الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
المخاطر الحقيقية للخلاف السعودي – الإماراتي: التنافس الإقليمي يرفع التوترات إلى ما وراء الخليج

بقلم: جوناثان بانيكوف
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
الانقسام بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بات واضحًا للعالم أجمع، تصاعدت التوترات خلال العام الماضي عندما تصادمت المملكتان الخليجيتان بشأن اليمن لكن العداوة الكامنة برزت إلى العلن في كانون الثاني حين اتهمت وسائل الإعلام السعودية الإمارات بـ”الاستثمار في الفوضى” في شمال إفريقيا وقرن إفريقيا وبالعمل كأداة “لإسرائيل”** في المنطقة الأوسع، ومن جهتها تجنبت الإمارات الإدلاء بمثل هذه التصريحات العلنية لكن هذا الخلاف الأخير ليس سوى قمة جبل الجليد.
تتسابق الرياض وأبوظبي في صراع استراتيجي أوسع يتضمن منافسة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي والأمني ما كان في السابق تنافسًا وديًا تحوّل إلى صراع مفتوح، وجوهر الأزمة يكمن في رؤية 2030 الخطة الكبرى للمملكة لمستقبلها فإذا أرادت الرياض تحقيق الأهداف التي وضعها زعيمها الفعلي محمد بن سلمان يجب عليها تحدي هيمنة الإمارات في مجالات المالية والسياحة والتجارة، لم تعترف أي من الحكومتين بهذا التوتر علنًا لكنهما مدركتان له جيدًا فمثل هذا التحول هو بالذات ما حققته الإمارات قبل عقود، حين حلت محل البحرين كأبرز جهة تجارية في الخليج. ورغم ذلك من غير المرجح أن يتطور الانقسام الخليجي إلى حرب مباشرة بين السعودية والإمارات أو حتى إلى إجراءات عسكرية محدودة مثل الحصار، لكن الرياض وأبوظبي يخوضان صراعًا اقتصاديًا داخليًا ويشاركان في عدة معارك عسكرية بالوكالة في الخارج ومن المؤكد أن خلافاتهما ستشكل ملامح المنطقة خلال العقد القادم بما في ذلك طريقة تعاملهما مع التزامات الأمن المشترك مع القوى الغربية، وكيفية جذب الاستثمارات من القطاع الخاص وطريقة مشاركتهما في النزاعات الإقليمية الحالية والمستجدة.
تنافس محتدم

الصراع المحتدم بين الرياض وأبو ظبي يعود جذوره إلى تحولات السياسة الإقليمية في العقد الأخير، في عام 2015 عندما أصبح محمد بن سلمان وليًا لولي العهد وبدأ يسيطر على مفاصل الحكومة السعودية كانت الرياض وأبو ظبي متوحدة في التعامل مع أكبر القضايا في “الشرق الأوسط”، وعلى المستوى الشخصي كان هناك تفاهم بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد رئيس دولة الإمارات. قدمت الإمارات دعمًا للحملة العسكرية السعودية ضد أنصار الله الحوثـ ــيين في اليمن، كما دعمت الدولتان حملة “الضغط الأقصى” التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران، وفي عام 2017 شاركتا في حظر قطر للضغط على الدوحة لقطع علاقتها بإيران وإغلاق قناة الجزيرة ووقف دعمها لجماعة الإخوان المسلمين وهي حركة عمرها قرن من الزمن تعمل على نشر شكل من أشكال الإسلام السياسي الذي تعتبره بعض دول الخليج تهديدًا مثل دعمها للديمقراطية، وقد صنفت الولايات المتحدة هذه الحركة مؤخرًا كمنظمة إرهــ ـــابية.
