الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
إعادة تعريف الردع الإستراتيجي في عصر التعددية القطبية

بقلم: أ.م.د أوراد محمد مالك كمونه
كلية العلوم السياسية/ جامعة بغداد
المقدمة
تشهد البيئة الدولية الراهنة تحولات بنيوية عميقة نتيجة انتقال النظام العالمي من نمط الهيمنة الأحادية إلى حالة أكثر تعقيداً تتسم بتعدد مراكز القوة وتزايد التنافس بين القوى الكبرى والصاعدة، وقد انعكس هذا التحول بصورة مباشرة على المفاهيم الإستراتيجية التقليدية، وفي مقدمتها مفهوم الردع الإستراتيجي الذي لم يعد مرتبطاً حصراً بالتوازن العسكري أو النووي كما كان خلال الحرب الباردة، بل أصبح إطاراً ديناميكياً لإدارة الصراع ومنع التصعيد ضمن فضاء دولي متشابك سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً، إن تعدد الفاعلين وتنوع أدوات القوة فرض إعادة صياغة فلسفة الردع إذ تتجاوز منطق التهديد المباشر إلى منطق التأثير المركب والتحكم بسلوك الخصوم عبر أدوات متعددة المستويات.
أولاً: تراجع نموذج الردع التقليدي
كان الردع الإستراتيجي في صورته الكلاسيكية قائماً على وضوح الخصم وتوازن القدرات العسكرية، إذ شكّلت القوة النووية أساس الاستقرار النسبي بين القوى الكبرى، إلا أن هذا النموذج فقد جزءاً كبيراً من فاعليته مع انتهاء الثنائية القطبية، إذ لم تعد التهديدات محصورة بحرب شاملة، بل اتجهت نحو صراعات محدودة وغير متماثلة، وأن تنوع مصادر القوة أدى إلى تقليص مركزية الردع العسكري، وجعل القدرة على التأثير السياسي والاقتصادي جزءاً من معادلة الردع الحديثة.
ثانياً: التعددية القطبية وتعقيد حسابات الردع
أدى صعود قوى دولية جديدة وتزايد أدوار القوى الإقليمية إلى خلق بيئة إستراتيجية أكثر سيولة، إذ تتعدد مراكز القرار وتتباين إدراكات التهديد والمصلحة، إذ لم يعد الردع عملية ثنائية واضحة، بل أصبح شبكة تفاعلات متداخلة تتأثر بالتحالفات المؤقتة والمنافسات المتغيرة، هذا التعقيد يزيد احتمالات سوء التقدير الإستراتيجي، لأن كل طرف يفسر سلوك الآخر وفق تصورات مختلفة، ما يجعل الردع أقل استقراراً وأكثر حساسية للأزمات المفاجئة.
ثالثاً: انتقال الردع إلى تعدد المجالات
لم يعد الردع مقتصراً على المجال العسكري، بل امتد إلى الفضاءات السيبرانية والاقتصادية والمعلوماتية، فالعقوبات الاقتصادية، والتحكم بسلاسل الإمداد، والهجمات السيبرانية، والتأثير الإعلامي أصبحت أدوات ردع فعالة قادرة على فرض كلفة عالية دون اللجوء إلى الحرب المباشرة، هذا التحول يعكس انتقال الصراع الدولي إلى مستويات منخفضة الحدة لكنها مستمرة، إذ تسعى الدول إلى تحقيق أهدافها عبر الضغط التدريجي بدلاً من المواجهة العسكرية الشاملة.

رابعاً: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل معادلة الردع
أدخل التطور التكنولوجي السريع، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والحرب السيبرانية، عناصر جديدة في حسابات الردع، فسرعة معالجة المعلومات وتقليص زمن اتخاذ القرار قد يعززان القدرة على الردع، لكنه في الوقت نفسه يزيد خطر التصعيد غير المقصود نتيجة الاعتماد على الأنظمة الآلية، وأن تفوق الدول تكنولوجياً بات يشكل أداة ردع بحد ذاته، إذ يمنحها قدرة على تعطيل قدرات الخصم دون الدخول في مواجهة تقليدية.
خامساً: التحالفات المرنة والردع الشبكي
في ظل التعددية القطبية، أصبح الردع يعتمد بدرجة متزايدة على الشبكات والتحالفات متعددة الأطراف بدلاً من التحالفات الصلبة طويلة الأمد، فالدول تسعى إلى بناء منظومات ردع جماعية تجمع بين التعاون العسكري والتكامل الاقتصادي والتنسيق التكنولوجي، ويعكس هذا التحول إدراكاً بأن الردع الفعال لم يعد نتاج القوة الوطنية وحدها، بل نتيجة القدرة على العمل ضمن منظومات تعاون تعزز الكلفة الاستراتيجية لأي سلوك عدائي.
