الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
هل تمثل الأزمة العراقية – الكويتية إعادة تفعيل لنزاع سيادي كامن؟
ترسيم الحدود البحرية كأداة لإدارة النزاعات..

بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
بين السيادة المقيدة والجغرافيا السياسية للحدود
لا تُنتج الأزمات الحدودية في النظم الإقليمية الهشة من فراغ، بل تتشكل عند تقاطع ثلاثة عناصر مركزية: الذاكرة التاريخية، والهندسة القانونية الدولية، والبنية الجيوسياسية للمجال الحيوي. وفي هذا الإطار، تمثل التطورات الأخيرة بين العراق والكويت بشأن الإحداثيات البحرية في شمال الخليج لحظة اختبار دقيقة للعلاقة بين السيادة الوطنية والالتزام الدولي في سياق إقليمي عالي الحساسية.
فالحدود البحرية ليست خطوطًا هندسية جامدة، بل هي تمثيل سياسي للسيادة في الفضاء المائي. وفي الدول ذات المنافذ المحدودة، تتحول الحدود البحرية إلى عنصر مركزي في تعريف الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. العراق، بوصفه دولة ذات وصول بحري محدود نسبيًا، ينظر إلى أي تعديل أو إعادة تفسير للإحداثيات بوصفه مسألة تمس قدرته على النفاذ الحر إلى المياه الدولية، وعلى تطوير بنيته التحتية المينائية. في المقابل، تستند الكويت إلى مرجعية قانونية دولية تشكلت عقب 1991، وترى أن أي إعادة نقاش للملف تمثل مساسًا بإطار سيادي أُنجز وفق الشرعية الدولية. من هنا، لا يمكن توصيف الأزمة باعتبارها مجرد خلاف تقني، بل ينبغي تحليلها بوصفها تفاعلًا بين إدراكين سياديين داخل بنية إقليمية مفترض انها مضبوطة بقواعد دولية.
المحور الاول
الإطار النظري: كيف تفسر مدارس العلاقات الدولية الأزمة؟
أولًا: الواقعية الدفاعية– الأمن في ظل الجغرافيا المقيدة
يتركز الخلاف العراقي- الكويتي في جوهره حول ترتيبات ترسيم الحدود البحرية في المنطقة الواقعة عند رأس الخليج ولا سيما ما يتصل بخطوط الملاحة في خور عبد الله والمنافذ المؤدية إلى ميناء أم قصر والمياه الإقليمية المتاخمة له. فعلى الرغم من تثبيت الحدود البرية والبحرية بموجب قرارات دولية أعقبت عام 1991، ولا سيما قرار مجلس الأمن رقم 833، فإن الإشكالية لا تتعلق بوجود حدود معترف بها بقدر ما تتعلق بتفسير آليات إدارتها وتطبيقها عمليًا، خاصة في ما يخص حرية الملاحة، وتنظيم المرور البحري، وترتيبات استثمار الممرات المائية المشتركة. وبذلك، يتمحور الخلاف حول ما إذا كانت الترتيبات الحالية تحقق توازنًا منصفًا بين مقتضيات السيادة الكويتية ومتطلبات العراق كدولة ذات منفذ بحري محدود، أم أنها تُنتج واقعًا تشغيليًا يُقيد هامش الحركة البحرية العراقية بصورة تتجاوز الاعتبارات الفنية إلى أبعاد سيادية وتنموية أوسع. ومن هنا يتحول ملف ترسيم الحدود البحرية من مسألة قانونية تقنية إلى قضية ذات أبعاد جيوسياسية تمس معادلة توازن القوى في شمال الخليج، نظرًا لارتباطه بأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، وإعادة تموضع الموانئ الاستراتيجية في الإقليم وهذا مايسرك تضارب المصالح وفق المدرسة الواقعية الدفاعية، اذ تسعى الدول إلى تعظيم أمنها لا إلى تعظيم قوتها. وفي حالة العراق، فإن محدودية المنفذ البحري تمثل عامل قلق بنيوي دائم. أي تحرك يتعلق بالإحداثيات البحرية يُقرأ في ضوء “معضلة الأمن”، حتى لو لم تكن هناك نية هجومية.
من هذا المنظور، الأزمة لا تعكس نزعة توسعية، بل تعبيرًا عن حساسية هيكلية ناتجة عن جغرافيا مقيدة. أما الكويت، فتنظر إلى أي مراجعة باعتبارها تهديدًا محتملًا لاستقرار الترتيب الأمني الذي أعقب 1991. وهنا يظهر نمط “القلق المتبادل” دون نية صراع فعلي.
ثانيًا: الليبرالية المؤسسية- قوة الإطار القانوني
تؤكد المؤسسية الليبرالية أن المؤسسات الدولية تقلل احتمالات التصعيد عبر خلق قواعد ملزمة وآليات تسوية. في هذا السياق، من المفترض أن يكون للامم المتحدة دورًا مركزيًا في إعادة ترسيم الحدود مع اهمية وجود إطار قانوني ملزم يحد من انزلاق النزاع إلى صراع، ويجعل الخلافات قابلة للاحتواء الفني. من هذا المنظور، الأزمة الحالية لا تمثل فشلًا للمؤسسة، بل اختبارًا لقدرتها على الاستمرار كآلية ضبط.