لكن خلال سنوات قليلة بدأت هذه الأجندة المشتركة تُظهر بوادر توتر، تخلت الدولتان عن حصار قطر رغم أن موقف الدوحة من الإخوان وعلاقاتها بإيران لم يتغير جوهريًا وفشلت حملة الضغط الأقصى الأمريكية في إقناع طهران بتعديل سلوكها، وفي ضوء هذه الإخفاقات وابتداءً من عام 2021 بدأت السعودية تنأى بنفسها عن الإمارات وشرعت في تقارب علاقاتها مع إيران وقطر وتركيا حتى وصلت في عام 2023 إلى اتفاق رسمي للتصالح مع طهران. وبدأ بعض كبار المسؤولين السعوديين يشيرون إلى أن الإمارات دفعت السعودية في وقت سابق إلى فرض الحصار على قطر. ويعود تحول السياسة السعودية إلى إعادة تقييم أفضل السبل لتحقيق أجندتها الداخلية، فقد تبنى محمد بن سلمان في البداية سياسة خارجية عدائية ركزت على مواجهة الدول المرتبطة بالإسلام السياسي لكنه أدرك لاحقًا أن هذا النهج لم يحقق هدفه الأساسي وهو تنفيذ رؤية 2030 التي تسعى لتحويل المملكة بعيدًا عن الاعتماد على النفط وجعلها مركزًا ماليًا وتجاريًا وسياحيًا، ولتحقيق هذه الرؤية تحتاج المملكة إلى مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية وهو ما يتطلب بدوره بيئة مستقرة وتنبؤية.
لذلك تسعى السعودية إلى تعزيز علاقاتها مع خصومها السابقين ليس لأن موقفها تجاه تلك الدول تغير بل لأنها ترى أن التكيف معهم استراتيجية أفضل، فالصراع في “الشرق الأوسط” أو على طول البحر الأحمر قد يعطل طرق التجارة ويخيف المستثمرين الأجانب، في المقابل لا تزال الإمارات ملتزمة بنفس أولويات سياستها الخارجية التي وجهتها لعقد كامل تقريبًا، فهي تسعى للحفاظ على نفوذها الإقليمي والعالمي المدعوم بقوتها الاقتصادية والتجارية والاستثمارية ولمنع انتشار الإسلام السياسي.
اليوم تتباين مواقف السعودية والإمارات بشأن “إسرائيل” والسودان وسوريا واليمن، ففي معظم هذه الملفات تركز السعودية على الاستقرار طالما لا يوجد تهديد مباشر للمملكة بينما تسعى الإمارات بشكل عام لمنع الإسلاميين من كسب الأرضية، ففي السودان الذي يعاني من أسوأ أزمة إنسانية في العالم دعمت الرياض القوات المسلحة السودانية، بينما قدمت الإمارات المال والأسلحة لقوات الدعم السريع المنافسة رغم نفيها لذلك. وفي سوريا وافقت السعودية على ضخ مليارات الدولارات في إعادة الإعمار معتبرة أن الرئيس الجديد وهو قيادي جهادي سابق يمثل أفضل فرصة لتحقيق الاستقرار، بينما أبدت الإمارات حذرًا شديدًا ولم تقدم سوى القليل من الدعم المالي لشكها في قدرة الرئيس على توطيد سلطته والتخلي عن جذوره الإسلامية، أما بالنسبة “لإسرائيل” فقد عززت الإمارات بهدوء علاقاتها التجارية والأمنية في حين ترفض السعودية التطبيع قبل وجود مسار واضح لإقامة دولة فلسطينية. وبلغت التوترات الإقليمية ذروتها في أواخر عام 2025 في اليمن حيث تحولت الخلافات بين الفصائل المدعومة من الرياض وأبوظبي إلى صراع داخلي، ففي كانون الاول من ذلك العام استولت مجموعة انفصالية يمنية مدعومة من أبوظبي على أراضٍ كانت تحت سيطرة الفصائل المدعومة من السعودية، وردت الرياض بقصف شحنة أسلحة إماراتية مما دفع الإمارات إلى سحب قواتها بالكامل من البلاد.
