الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الهيمنة على الطاقة وفق النموذج الصيني.. كيف تعيد بكين تشكيل موازين القوة في القرن المقبل؟

بقلم: كارولين كيسان
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
على مدى العقدين الماضيين انتقلت الصين من موقع قوةٍ طاقويةٍ ضعيفة استراتيجيًا تعتمد على واردات النفط والغاز إلى موقع الريادة العالمية في مجال الطاقة النظيفة، فهي اليوم أكبر مُنتِج لتوربينات الرياح والألواح الشمسية وتُحكم سيطرتها على معظم حلقات سلاسل إمداد البطاريات عالميًا وتُصدّر المركبات الكهربائية بأسعار تعجز شركات صناعة السيارات الغربية عن مجاراتها كما تشيّد مفاعلات نووية بوتيرة متسارعة، ورغم أن أياً من هذه التقنيات لم يُكتشف في الصين ولم تنشأ صناعاتها فيها فإن بكين أصبحت صانعة السوق والفاعل المهيمن في كلٍ منها، وبإحكام قبضتها على الأنظمة التي تقوم عليها كهربة الاقتصادات الحديثة تمضي الصين بثبات نحو ترسيخ هيمنة طاقوية شاملة.
غير أن الرئيس الأميركي ترامب يتبنى تعريفًا أضيق لمفهوم “هيمنة الطاقة” إذ يحصره في إنتاج الوقود الأحفوري، متأثرًا بأزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي ومستلهِمًا ثورة النفط الصخري التي جعلت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز عالميًا ركّز ترامب على تعظيم إنتاج النفط والغاز الطبيعي والفحم داخل الولايات المتحدة وفي نصف الكرة الغربي كما عكست ذلك التحركات الأميركية تجاه فنزويلا مطلع هذا العام، وفي شباط 2025 أنشأ “المجلس الوطني لهيمنة الطاقة” بموجب أمرٍ تنفيذي بهدف توسيع صناعة الوقود الأحفوري محليًا وإعادة تقييم التقنيات النظيفة التي ينبغي الإبقاء عليها أو الاستغناء عنها. إلا أن هذا التصور يغفل التحولات البنيوية الجارية في الاقتصاد العالمي، فالطلب العالمي على الكهرباء يتصاعد باطراد ومن المرجح أن يتسارع مع تعميم كهربة النقل والصناعة والمنازل، كما أن الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة- إلى جانب مراكز البيانات والتصنيع المتقدم المرتبط بهما- يجعلان الاقتصادات الحديثة أكثر كثافة في استهلاك الطاقة، وفي المجال العسكري يتجه التطور من منصات تقليدية كثيفة الاستهلاك للوقود مثل الطائرات المقاتلة وحاملات الطائرات نحو أنظمة تعمل بالبطاريات كالمسيّرات والمركبات تحت سطح البحر فضلًا عن توسع ساحات الحرب السيبرانية المعتمدة على البيانات، ورغم استمرار نمو الطلب العالمي على النفط تشير التقديرات إلى أنه سيبلغ ذروته مطلع ثلاثينيات القرن الحالي مع تحسن الكفاءة وتسارع مسارات الكهربة.
