسي، هذا التصعيد لم يقتصر على التصريحات، بل تُرجم إلى حزم عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، صُممت بدقة لتكون بمثابة “مشرط جراحي” يستهدف عصب الاقتصاد الإيراني، بهدف خلق حالة من التذمر الشعبي الشامل الذي يضع النظام أمام خيارين: السقوط من الداخل أو الاستسلام للمطالب الدولية.
ثالثاً: حرب الجواسيس واختبار الجبهة الداخلية في طهران
ولأن المواجهة لا تقتصر على الميدان العسكري، فقد انتقلت المعركة إلى أزقة طهران عبر “حرب الجواسيس” والمخابرات، سعت الاستخبارات “الإسرائيلية” (الموساد) بالتنسيق مع أجهزة غربية إلى زرع شبكات من العملاء والعناصر المأجورة لتأجيج الشارع الإيراني، وقد تجلى ذلك بوضوح في أحداث شهر ايلول، حيث تم استغلال بعض الثغرات الاجتماعية لإثارة موجة من الاحتجاجات العنيفة ومحاولة تحويلها إلى فوضى مسلحة تضرب مؤسسات الدولة، إلا أن الدولة الإيرانية أثبتت مرة أخرى صلابة أجهزتها الأمنية، إذ تمكنت من تفكيك هذه الخلايا المعقدة في وقت قياسي، وكشفت عبر اعترافات موثقة أن المحرك الأساسي لهذه الاضطرابات لم يكن مطالب معيشية عفوية، بل كانت “غرف عمليات” تدار من الخارج بتمويل وتوجيه مباشر من أعداء الدولة، هذا الانتصار الأمني لم يَعِد الاستقرار الداخلي فحسب، بل أرسل رسالة واضحة لواشنطن بأن الرهان على “انهيار الداخل” هو رهان على سراب.
رابعاً: خطأ الحسابات الإستراتيجية، لماذا فشل نموذج “فنزويلا” في إيران؟
تقع الإدارات الأمريكية المتعاقبة في خطأ إستراتيجي متكرر وهو محاولة إسقاط تجارب دولية على واقع مختلف تماماً، لقد حاولت واشنطن تطبيق “نموذج فنزويلا” على إيران ففي كاراكاس، استخدمت أمريكا سلاح العقوبات والاتهامات الجنائية ضد الرئيس نيكولاس مادورو، وحاولت تنصيب نظام موالٍ لها للاستحواذ على موارد النفط الخام الفنزويلي الذي يُعد من الأجود والأغلى عالمياً، لكن شتان ما بين الحالتين، فإيران تمتلك عمقاً أيديولوجياً وتاريخياً وجهازاً امنياً معقداً، فضلاً عن قاعدة صناعية وعلمية محلية، الشعب الإيراني، بوعيه السياسي وثقافته المتراكمة، يدرك أن الأطماع الأمريكية في المنطقة تتجاوز الشعارات الديمقراطية لتصل إلى نهب الموارد، تماماً كما حدث في أوكرانيا التي اضطرت للتنازل عن جزء كبير من معادنها وموادها الثمينة مقابل الدعم العسكري، إن قدرة العلماء والمفكرين الإيرانيين على مواصلة الإنتاج العلمي والنووي رغم الضربات المشتركة للبرنامج النووي، تثبت أن القوة الإيرانية نابعة من الداخل وليست مجرد تحالفات هشة.
خامساً: دبلوماسية المسارين وفن المفاوضات
في هذه المرحلة الحرجة، نجد أن الصراع يدار بعقلية “الشطرنج” المعقدة، حيث يعتمد الطرفان دبلوماسية ثنائية المسار، فمن جهة، تستكمل إيران خطواتها في تخصيب اليورانيوم وتطوير قدراتها النووية لفرض “أمر واقع” على الساحة الدولية، بينما تبقي الأبواب مواربة للتفاوض حول رفع العقوبات وتجنب الصدام الشامل، وعلى المقلب الآخر، تتبع الولايات المتحدة إستراتيجية مشابهة، فهي تتحدث عن الدبلوماسية في جنيف، بينما تعمل ميدانياً على “تقليم أظافر” إيران عبر ضرب نفوذها في اليمن ولبنان والعراق، ظناً منها أن إضعاف الحلفاء الإقليميين سيؤدي بالضرورة إلى استسلام المركز في طهران، حيث يراهن كل طرف على أن استسلام الآخر أولاً تحت وطأة الضغط.
نحو حرب إقليمية شاملة أم تسوية كبرى؟
إن المشهد الذي تعيشه المنطقة اليوم، والمتمثل في القصف المشترك المباشر على العمق الإيراني وصولاً إلى استهداف أعلى هرم السلطة السياسية والدينية، يضع العالم بأسره أمام لحظة تاريخية فارقة تجاوزت فيها إسرائيل كافة الخطوط الحمراء والأعراف الدولية. هذا التصعيد لم يعد مجرد “مناوشات نفوذ”، بل تحول إلى انتهاك صارخ لقواعد الحرب، دفع بطهران للرد بضربات استهدفت القواعد الأمريكية والمصالح الحيوية، بما في ذلك مصافي النفط في المنطقة، مما جعل “الحرب الشاملة” فرضية واقعية وليست مجرد احتمال.
ومع ذلك، فإن القراءة المتأنية لتداعيات هذا الانزلاق تكشف عن حقائق لا يمكن للإرادة الدولية تجاهلها، فالحرب الإقليمية تعني توقف شريان الطاقة العالمي، وانهيار الاقتصاد الدولي، ودخول المجتمعات في حالة من الركود والتضخم غير المسبوق نتيجة توقف الإمدادات النفطية، خاصة للدول الأوروبية التي تعتمد كلياً على النفط العربي.
أمام هذا الانغلاق الاستراتيجي، يبرز خيار “الطاولة” كبديل وحيد للدمار الشامل. إذ قد نشهد تحولاً جذرياً في العقيدة السياسية الأمريكية يفضي إلى “اعتراف مشروط” بامتلاك إيران سلاحاً نووياً ضمن نسب محددة وتحت رقابة دولية، كأهون الشرين لتجنب الحريق الكبير. ورغم الرفض “الإسرائيلي” المطلق لهذا السيناريو باعتباره تهديداً وجودياً، إلا أن الضغوط الأمريكية- بما تملكه من أدوات سياسية واقتصادية- ستدفع باتجاه تهدئة شاملة، لأن واشنطن تدرك أن وقت “تعدد الخيارات” قد انتهى، ولم يعد أمام العالم سوى قرار واحد: إما الدبلوماسية الدولية الجادة أو الانهيار الكوني.
إن ما نعيشه اليوم ليس بحاجة إلى حلول “ترقيعية” مؤقتة، بل إلى تسوية سياسية جذرية للملف النووي، تُنهي حالة التوتر الوجودي وتجنب المنطقة والعالم كارثة لن يسلم منها أحد، ليبقى السؤال المعلق:
هل تغلب حكمة المصالح الدولية جنون المواجهة العسكرية؟