ثالثًا: البنائية- إدراك السيادة والذاكرة التاريخية
تقدم البنائية تفسيرًا أعمق يتعلق بالهوية والذاكرة. ملف الحدود بين العراق والكويت ليس مجرد ملف قانوني، بل يحمل إرثًا تاريخيًا كثيفًا مرتبطًا بأحداث 1990. إدراك السيادة في العراق ما بعد 2003 يمر بمرحلة إعادة تعريف، فيما تُعد مسألة الحدود في الكويت عنصرًا مكوِّنًا للهوية الوطنية. بالتالي، التوتر لا ينبع فقط من الجغرافيا أو القانون، بل من المعنى الذي تُعطى له هذه العناصر. إذا جُمعت المدارس الثلاث، يظهر تفسير مركب: فالواقعية تفسر حساسية الجغرافيا.
اما المؤسسية تفسر انخفاض احتمالات التصعيد. البنائية تفسر شحنة الخطاب السيادي.
وهذا الدمج يرفع التحليل من توصيف سياسي إلى قراءة تفسيرية متعددة المستويات.
وفي اطار الإدراج الجيوسياسي الخرائطي
تقع المنطقة محل التوتر في الممر البحري المؤدي إلى:
ميناء الفاو.
ميناء مبارك الكبير.
قناة خور عبد الله.
خرائطيًا يمكن توصيفها كالتالي:
نقطة التقاء المجالين البحريين تقع في مساحة ضيقة نسبيًا. أي انحراف طفيف في الإحداثيات يؤثر على عمق الملاحة. في مايخلص المجال البحري العراقي انه يعتمد على ممر محدد للخروج إلى المياه الدولية.
المحور الثاني
البعد القانوني والمؤسسي- بين الإلزام الدولي وحدود القبول السياسي
أُعيد ترسيم الحدود بين العراق والكويت في أعقاب حرب الخليج الثانية عبر لجان مختصة، واستنادًا إلى قرارات مجلس الأمن الملزمة. وقد أضفى هذا الإطار صفة نهائية قانونية على الحدود البرية والبحرية، بما جعلها جزءًا من منظومة الشرعية الدولية، وليس مجرد اتفاق ثنائي قابل لإعادة التفاوض بسهولة. غير أن القانون الدولي، وإن كان ملزمًا، لا يعمل في فراغ سياسي. فهو يحدد الإطار الإجرائي، لكنه لا يضمن بالضرورة التوافق الداخلي الكامل حول مخرجاته. وهنا تظهر إحدى الإشكاليات الجوهرية: الفرق بين “الشرعية القانونية” والشرعية المتصورة داخليًا”.
في العراق، لا تزال بعض النخب السياسية والقانونية تنظر إلى ترتيبات ما بعد 1991 باعتبارها تمت في سياق اختلال حاد في موازين القوى، ما يخلق شعورًا بأن الالتزام القانوني لا يعكس بالضرورة توازنًا عادلًا. هذا الإدراك لا يعني وجود نية لمراجعة جذرية، لكنه يشكل بيئة نفسية- سياسية تجعل أي تحرك في ملف الإحداثيات البحرية حساسًا للغاية.
أما في الكويت، فإن الشرعية الدولية تمثل حجر الزاوية في أمنها القومي. فالحدود المرسومة دوليًا ليست مجرد خطوط، بل ضمانة وجودية ضد أي تهديد مستقبلي. ومن ثم، فإن أي خطوة عراقية تُقرأ من زاوية الحذر الاستراتيجي. إذًا، الأزمة تكشف فجوة بين الإطار القانوني الصلب والإدراك السياسي المتغير، لكنها لا تعني انهيارًا للنظام القانوني القائم.

المحور الثالث
البعد الجيوسياسي– الجغرافيا المقيدة ومعضلة الوصول إلى البحر
يُعد شمال الخليج أحد أكثر الفضاءات الجيوسياسية تعقيدًا في المنطقة. فالعراق، مقارنة بجيرانه الخليجيين، يمتلك شريطًا ساحليًا محدودًا، ما يجعله نموذجًا لما يُعرف في الأدبيات الجيوسياسية بـ الدولة ذات الوصول البحري المقيد. في هذا السياق، تتحول مسألة الإحداثيات البحرية إلى قضية استراتيجية تمس:
-
حرية الملاحة التجارية.
-
كلفة العبور.
-
القدرة على تطوير موانئ كبرى مثل الفاو.
-
استقلالية القرار الاقتصادي البحري.
الجغرافيا هنا ليست مجرد خلفية محايدة، بل عنصر ضاغط في صنع القرار. فكلما كان المجال البحري محدودًا، ازدادت حساسية الدولة تجاه أي تغيير even- لو كان تقنيًا.