لا تزال الولايات المتحدة تعتمد بدرجة كبيرة على مواردها المحلية ويظل الغاز الطبيعي العمود الفقري لتوليد الكهرباء فيها بما في ذلك تزويد مراكز البيانات بالطاقة، غير أن تصاعد الطلب على الكهرباء يعني أن الهيمنة الطاقوية ستتحدد بدرجة أقل بما يُستخرج من باطن الأرض وبدرجة أكبر بالبنية التحتية التي تنقل الطاقة وتحوّلها وتدمجها- من توربينات وخطوط نقل ومحولات وشبكات ربط- وهي بنية يُبنى جزء معتبر منها اليوم على تقنيات صينية، وقد بدأت فجوات البنية التحتية الكهربائية في الولايات المتحدة تعيق سباقها نحو الذكاء الاصطناعي العام وتُبقيها في موقع اعتماد ملحوظ على سلاسل إمداد تخضع بدرجات متفاوتة للسيطرة الصينية بما في ذلك معدات الشبكات والألواح الشمسية وأنظمة التخزين. في المقابل أمضت بكين ما يقرب من عقدين في التحضير لهذا المشهد من خلال التعامل مع الطاقة والكهربة بوصفهما ركيزتين في معادلة القوة الوطنية لا مجرد قطاع صناعي مستقل أو ملف مناخي ضيق، فقد صاغت استراتيجية بعيدة المدى تدمج بين التصنيع والابتكار التكنولوجي والأمن القومي واستندت إلى مبدأ ثابت: تعزيز القدرة الذاتية وتقليص الاعتماد الخارجي، واليوم تشكّل هيمنة الصين في مجال الطاقات المتجددة قاعدة لنفوذها المتنامي في كهربة الاقتصادات وتطوير البنية التحتية ودفع مسارات التنمية الصناعية ولا سيما في بلدان “الجنوب العالم”، كما تعكس هذه المقاربة إدراكًا مبكرًا للتحول نحو اقتصاد تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة بوصفهما محددين رئيسيين للقوة والتنافسية في النظام الدولي.

إن “الهيمنة الطاقوية بخصائص صينية” تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة، فهذه التقنيات والمواد ليست فقط عناصر حاسمة في معادلات التفوق العسكري والاقتصادي بل إن بكين أظهرت استعدادًا لاستخدام قدراتها التكنولوجية ومعالجة المعادن كأدوات ضغط في مواجهة واشنطن، وهي كذلك التي تضبط إيقاع وأسعار ونطاق أنظمة الطاقة النظيفة التي تكهّرب اقتصادات العالم وتدفعها تدريجيًا بعيدًا عن النفط، لقد أصبحت الصين اليوم ركيزة أساسية في الاقتصاد الطاقوي العالمي لا لغياب البدائل نظريًا بل لأن قلة من المنافسين تمتلك القدرة الصناعية والتمويلية والتكنولوجية التي تمكّنها من منافستها فعليًا. فالنفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يتراكم فقط لدى من ينتجون الطاقة بل لدى من يصمّمون أنظمتها ويموّلونها ويدمجونها ويوسّعون نطاقها، ووفق هذا التعريف الأوسع تبدو الصين- لا الولايات المتحدة- الطرف الأكثر نجاحًا في تطبيق استراتيجية هيمنة طاقوية متكاملة، ورغم أن واشنطن تمتلك الموارد ورأس المال والتكنولوجيا التي تؤهلها لقيادة مسار الكهربة والبنية التحتية الطاقوية فإن تركيزها على توسيع صادرات الوقود الأحفوري على حساب تطوير الأنظمة الشاملة يضعف موقعها في سباق الطاقة العالمي.
قوة عالمية كبرى
