الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الخيارات العسكرية الأميركية – المتاحة في حال فشل المفاوضات مع ايران

بقلم: أ.د سعد السعيدي
مدير مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تتقلص مسافات الاشتباك، يضيق الوقت المتاح للتفاوض، تزدحم الجغرافيا بالعتاد والسلاح المعد للحرب، ترتفع وتيرة الاستعداد للحرب والسلام معا، وتزداد مواقف الاطراف ارتباكا وريبة، وينفتح المستقبل نحو كل الاحتمالات ويزداد ضبابية، هذا ما يمكن ان يوصف به الموقف الراهن الخاص بالتهديدات الامريكية لشن هجوم على ايران في حال فشلت المفاوضات التي يراد منها تحقيق الاهداف الامريكية و”الاسرائيلية” بالدرجة الاساس.
وقد بدت مهمة توجيه ضربة عسكرية امريكية لايران (او هجوم موسع) اكثر احتمالا من اي وقت مضى في ظل تزايد المؤشرات على الهجوم وتراجع فرص عقد صفقة نووية- صاروخية- سياسية- اقتصادية مرضية للامريكان و”الاسرائيليين” من جهة او الايرانيين من جهة ثانية عبر المفاوضات، واستنادا الى هذه المؤشرات المتمثلة بزيادة الحشد العسكري ورفع وتيرة الاستعداد العسكري والاستراتيجي المتبادل بين الاطراف، وشبه انسداد في الافق السياسي والدبلوماسي التفاوضي نظرا لتناقض الارادات وتعارض الرؤى المتعلقة بالملف النووي والصاروخي، فأن احتمالات الهجوم الامريكي على ايران باتت اكثر احتمالا وقد تأخذ اكثر من مستوى ومسار يمكن ان نذهب الى استشرافها عبر المشاهد الاتية:
اولاً: المستوى الاول: توجيه ضربةعسكرية سريعة ومحدودة.
ثانياً: المستوى الثاني: هجوم عسكري محدود يستهدف تدمير القدرات الايرانية الاساسية.
ثالثاً: المستوى الثالث: هجوم عسكري موسع يستهدف تدمير القدرات الايرانية الشاملة واستهداف النظام السياسي.

المستوى الاول
هدفه الاساس زيادة وتيرة الضغط على الايرانيين لدفعهم الى تقديم تنازلات جوهرية في مجال الملف النووي والصاروخي عبر دفعهم تحت ضغط القصف الى الموافقة على الشروط الامريكية الخاصة بتجميد التخصيب ونقل الخزين الايراني الى جهة ثالثة وتشديد المراقبة الدولية على البرنامج النووي الايراني لتحويله الى برنامج سلمي 100% وفقا للرؤية الامريكية للبرامج النووية السلمية، فضلا عن فرض قيود على البرنامج الصاروخي تتعلق بتقليل مسافات الصواريخ واعدادها، وقد يقدم الامريكيون بعض التنازلات في اطار هذا المستوى اذا ما وافقت ايران على تلبية المطالب الامريكية عبر تنازلهم المؤقت عن بحث البرنامج الصاروخي على الرغم من الضغوطات “الاسرائيلية” وما يدفع البعض لترجيح هكذا مشهد احتمالي وشيك هو حجم القوة العسكرية الامريكية المحدودة مقارنة بحجم القدرات الايرانية الدفاعية، فتنفيذ هدف اكبر من توجيه ضربات جوية وصاروخية لايران يحتاج الى قوة اكبر من تلك الموجودة حاليا قرب الاراضي الايرانية .
ولا يمكن الجزم بنجاح هذا الاحتمال في تحقيق الاهداف الامريكية، حيث من الوارد ان يمتاز الرد الايراني بالصلابة والتحدي والتشدد في رفض المطالب الامريكية والقيام بتصعيد عسكري كبير جدا يستهدف كامل المصالح الامريكية في المنطقة (لا سيما بعد ان اعلنت ايران ان اي هجوم عليها سيشعل حرب اقليمية موسعة) فضلا عن استهداف “اسرائيل” للضغط على صناع القرار الامريكان و”الاسرائيليين” على حد سواء، وفي هذه الحالة قد ينتقل الامريكان الى نوعين من الرد هما اما العودة الى المفاوضات عبر الاستمرار بالضغط العسكري والاقتصادي والسياسي واما التصعيد العسكري والانتقال الى المستوى الثاني.