في المقابل، تتمتع الكويت بامتداد ساحلي أكبر نسبيًا، لكنها تقع في نقطة تماس مباشرة مع العمق البحري العراقي. وبالتالي، فإن أي تعديل في الترسيم يُنظر إليه كإعادة توزيع للمجال الحيوي البحري.
إضافة إلى ذلك، يقع الخلاف ضمن بيئة إقليمية مضطربة. فالخليج يشهد حضورًا عسكريًا دوليًا كثيفًا، وتوترات مرتبطة بالمنافسة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، فضلًا عن حساسية أمن الطاقة العالمي. هذه البيئة تضخم من دلالة أي توتر لو كان محدودًا.
ومع ذلك، لا توجد مؤشرات على تحوّل الأزمة إلى معادلة صراع صفري، لأن كلفة زعزعة الاستقرار في هذه المنطقة ستكون مرتفعة على الطرفين، اقتصاديًا وأمنيًا.
المحور الرابع
البعد السياسي- الأمني- إدارة التوتر ومنع إعادة إنتاج الصراع
رغم الطابع القانوني والجغرافي للأزمة، فإن إدارتها تجري في حقل سياسي داخلي وإقليمي معقد. في العراق، يتداخل ملف السيادة البحرية مع الخطاب الوطني، خاصة في ظل التنافس السياسي الداخلي. وقد يُستخدم الملف لتعزيز موقع قوى معينة أو للضغط في سياق أوسع من إعادة تعريف دور الدولة في الإقليم. اما في الكويت، يمثل الالتزام الصارم بالإطار الدولي جزءًا من الإجماع الوطني. ومن ثم، فإن أي مرونة غير محسوبة قد تُفسر داخليًا كتنازل غير مبرر.
أمنيًا، لا توجد مؤشرات على حشد عسكري أو استعداد تصعيدي. بل إن التفاعلات حتى الآن بقيت ضمن الإطار الدبلوماسي. وهذا مؤشر مهم على أن النزاع الكامن لم يتحول إلى صراع فعلي.
إعادة تفعيل النزاع الكامن تتطلب ثلاثة عناصر:
انهيار الإطار القانوني.
غياب الردع الإقليمي.
وجود إرادة سياسية للتصعيد.
ولا يبدو أن هذه العناصر متوافرة في اللحظة الراهنة.
الخاتمة
الأزمة الراهنة تعكس توترًا بين السيادة والإلزام الدولي في سياق جيوسياسي حساس، لكنها لا تمثل عودة إلى صراع بنيوي. بل يمكن توصيفها بأنها: أزمة دبلوماسية داخل نزاع قانوني مُدار، تُعاد فيها تسييس الإحداثيات البحرية بفعل عوامل داخلية وإقليمية.
السيناريو الأرجح هو الاحتواء المؤسسي عبر لجان فنية أو وساطة مع استمرار الالتزام بالإطار الدولي. أما السيناريو الأقل احتمالًا فهو انزلاق الأزمة إلى توتر ممتد بفعل سوء إدارة الخطاب السياسي.
ولابد الاشارة بإن الدعم الإقليمي للكويت، وإن استند إلى خطاب حماية الشرعية الدولية، يتجاهل إلى حد كبير الإكراهات الجيوسياسية التي يعاني منها العراق نتيجة محدودية مجاله البحري. فالمطالبة بضمان ممر ملاحي آمن وفعال لا تمثل نزعة مراجعة حدودية، بل تعبيرًا عن حق سيادي أصيل في الوصول غير المقيد إلى أعالي البحار. وعليه، فإن أي مقاربة لا تأخذ في الاعتبار هذا البعد البنيوي تُخاطر بتحويل مسألة تقنية قابلة للمعالجة إلى توتر سياسي غير ضروري.
على المدى البعيد، يمكن تحويل المجال البحري من نقطة احتكاك إلى مساحة تعاون عبر:
-
مشاريع لوجستية مشتركة
-
آليات تنسيق دائم
-
إطار تشاوري ثنائي لإدارة أي خلاف تقني مستقبلي
وبالنظر إلى الطبيعة المقيدة للمجال البحري العراقي، فإن ضمان ممر ملاحي آمن ومستدام نحو المياه الدولية لا يمثل مطلبًا سياسيًا ظرفيًا، بل ضرورة بنيوية تتصل بالأمن الاقتصادي الوطني وبحق الدولة في التنمية المستدامة. ومن ثم، فإن أي ترتيبات مستقبلية ينبغي أن تكرس هذا الحق ضمن إطار تفاوضي يحترم الشرعية الدولية ويوازن بين الاعتبارات السيادية للطرفين.
في ضوء ماسبق فإن الأزمة العراقية- الكويتية الراهنة لا تمثل عودة إلى صراع بنيوي، بل تعكس توترًا دوريًا في بيئة جيوسياسية مقيدة، تُدار ضمن إطار مؤسسي دولي، لكنها محمّلة بإدراكات سيادية متباينة. إن بقاء الإطار القانوني فاعلًا، إلى جانب الكلفة العالية لأي تصعيد، يجعل من المرجح استمرار إدارة النزاع لا إعادة إنتاج الصراع.