منذ تولّي الزعيم الصيني شي جين بينغ السلطة عام 2012 انخرط في مسارٍ استراتيجي يهدف إلى تقليص اعتماد الصين على الصناعات التقليدية وضمان تفوقها في تقنيات الطاقة الجديدة، ولم يكن هذا التوجّه نابعًا من إيثارٍ مناخي بل من حسابات قوة صريحة إذ جادلت الباحثة إيمي مايرز جافي في مقال نُشر عام 2018 في مجلة (فورين أفيرز) بأن انتقال الصين إلى الطاقة النظيفة شكّل استراتيجية في سياسات القوة بوسائل مختلفة صُممت للحد من قابلية الصين للتأثر بالهيمنة الأميركية على النفط والغاز وبسيطرة البحرية الأميركية على خطوط الملاحة المحيطة “بالشرق الأوسط”، غير أن ما بدأ كمحاولة لتحصين النمو الاقتصادي الصيني من الصدمات الخارجية تطوّر إلى معادلة نجاح اقتصادي- ورافعة نفوذ في مواجهة الولايات المتحدة. وغالبًا ما يُعزى نجاح بكين إلى عاملَي الحجم والدعم الحكومي، ورغم أن ذلك يمثل جزءًا من الصورة- إذ تمكّنت الصين من إغراق الأسواق العالمية بتوربينات الرياح والألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية بأسعار منخفضة مدعومة- فإن هذا التفسير يُغفل درجة الاتساق الاستراتيجي والابتكار المؤسسي الذي اعتمدته بكين، فقد دمجت الصين هذه الصناعات في منظومة واحدة شديدة التنسيق قادرة على تحديد المعايير العالمية وصياغة قواعد السوق. وأدركت الصين مبكرًا أن تقنيات الكهربة تمتلك ميزة هيكلية مقارنة بالهيدروكربونات الموزعة جغرافيًا، وللاستفادة من ذلك ركّزت تصنيع المواد الخام والمكوّنات الوسيطة والمنتجات النهائية في نطاقات جغرافية متقاربة غالبًا لا تفصل بينها سوى ساعات قليلة، وقد أسهمت هذه الكثافة في سلاسل الإمداد في خفض التكاليف وتسريع الإنتاج ومنح الشركات الصينية قدرة تنافسية عالية من حيث السرعة والسعر معًا، ويسعى مطورو مراكز البيانات في الولايات المتحدة اليوم إلى تطبيق نموذج مشابه عبر إنشاء منظومات طاقة وبنية تحتية متكاملة رأسيًا ومتجاورة مكانيًا.
كما أن كثافة سلاسل الإمداد في الصين لم تكن نتيجة عفوية بل ثمرة تنسيق إقليمي مقصود واستثمارات مستدامة في البنية التحتية واستعداد لتحمّل فائض في الطاقة الإنتاجية إدراكًا لوجود سوق عالمية واسعة خارج حدودها، وبما أن بكين تعاملت مع تصنيع الطاقة النظيفة بوصفه قطاعًا استراتيجيًا فقد قدّمت له إعانات مالية ووجّهت في الوقت نفسه رؤوس أموال كبيرة إلى البحث والتطوير والمناطق الصناعية وشبكات الكهرباء وتنمية القوى العاملة، وتوسّع نطاق الابتكار بالتوازي مع توسّع الإنتاج ما أتاح انتقال التقنيات الجديدة سريعًا من المختبر إلى أرض المصنع، وتنافست الشركات بقوة على تحقيق وفورات الحجم والكفاءة ففشلت شركات عديدة وكان الاندماج وإعادة الهيكلة صارمين، غير أن المنظومة بأكملها خرجت أكثر صلابة وقدرة على المنافسة.
تصدير النفوذ
حوّل هذا النموذج التوسعَ الداخلي إلى أداة نفوذٍ عالمي، فقد أسهمت الطفرة الهائلة في نشر مشروعات الطاقة داخل الصين في خفض التكاليف محليًا فيما أتاحت قدرتها التصديرية إيصال تقنياتها إلى الأسواق التي يتسارع فيها الطلب وتعاني شحًا في رؤوس الأموال، وقبل نحو عقد باتت الصين قادرة على عرض تقنيات طاقة نظيفة منخفضة الكلفة وسريعة النشر وعلى نطاقٍ يعجز الآخرون عن مجاراته، فتكلفة اللوح الشمسي الصيني تقل بنحو 30 إلى 40 في المئة عن نظيره الغربي فيما يُباع المركب الكهربائي الصيني بنحو نصف سعر النموذج الأميركي أو الأوروبي.
