الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
مستجدات الحرب الأميركية- “الإسرائيلية” على إيران
أهداف الأطراف المتحاربة في ضوء تطورات الحرب

بقلم: أ.د سعد السعيدي
مدير مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لليوم التالي تستمر الحرب التي فرضتها كل من الولايات المتحدة و”اسرائيل” على الجمهورية الاسلامية الايرانية بشكل مفاجيء في الوقت الذي كانت فيه الوفود المفاوضة منهمكة لوضع اللمسات الاخيرة على الاتفاق النهائي الخاص بالبرنامج النوي الايراني في اشارة واضحة على ان الاهداف الامريكية و”الاسرائيلية” تتجاوز بكثير موضوع البرنامج النووي الايراني، فالهجمات الواسعة والمكثفة وطبيعة الاسلحة التي تستخدمها الولايات المتحدة و”اسرائيل” والردود الايرانية التي توسعت بسرعة لتشمل اغلب دول المنطقة يمكنها ان تمدنا ببعض المؤشرات على طبيعة الاهداف الخاصة بكل اطراف الصراع الاساسيين سواء منها الاهداف الاساسية او تلك التي استجدت ويمكن ان تستجد في الايام المقبلة ويمكن اجمال بعضها بالاتي:
اولا: لا شك ان الاهداف “الاسرائيلية” ومن بعدها الامريكية لا تتعلق بتجميد البرنامج النووي الايراني او الاطمئنان الى سلميته بل تتجاوز هذا الهدف بكثير الى جملة من الاهداف الاخرى، فالحكومة “الاسرائيلية” المتطرفة لا تريد تجميد البرنامج النووي الايراني بل تدميره وانهائه بشكل تام وازالة اي خطر اخر يتعلق به مثل القاعدة العلمية النووية التي راكمتها ايران طوال العقود الماضية واهمها العدد الكبير من العلماء النوويين والتكنولوجيا النووية السلمية.. الخ تحوطا للمستقبل وانتقاما من الدولة الايرانية ونظامها لتخفيض مستوى قدراتها التنافسية المستقبلية، فهذه الفرصة الاستراتيجية لا تتكرر دائما امام “اسرائيل”.
كما تريد “اسرائيل” والولايات المتحدة تدمير البرنامج الصاروخي الذي يمثل راس الحربة في قدرات الردع الايرانية ضد “اسرائيل” او اي قوة اقليمية اخرى بل وضد الولايات المتحدة نفسها، فهذا البرنامج يتطور بسرعة غير مسبوقة من حيث المسافات او نوعية الصواريخ ودقتها وقدرتها على التدمير.
كما ان للولايات المتحدة و”اسرائيل” اهداف اخرى تقف وراء الحرب تتعلق بالسعي لتصفية محور المقاومة بشكل كامل على مراحل بعد عملية طوفان الاقصى بدأت بأضعاف حماس وحZب الله مرورا بانصار الله الحوثــ ـــيين وصولا الى الدولة الايرانية نفسها باعتبارها قائدة للمحور، ويتم هذا الهدف عبر جر اطراف محور المقاومة او اجبارهم للتدخل في هذه الحرب لتبرير توجيه ضربات كبيره لكن هذه المرة بتعاون امريكي- “اسرائيلي” مباشر ومكثف، وهو هدف معلن تمثل بالطلب الامريكي من ايران (خلال المفاوضات) بانهاء دعمها لما اسمتهم بالوكلاء في المنطقة في محاولة لتفكيك مكونات المحور وانهائه تدريجيا وتغيير سياسة ايران الاقليمية بشكل كامل.