سادساً: الردع كإدارة مستمرة للصراع الدولي
أصبح الهدف الأساسي للردع المعاصر ليس منع الحرب بصورة مطلقة، بل إدارة المنافسة ومنعها من التحول إلى صراع شامل، فالصراعات الحديثة تجري غالباً في “المنطقة الرمادية” بين السلم والحرب، إذ تستخدم الدول أدوات ضغط تدريجية للحفاظ على مصالحها دون تجاوز عتبة المواجهة المباشرة، وعليه، تحول الردع من إستراتيجية قائمة على التهديد النهائي إلى عملية دائمة لضبط السلوك الدولي وتقليل مخاطر التصعيد.
إن إعادة تعريف الردع الإستراتيجي تعكس طبيعة النظام الدولي الجديد الذي تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والإدراك السياسي، ففي عصر التعددية القطبية، لم يعد الردع يعتمد على امتلاك القوة فحسب، بل على القدرة على توظيفها بمرونة ضمن بيئة معقدة ومتغيرة، ومن المرجح أن يستمر تطور مفهوم الردع مستقبلاً ليصبح أكثر ارتباطاً بإدارة المخاطر الإستراتيجية وبناء الاستقرار عبر التوازنات الشبكية متعددة المجالات، بدلاً من الاعتماد على منطق المواجهة الصفرية الذي طبع القرن العشرين، كذلك يشير إعادة تعريف الردع الإستراتيجي في عصر التعددية القطبية إلى تحوّل جوهري في طبيعة التفكير الأمني الدولي، إذ لم يعد الردع قائماً على ثنائية القوة العسكرية والتوازن النووي فحسب، بل أصبح عملية مركّبة تتداخل فيها أدوات القوة الصلبة والناعمة والتكنولوجية والاقتصادية والمعلوماتية، فالتعددية القطبية أفرزت بيئة إستراتيجية أكثر سيولة وتعقيداً، إذ تتعدد مراكز التأثير وتتباين أنماط التهديد بين دول كبرى وقوى صاعدة وفاعلين من غير الدول، الأمر الذي يجعل الردع التقليدي أقل قدرة على تحقيق الاستقرار بمفرده.
باتت فاعلية الردع مرتبطة بقدرة الدول على إدارة الإدراك الإستراتيجي للخصوم بقدر ارتباطها بامتلاك القدرات العسكرية، إذ تؤدي الحرب السيبرانية، وسلاسل الإمداد، والهيمنة التكنولوجية، والتحكم بالسرديات الإعلامية دوراً موازياً للقوة العسكرية في منع الخصم من الإقدام على التصعيد.
وأن تشابك المصالح الاقتصادية العالمية جعل من الردع الاقتصادي أداة متنامية التأثير، تسعى الدول من خلالها إلى فرض كلفة سياسية وإستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، إن الردع في النظام الدولي المعاصر لم يعد يعني منع الحرب فقط، بل إدارة المنافسة الإستراتيجية ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، فنجاح الردع الحديث يعتمد على المرونة، وتعدد الأدوات، والقدرة على التكيّف مع تحولات ميزان القوة، وليس على التفوق الأحادي أو الصلابة العسكرية وحدها، ومن هنا، فإن مستقبل الاستقرار الدولي سيظل مرهوناً بمدى قدرة القوى الدولية على تطوير نماذج ردع ديناميكية تستوعب طبيعة التعددية القطبية وتحدّ من مخاطر سوء الإدراك والتصعيد غير المقصود، بما يحافظ على توازن هش لكنه قابل للاستمرار في بيئة دولية متغيرة باستمرار.
المصادر:
1- توفيق، سعد. الاستراتيجية النووية بعد انتهاء الحرب الباردة. القاهرة: دار النشر العربية، 2024.
2- الخالدي، غالب. “نظرية الردع النووي في القرن الحادي والعشرين: دراسة نقدية.” المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، المجلد 7، العدد 13، 2022.
3- عبد العزيز، لزهر. “إستراتيجية الردع النووي بين التصورات التقليدية وعالم ما بعد الحرب الباردة.” المجلة الجزائرية للدراسات السياسية والإستراتيجية، 2020.
4- وليد، أحمد حسن. “حول استراتيجيات الردع في العالم” مجلة المسلح للدراسات العسكرية والاستراتيجية، 2016.
5- غضبان، أباثر عباس. ” إستراتيجيات الردع بين إسرائيل وإيران وانعكاساتها على أمن الشرق الأوسط (2015–2025).” مجلة الخليج العربي، جامعة البصرة، المجلد 53، العدد 1، 2025.