المستوى الثاني
يفترض هذا المستوى شن هجوم عسكري اكبرمن توجيه ضربة عسكرية محدودة لاغراض الضغط وتحسين شروط التفاوض، هدف هذا الهجوم على الارجح لن يرتبط بالضغط انما بالتدمير الاقصى للقدرات الايرانية، ولن يتخذ هكذا قرار الا بعد ان يتوصل الامريكان الى حقيقة مفادها ان الايرانيين لن يتنازلوا ابدا عن ثوابتهم الخاصة بالملف النووي والصاروخي.
وفي هذه الحالة فأن قرار الهجوم العسكري سيستهدف على الارجح تدمير القدرات الايرانية الدفاعية في البداية عبر تحييد اسلحة الدفاع الجوي والسيطرة الكاملة على الاجواء ومن ثم الشروع بتدمير البنية النووية والصاروخية عبر استهداف الاصول المادية والتقنية ومنصات اطلاق الصواريخ والمصانع تحت الارض واغتيال العلماء، فضلا عن مهاجمة مئات المواقع الحيوية التابعة للحرس الثوري والقوة البحرية الايرانية واستهداف مصانع السلاح والطائرات المسيرة والقيادات العسكرية والامنية المهمة بما فيها قيادات الجيش والحرس الثوري وقيادات وزارة الاستخبارات والاجهزة الامنية المختلفة وقادة سلاح الصورايخ والطائرات المسيرة بهدف شل القدرات الايرانية على الرد والانتقام.

ان تنفيذ هكذا سيناريو يعد صعب مقارنة بحجم الحشد العسكري الامريكي المتوفر حاليا في المنطقة، فهو يحتاج الى ما لا يقل عن 400 طائرة مقاتلة حسب تقديرات المتخصصين في ادارة الحروب الجوية، فضلا عن ضرورة توفر وسائل الاسناد الكافية المتمثلة بطائرات الشحن والارضاع الجوي وطائرات الرصد والتشويش والحرب الالكترونية والسيبرانية لتغطية كامل جغرافيا ايران، اضافة الى ضرورة توفير اسلحة وصواريخ دفاع جوي كافية لمواجهة العدد الكبير من الصواريخ الايرانية التي ستستهدف الاهداف الامريكية و”الاسرائيلية” في حال اندلاع هجوم موسع، في حين ان المعلومات المنشورة والمسربة تشير الى ان عدد الطائرات الامريكية المقاتلة المتواجدة في المنطقة لا تتجاوز 150 طائرة مما يعني ان الحاجة الى دخول سلاح الجو “الاسرائيلي” الى المعركة سيكون حتمي في اطار التنسيق الامريكي- “الاسرائيلي” اذا اتخذ قرار الحرب في الفترة القصيرة القادمة اي قبل زيادة جديدة في الحشود العسكرية الامريكية، لا سيما ان الطائرات “الاسرائيلية” سواء اف 16 او اف 35 مزودة بخزانات وقود اضافية مما يتيح لها الوصول الى اهداف اعمق وابعد مما يمكن ان تصل اليه الطائرات الامريكية المناظرة، حيث تفضل الولايات المتحدة عوامل المناورة والسرعة في طائراتها على عامل القدرة على الوصول الى مسافات ابعد وهي امور تكتيكية تميز كل سلاح جو عن الاخر وفقا للحاجة والظروف.
ووفقا للحسابات العسكرية والظروف العملياتية فأن الحشد العسكري الامريكي الحالي المتمثل بثلاثة حاملات طائرات وعشرين سفينة وبين 130 – 150 طائرة مقاتلة وبضعة الاف من الجنود لا تكفي الا لشن هجوم يتراوح بين الضربات الجوية المكثفة لاحداث دمار متوسط وبين هجوم موسع يستهدف احداث تدمير واسع للقدرات العسكرية الايرانية والبنى اللتحتية واغتيال بعض القيادات والعلماء في البرنامجين النووي والصاروخي، دون القدرة على اسقاط النظام السياسي او تفكيك الدولة الايرانية او احتلالها.