رؤية ضيقة 2030

من مصلحة كلٍّ من السعودية والإمارات التقليل علنًا من حجم خلافاتهما لطمأنة المستثمرين الأجانب بأن منطقة الخليج لا تزال بيئة آمنة لرؤوس الأموال، غير أن التوتر بين البلدين مرشح للتفاقم فكلاهما يتنافس بصورة متزايدة على جذب الاستثمارات في القطاعات ذاتها، ونظرًا إلى حجم رأس المال الأجنبي الذي تحتاجه السعودية لتحقيق “رؤية 2030” فإن نجاحها قد يأتي على حساب الهيمنة الإماراتية في مجالات التمويل والتكنولوجيا والسياحة والخدمات اللوجستية، فالأسواق الإقليمية والعالمية قد لا تكون قادرة على استيعاب طموحات البلدين معًا بالحجم نفسه.
يدرك قادة الإمارات جيدًا تجربة البحرين وهم مصممون على تجنب المصير ذاته ففي عام 1932 كانت البحرين أول دولة في المنطقة تكتشف النفط لكنها بسبب محدودية احتياطاتها اتجهت إلى تنويع اقتصادها، وبحلول سبعينيات القرن الماضي أصبحت مركزًا إقليميًا للتمويل والسياحة والخدمات اللوجستية وصهر الألمنيوم، غير أن دبي ثم أبوظبي لاحقًا أنشأتا في أوائل تسعينيات القرن الماضي مراكز مالية بقيود تنظيمية أقل ورؤوس أموال أكبر. ومع مطلع الألفية الجديدة عززت مشروعات ضخمة مثل جزيرة النخلة وبرج خليفة مكانة الإمارات كوجهة عالمية للمقيمين الأجانب، ثم كرّست الحكومة خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قوتها الاقتصادية لترسيخ نفوذها الدولي، فعند قيام دولة الإمارات عام 1971 بلغ ناتجها المحلي الإجمالي 940 مليون دولار مقابل 422 مليونًا للبحرين لكن بحلول عام 1990 وصل الناتج الإماراتي إلى 308 مليارات دولار مقابل 27 مليارًا فقط للبحرين.
اليوم تسعى السعودية إلى تبني استراتيجية مماثلة لكنها تحاول تحقيق قفزة أسرع بكثير مستفيدة من كل مزاياها المتاحة، فالسوق السعودية هي الأكبر في المنطقة وتسعى الرياض إلى تعزيز قدرتها التنافسية عبر إجراءات غير جمركية تحدّ من نفاذ الشركات الإماراتية إلى سوقها المحلية، فهي على سبيل المثال تفرض تصاريح خاصة على الشاحنات الأجنبية لنقل المحاصيل والماشية داخل أراضيها، كما بدأت عام 2021 بفرض تعريفات أعلى على السلع المنتجة في المناطق الحرة التي تتيح ملكية أجنبية كاملة وإعفاءات ضريبية. وتُعد الإمارات أكبر مُصدّر في الخليج وتضم أكثر من أربعين منطقة من هذا النوع، وفي عام 2024 قررت السعودية منح العقود الحكومية فقط للشركات التي تنشئ مقارًا إقليمية داخل المملكة، ما دفع العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى نقل مكاتبها من الإمارات إلى السعودية.
تمتلك السعودية أيضًا قاعدة صناعية وتصنيعية أكبر بكثير من الإمارات وتستثمر بكثافة في قطاع التعدين مستفيدة من احتياطاتها من الفوسفات والذهب والبوكسيت والعناصر الأرضية النادرة، كما أن مساحتها تفوق مساحة الإمارات بنحو سبعة وعشرين ضعفًا وهو ما يتيح لها بناء مجمعات إنتاجية ضخمة بما في ذلك دعم أكبر صناعة ألبان في “الشرق الأوسط”، وتستفيد كذلك من السياحة الدينية ومن مكانتها بوصفها راعية الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة وهو ما يمنحها ثقلًا معنويًا وسياسيًا واسعًا في العالمين العربي والإسلامي، وتعتقد الرياض أن هذا الدور يكرّسها قائدًا محوريًا في المنطقة. غير أن الكثافة السكانية الأكبر في السعودية تمثل سلاحًا ذا حدين، فمن جهة تمنحها سوقًا استهلاكية واسعة وفرصًا كبيرة للنمو الداخلي ومن جهة أخرى تفرض عليها أعباء اجتماعية واقتصادية أكبر، يبلغ عدد سكان السعودية نحو 35 مليون نسمة منهم قرابة 20 مليون مواطن في حين يبلغ عدد سكان الإمارات نحو 11 مليونًا لا يتجاوز عدد المواطنين منهم قليلًا على مليون نسمة، ويمنح صغر حجم الإمارات مرونة وسرعة أكبر في التكيف خاصة في القطاعات سريعة التغير مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية.