ثانيا: تعمل الولايات المتحدة و”اسرائيل” على محاولة تنفيذ هذه الاهداف ليس عبر تدمير القدرات النووية والصاروخية وباقي القدرات فقط، بل استهداف القيادة الايرانية (وفي مقدمتها استهداف المرشد الاعلى للثورة الايرانية السيد علي الخامنائي وكبار القادة العسكريين والامنيين) ومحاولة تصفيتها او تفكيكها واضعافها وايصال رسالة لكل القيادات الايرانية الجديدة انهم معرضين الى نفس المصير في حال لم يستوعبوا الدرس ويتجاوبوا مع المطالب الامريكية، في محاولة امريكية- “اسرائيلية” لفرض الشروط على القيادات الجديدة من موقع اقوى عبر دفعهم الى اليأس من الصمود والانتقام، بمعنى ان الولايات المتحدة تعمل عبر هذه الحرب على مستووين اساسيين متوازيين هما محاولة احداث تغيير سياسي من رحم النظام السياسي الايراني من خلال استهداف صقور الثورة الايرانية والدفع بالاصلاحيين الى الواجهة لقيادة المرحلة المقبلة والاتفاق معهم على تغيير شكل وطبيعة النظام والسياسة الايرانية بشكل كبير، اما المستوى الثاني فهو المستوى العسكري- الامني في حال فشل المستوى الاول، لتدمير اكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية والمدنية الايرانية لنزع السلاح الايراني بالقوة ووضع ايران تحت طائلة الحصار والتدمير الاقتصادي والعسكري، وفرض السيطرة الدائمة على الاجواء الايرانية لتنفيذ هجمات مستمرة ضد القيادات الايرانية كما هو الحال مع جنوب لبنان، بالاضافة الى اضعاف النظام السياسي الايراني عبر استهداف قياداته الاساسية ووضع الاخرين تحت خطر الاحتمال الدائم للاغتيال والتصفية.
ثالثا: تسعى الولايات المتحدة واسرائيل لفرض نوع من العزلة السياسية الاقليمية ضد ايران عبر الترويج الاعلامي والسياسي القائم على اساس عدم تردد ايران في مهاجمة جيرانها من دول المنطقة على الرغم من عدم دخولهم للحرب ضدها او سماحهم لشن هجمات على ايران انطلاقا من اراضيهم، في اشارة الى الهجمات الصاروخية الايرانية التي استهدفت الوجود العسكري الامريكي في بعض دول المنطقة (الاردن الكويت البحرين عمان الامارات قطر السعودية العراق) او عبر قيام ايران باغلاق مضيق هرمز بوجه الملاحة الدولية ومنها ما يتعلق بتجارة النفط في مسعى امريكي لتأليب دول المنطقة والعالم ضد ايران.
رابعا: قد تتخذ القيادة السعودية قرار بمهاجمة ايران عبر سلاح الجو السعودي في الايام القادمة تحت مبرر الاستهداف الايراني للاراضي السعودية، وقد اعلنت السعودية اليوم انها تدرس امكانية مهاجمة ايران اذا هاجمت الاراضي السعودية مرة ثانية في اشارة الى مهاجمة ايران للوجود العسكري الامريكي في السعودية.
وعلى الاغلب تسعى السعودية من ذلك الى تحقيق ثلاثة اهداف هي:
-
التعبير عن كونها دولة غير طبيعية مثلما هو الحال مع باقي دول الخليج التي تلقت ضربات صاروخية ايرانية ولم تحرك ساكن، وتريد اثبات قدرتها على الرد العسكري في تعبير عن قوتها الاقليمية وقدراتها العسكرية، الا انها تتردد لحد الان في الرد لكي لا تزج بنفسها في حرب اقليمية كبرى ليس من السهل ان تنجو من اثارها التدميرية.
-
لا تزال القيادات السعودية لحد الان تستطلع مجريات الحرب ومساراتها فاذا وجدت انها تتجه لغير صالح ايران قد تتدخل بضربات محدودة لاثبات انها كانت احد اسباب ترجيح المحور المعادي لايران ونسب جزء من الانتصار لنفسها
-
تريد السعودية ان تظهر انها زعيمة دول الخليج العربي والمسؤولة عن امنهم عبر مواقف سياسية وعسكرية تتصدى فيها لايران مما قد يدفعها الى شن بعض الهجمات الجوية الانتقامية ضد ايران اذا ما وجدت ان ايران مستمرة في مهاجمتها (مهاجمة الوجود العسكري الامريكي في الحقيقة).
خامسا: اهم الاهداف الايرانية في الوقت الحالي تتلخص في احتواء زخم الهجوم العسكري الامريكي- “الاسرائيلي” وتخفيض وتيرة الخسائر في الارواح والموارد والاصول العسكرية والمدنية والحفاظ على بنية الدولة وحدودها وتماسكها وحماية بنية النظام السياسي وتحقيق قدر مقبول من استقرار النظام السياسي وانسيابية ومركزية قراراته، وتماسك وجاهزية المؤسستين العسكرية والامنية لتحقيق مبدأ المطاولة والصمود وادامة المقاومة لتحقيق القدرة على الرد والانتقام لافشال الاهداف الامريكية- “الاسرائيلية” ويتم ذلك عبر الوسائل والطرق الاتية:
-
الحفاظ على المخزون من الصواريخ البالستية المهمة والحيلولة دون تدميرها او تدمير منصات الاطلاق التي يصعب تعويضها، فالصواريخ بعيدة المدى هي الحصان الرابح في هذه المعركة.