وهذا المستوى ايضا غير مضمون من ناحية تحقيق الاهداف الامريكية- “الاسرائيلية”، فالجغرافيا الايرانية الواسعة والمعقدة والاستعدادت العالية قد تحبط جوهر الهجوم وغاياته النهائية وتفرغه من محتواه عبر احتواء الهجوم وايجاد بدائل فورية تتعلق بالقيادات المهمة، او احداث مفاجئات نوعية غير محسوبة على المستوى العسكري او الاستخباري- السيبراني، الامر الذي قد يفضي بالنتيجة الى تحويل هذا الهجوم الموسع الى مجرد اداة لتدمير اكبر قدر ممكن من القدرات الايرانية لكنه لن يحدث تحول جوهري في طبيعة التوازنات او اخراج ايران من معادلة التوازن الاقليمي لمصلحة “اسرائيل”.
المستوى الثالث للهجوم
قد ترتقي الاهداف الامريكية- “الاسرائيلية” وفقا لتطورات المواجهة الى استهداف النظام السياسي الايراني بكل تفاصيله في محاولة لتفكيكه او اسقاطه او اضعافه بشكل كبير على الاقل تمهيدا لبدأ مرحلة اخرى تتمثل بتشظي الدولة الايرانية واحلال بدائل مكوناتية في شمال- غرب ايران متمثله بالكرد وفي الشمال الشرقي متمثله بالاذريين وفي جنوب- شرق ايران متمثلة بالبلوش، او عبر ايجاد بديل من رحم النظام السياسي نفسه عبر دعم بعض الاصلاحيين والمدنيين والمعارضة المحسوبة على الغرب.
ان الوصول الى مرحلة تفكيك النظام السياسي الايراني او اسقاطة ليست بالامر السهل ولا المتيسر، فالنظام السياسي الايراني المستند الى قيادة قوية نظام متجذر شعبيا ويمتلك قواعد شعبية كبيرة جدا قائمة على اسس عقائدية صارمة وتحميه اجهزة عسكرية وامنية واستخبارية كبيرة جدا ومتجذرة في تفاصيل المجتمع الايراني، كما ان النظام السياسي الايراني يمتلك القدرة على التكيف مع الصدمات والضغوط الخارجية عبر ميزة القدرة على احلال البدائل بسرعة مما يجعله متماسك في اصعب الظروف، وقد اعد القادة الايرانيون انفسهم لهكذا سيناريو واوجدوا البدائل المناسبة مما يعني ان نجاح هذا المستوى من الهجوم الامريكي- “الاسرائيلي” امر غير مضمون وقد ينتهي الهجوم بالفشل، يقابله ارتفاع كلف الدفاع “الاسرائيلي” والامريكي ضد الهجمات الصاروخية الايرانية والهجمات البحرية وتلك التي تشنها الطائرات المسيرة الاستراتيجية الايرانية ضد اهداف بحرية وارضية وجوية، الامر الذي يمكن ان يضع كافة الاطراف في اطار حلقة مفرغة من العنف والعنف المضاد تحكمه المعضلة الامنية التي تهيمن على توازنات منطقة “الشرق الاوسط”.
ان صياغة هذه الاحتمالات لا يعني حتمية وقوع الحرب انما تاتي من باب الافتراضات المستندة الى مؤشرات معينة، فهناك على الدوام فرص لابرام اتفاقات في اللحظات الاخيرة تقف ورائها تسويات سرية ووفود تفاوضية تعمل بصمت بعيدا عن الاعلام وبموافقات من اعلى المستويات، فقد توافق ايران على تقديم بعض التنازلات الجوهرية في برنامجها النووي في الايام القادمة (بشكل مؤقت يمتد لحين انتهاء فترة ولاية ترامب) مشفوعة بعروض اقتصادية لكسب ود الكارتلات الاقتصادية الامريكية التي تمتلك ادوات ضاغطة على البيت الابيض، وبنفس الوقت تبعد برنامجها الصاروخي عن اي مساومات او تنازلات بشكل يبقيها في جوهر معادلة التوازن والقوة الاقليمية، فالسياسة قائمة على اساس المساومة والقدرة على ايجاد البدائل، فما تخسره ايران في مجال برنامجها النووي يمكن ان تعوضه بالمكاسب الاقتصادية والسياسية والحفاظ على تماسكها الداخلي وديمومة نظامها السياسي واستمرارية عناصر قوتها العسكرية وسلامة بناها الصناعية والانتاجية.