لطالما شكّلت الإمارات وجهة جاذبة للاستثمارات والكفاءات الأجنبية وتمتلك تفوقًا راسخًا في الخدمات المالية والطيران والرعاية الصحية والسياحة، كما تتميز بانفتاح اجتماعي أوسع إذ يُسمح مثلًا للأزواج غير المتزوجين بالعيش معًا، وتتمتع بقدرات لوجستية وتجارية متقدمة لا تضاهيها دولة أخرى في المنطقة ففي عام 2023 تعاملت مع عدد حاويات شحن يعادل ضعف ما تعاملت معه السعودية واستقطبت ضعف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بها، وبفضل اقتصادها المتنوع لا يتجاوز اعتمادها على النفط ربع ناتجها المحلي الإجمالي في حين يقارب اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط نصف الناتج.
تكمن المعضلة بالنسبة للسعودية في أنها تسعى لتنويع اقتصادها وتجد الإمارات تنافسا بلا هوادة، فأبوظبي تضخ مليارات الدولارات لمنافسة الرياض في القطاعات نفسها التي تستهدفها “رؤية 2030” للهيمنة عليها بحلول نهاية العقد، مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية العالمية. تظل الرياض وأبوظبي أمام فرصة لتخفيف حدة التوترات عبر التعاون في قطاعات محددة مثل إنشاء مراكز تكنولوجية ومراكز بيانات مشتركة، ويمكن للطرفين سواء عبر المفاوضات الثنائية أو من خلال وسطاء إقليميين مثل البحرين وعمان تحديد النتائج المرجوة في مناطق النزاع والعمل إلى الوراء لضمان تحقيق هذه الأهداف، إلا أن المؤشرات الراهنة توحي بأن التصعيد هو الخيار الأكثر احتمالًا.
من منظور أمني واستراتيجي على الولايات المتحدة وأوروبا الامتناع عن الانحياز لأحد الطرفين في النزاع الخليجي، فالموقع الجغرافي للسعودية والإمارات يمنحهما تأثيرًا مباشرًا على أسواق النفط ومسارات التجارة الحيوية وأي تفضيل خارجي لطرف على حساب الآخر قد يضعف النفوذ ويفقد الفرص الاستثمارية بل ويهدد الاستقرار الإقليمي، وإذا شعرت إحدى القوى الخليجية بتراجع مكانتها فقد تتجه نحو الصين للحصول على مزايا في الشحن والاستثمار وحقوق القواعد العسكرية، وهو ما قد يعقد التوازن الاستراتيجي للغرب في المنطقة.
على المستوى السياسي تشير التجارب السابقة إلى أن الوجود القوي للولايات المتحدة في “الشرق الأوسط” يظل ضروريًا، ورغم أن الرؤساء الأمريكيين الأربعة السابقين أعلنوا نوايا لتقليل التدخل فإنهم حافظوا على نشاطهم الإقليمي، وفي هذا الإطار يتعين على واشنطن بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين أن تمارس سياسة موازنة دقيقة بين الرياض وأبوظبي مع إدراك أن حل الخلاف قد يحتاج إلى تدخل شخصي على مستوى القادة، فقد كانت العلاقة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد جيدة في بدايات ولاية الأول لكن التنافس اليومي وتوتر العلاقات الشخصية يغذي الصراع بين البلدين، أي تقارب بين القائدين قد يسهم بشكل ملموس في استقرار المنطقة وخلق بيئة مواتية للاستثمارات الإقليمية والدولية.
* Jonathan Panikoff, The Real Risks of the Saudi-UAE Feud Regional Rivalry Will Raise Tensions Far Beyond the Gulf, foreign affairs, February 6, 2026.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