وقد جعل ذلك التكنولوجيا الصينية خيارًا جذابًا لعدد كبير من بلدان العالم النامي حيث تبحث الحكومات عن طاقة ميسورة وموثوقة فورًا لا عن تعهدات طموحة مؤجلة التنفيذ، وقد تعاظمت الحاجة إلى حلول سريعة في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 حين قفزت أسعار الغاز الطبيعي عالميًا كاشفةً مخاطر الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، وشهدت دول مثل الهند وباكستان وسريلانكا انقطاعات واسعة للكهرباء ما جعل التحول إلى الألواح الشمسية المصنّعة في الصين خيارًا عمليًا ومنطقيًا، وبمجرد تركيب هذه الألواح أصبحت كلفة الطاقة الشمسية وإمداداتها محلية وثابتة نسبيًا. ولم تكتفِ الصين بتوريد المكونات المنفردة بل انتقلت إلى تسليم أنظمة طاقة متكاملة تشمل التوليد والنقل والتخزين وتحديث الشبكات وغالبًا ما تُقرن ذلك بالتمويل وخدمات الصيانة طويلة الأجل ففي كينيا شيدت شركات صينية مزارع شمسية ووسّعت شبكات الكهرباء، وفي باكستان تولّد الألواح الشمسية الصينية عدة (غيغاواطات) من الطاقة المتجددة وعبر أميركا اللاتينية تعمل شركات صينية على تحديث شبكات النقل الكهربائي، وتمتلك بكين أو تدير بالفعل أكثر من عشرة في المئة من البنية التحتية للكهرباء في البرازيل مع توسع حصص مماثلة في بلدان أخرى من “الجنوب العالمي” والنتيجة لا تقتصر على ريادة في مجال الطاقة النظيفة بل تمتد إلى نفوذٍ مباشر في كيفية تشكّل مسارات الكهربة عالميًا.
وقد بلغ نجاح الاستراتيجية الطاقوية الصينية حدّ تقنين هذا النهج الشامل عبر اعتماد (قانون الطاقة) أواخر عام 2024، فعلى خلاف التشريعات السابقة التي كانت تنظم قطاعات فرعية منفصلة- كالفحم والنفط والغاز والطاقة النووية والطاقة المتجددة- يتعامل هذا القانون مع الطاقة بوصفها مجالًا استراتيجيًا متكاملًا، وباتت قضايا أمن الطاقة والتنمية الصناعية والابتكار التكنولوجي وهيكلة السوق تُعالج ضمن إطار قانوني وسياساتي موحّد، وتتولى السلطات المركزية تنسيق التخطيط وتنظيم التقنيات الناشئة ومواءمة الأهداف الصناعية مع مقتضيات أمن الطاقة. والأبرز أن المبدأ الناظم لهذا النظام الجديد هو التوسّع لا الإحلال فعلى الرغم من أن القانون يفرض تسريع نشر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية والهيدروجين فضلًا عن أنظمة التخزين فإنه يؤكد في الوقت نفسه استمرار مركزية الوقود الأحفوري، ويُقدَّم الفحم والنفط والغاز لا بوصفها موارد متقادمة ينبغي استبدالها بل ركائز ينبغي تحسين أدائها وتعظيم كفاءتها ويرفع القانون من أولوية توسيع الشبكات وتحديثها ضمن التخطيط الوطني لبناء قدرات إضافية وتعزيز متانة أنظمة الوقود الأحفوري، كما يعترف بالدور المحوري للفحم في استقرار المنظومة ويدعم أنشطة استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما لتقليل مواطن الهشاشة الخارجية.
ولا يُعد هذا التعايش تناقضًا، فمن خلال الحفاظ على خياراتها عبر مختلف مصادر الوقود مع توسيع قدراتها الإنتاجية والبنيوية في آنٍ واحد شيدت الصين نظامًا طاقويًا قادرًا على امتصاص الصدمات، ودعم النمو الصناعي وتغذية التقنيات الجديدة ومنحها أوراق قوة مؤثرة في علاقاتها مع الدول الأخرى.
ما الذي ينتظرنا في عالم الطاقة؟
تجلّى نجاح الاستراتيجية الطاقوية الصينية بوضوح عام 2025 فقد أعادت التوترات التجارية المتجددة مع بكين تذكير واشنطن بمدى اعتماد الصناعات الأميركية على سلاسل إمداد خاضعة للسيطرة الصينية في مجالات المعادن الحيوية وتقنيات الطاقة وبخطورة نقاط الاختناق هذه بالنسبة لأنظمة الدفاع الأميركية والتصنيع المتقدم، وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحتفي بارتفاع صادراتها من النفط والغاز تحت شعار (هيمنة الطاقة) أدى فائض المعروض في السوق العالمية إلى خفض أسعار الخام ما أتاح للصين تكوين احتياطيات كبيرة من الوقود بتكلفة منخفضة، وفي سوق متخمة بالإمدادات توفر قاعدة الواردات المتنوعة التي تعتمدها بكين إلى جانب مخزوناتها المتراكمة هامش أمان يحميها من الاضطرابات بما في ذلك احتمال فقدان النفط الفنزويلي.