-
العمل على رفع وتيرة التكاليف المادية والبشرية للاعداء وفي مقدمتهم “اسرائيل” عبر التحول التكتيكي من استهداف المقرات الامنية والعسكرية الى استهداف المدن والتجمعات السكانية “الاسرائيلية”، للرد بالمثل بعد استهداف المدارس والاطفال في ايران، ومحاولة استفزاز العدو و دفعه الى التخبط والتغول في ردوده لاظهاره بمظهر العدو الهمجي الذي لا يتردد في قتل السكان العزل ومهاجمة المرافق المدنية لتعريته عالميا في استراتيجية طويلة الامد لكسر الارادات، فضلا عن استهداف متكرر ومتسارع لكافة الاصول العسكرية والامنية الامريكية في المنطقة بما فيها الاصول العسكرية البحرية عبر هجمات انقضاضية بحرية وجوية، وقد تتحول الحرب الى حرب مفتوحة يتم فيها استهداف كل شي لتحويلها الى حرب اقليمية كبرى تدفع كافة الاطراف للضغط على الولايات المتحدة و”اسرائيل” لوقف العدون.
-
رغم حرصها على التواصل مع دول المنطقة ومد الجسور معها وافهامها انها لا تهاجم دول الجوار انما تهاجم الوجود العسكري الامريكي فيها، لكن قد تجد ايران في مشاركة السعودية او بعض دول الخليج في الحرب ضدها فرصة لتحقيق خرق مهم في المعركة عبر تحقيق انتصارات مهمة ضد هذه الدول واظهار قدرتها على الانتصار او الانتقام للضغط على الولايات المتحدة و”اسرائيل” ورفع المعنويات القتالية للايرانيين ولحلفائهم في المنطقة ولباقي اطراف محور المقاومة، فالجغرافيا السعودية والخليجية الهشة عسكريا والقريبة جغرافيا والمتاحة من ناحية الاهداف لا سيما في الدول الساحلية كالكويت والبحرين وقطر والامارات التي تعج بالبنايات الضخمة والمطارات والموانيء ومنشأت الطاقة والشركات الاجنبية تسمح لايران بتنوع بنك الاهداف والضغط على هذه البلدان والحاق خسائر فادحة في بنيتها العسكرية والمدنية ووضع انظمتها السياسية تحت ضغط هائل.
-
لن تتغافل ايران مهمة توظيف الطاقة في مجال الحرب المفتوحة مع الولايات المتحدة و”اسرائيل”. عبر العمل على رفع تكاليف الطاقة واسعارها من خلال اغلاق مضيق هرمز بوجه تجارة النفط للضغط على الدول المصدرة والمستوردة ورفع سعر النفط عالميا ودفع دول العالم للمارسة الضغط على الولايات المتحدة و”اسرائيل” لوقف عدوانها.
-
على الارجح ستعمل وزارة الخارجية الايرانية على بعث رسائل اكثر مرونة الى الولايات المتحدة تعلن فيها استعدادها لبحث المطالب الامريكية المتعلقة بالبرنامج النووي والصاروخي بطريقة تحفظ الحقوق الايرانية لكنها منفتحة على مناقشة مطالب كانت في السابق غير قابلة للنقاش ومن اهمها نقل اليورانيوم الى الخارج وتصفير التخصيب ووقف تطوير البرنامج الصاروخي وتقديم ضمانات في ما يتعلق بالسياسة الاقليمية الايرانية بما لا يضر بالمصالح الامريكية في المنطقة والهدف من هذه المرونة الايرانية هو تفويت الفرصة على ادارة ترامب ونتنياهو على تدمير قدرات الدولة الايرانية وبنفس الوقت الحفاظ على القدرات الايرانية الصاروخية والنووية (السلمية) وكسب الوقت الى حين انتهاء ولاية ترامب.