ووفقًا لما ورد في أحدث خططها الخمسية توسّع بكين الاستراتيجية الصناعية المنسّقة مركزيًا- التي دفعت صعودها في تصنيع الطاقة النظيفة- إلى قطاعات ناشئة مثل المركبات ذاتية القيادة والذكاء الاصطناعي والروبوتات، والهدف لا يقتصر على المشاركة في هذه المجالات بل يتعداه إلى قيادتها عبر ترسيخ تقنيات الجيل القادم داخل سلاسل إمداد محلية وتوسيع نطاقها قبل أن يتمكن المنافسون العالميون من اللحاق بها، وستستفيد الولايات المتحدة لعقود مقبلة من دورها مورّدًا للنفط والغاز غير أن الصين تعمل تدريجيًا على تقويض التفوق التكنولوجي لمنافستها. صحيح أن الشركات الأميركية لا تزال تتصدر نماذج الذكاء الاصطناعي وتصميم الرقائق لكن توسيع هذه العمليات يعتمد على شبكات كهرباء أميركية مجزأة ومتقادمة ومثقلة بالتجاذبات السياسية، وتمتلك الولايات المتحدة الموارد ورأس المال والقدرة الابتكارية التي تخوّلها المنافسة غير أن الانقسامات السياسية حالت دون تبني استراتيجية متماسكة وقابلة للتنفيذ، وقبل فوات الأوان يتعين إعادة تعريف سياسات الطاقة والمعادن الحيوية الأميركية على أساس التكامل والابتكار لا مجرد الاستخراج الخام، فواشنطن ستكون أكثر نجاحًا إذا تبنّت مقاربة شاملة تشمل النفط والغاز الطبيعي والطاقة النووية والطاقة المتجددة والبطاريات بدل حصر اهتمامها في الوقود الأحفوري وحده. غير أن (المجلس الوطني لهيمنة الطاقة) الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى الأولوية لنفوذٍ تصديري قصير الأجل في مجال الهيدروكربونات على حساب الريادة التكنولوجية طويلة الأمد، ورغم استمراره في دعم تطوير الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية المتقدمة وابتكارات البطاريات فقد قلّص الدعم الفيدرالي لنشر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق واسع وحوافز المركبات الكهربائية وتحديث شبكات الكهرباء- وهي القطاعات التي تقود عملية الكهربة عالميًا، ومن خلال تقييد حجم هذه الصناعات ونطاقها تخاطر الولايات المتحدة بفقدان موقعها القيادي تكنولوجيًا على الصعيد الدولي خصوصًا في ظل تقاطع أنظمة الطاقة مع التصنيع والذكاء الاصطناعي.
إن استعادة التفوق التكنولوجي الأميركي تتطلب الجمع بين ثروتها من الموارد الطبيعية واستثمارات مستدامة في الابتكار والتصنيع والشراكات الدولية، والمفارقة أن الإدارة الأكثر صخبًا في الترويج لمفهوم هيمنة الطاقة انتهجت سياسات تجعل تحقيقها أكثر صعوبة، فمن خلال حصر مفهوم الهيمنة في الوقود الأحفوري والانكفاء عن التقنيات التي تكهّرب الاقتصادات تتنازل واشنطن عن الساحة التي يُبنى عليها ميزان القوة في القرن الحادي والعشرين، فالهيمنة لن تكون لمن ينتج الطاقة فحسب بل لمن يستطيع أيضًا توفير البنية التحتية التي تُمكّن الاقتصادات من العمل والنمو.
*Carolyn Kissane, Energy Dominance with Chinese Characteristics Why Beijing Holds the Power in the Century Ahead, foreign affairs, February 19, 2026.




