الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

منظمة الصحة العالمية حجر الأساس في حوكمة الصحة العالمية

بقلم: تشن جيه

رئيس معهد الدراسات الإقليمية والدولية بجامعة صن يات سان

تشانغ شين

باحث في معهد الدراسات الإقليمية والدولية بجامعة صن يات سان

 

 

يشهد مشهد الصحة العامة العالمي تحوّلاً تدريجياً من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة الحوكمة المؤسسية المستدامة. غير أن هذا التحوّل لا يعني زوال المخاطر البنيوية أو التحديات المؤسسية، فالتشابك المتزايد بين الدول، وتسارع حركة السكان، وتداعيات تغيّر المناخ، إلى جانب اختلالات التنمية بين الشمال والجنوب، كلها عوامل تتداخل لتُبقي قضايا الصحة العامة ذات طابع عابر للحدود وقابل للانتشار والتأثير المتبادل. وفي ظل تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي واتساع فجوات توزيع الموارد، تتزايد الضغوط على آليات التعاون متعدد الأطراف، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام الدولي على الحفاظ على الاستقرار والقدرة على التنبؤ في مجال الحوكمة الصحية. ومن ثمّ، فإن كيفية صون تماسك هذا النظام في بيئة دولية معقدة تظل مسألة محورية يتعيّن على المجتمع الدولي التعامل معها برؤية بعيدة المدى ومسؤولية جماعية.

يتسم قطاع الصحة بخصائص “المنفعة العامة العالمية” بامتياز. فالفيروسات لا تعترف بالحدود السياسية، والمخاطر الصحية غالباً ما تنطوي على آثار خارجية متسلسلة، بحيث يمكن لثغرة في نظام صحي وطني واحد أن تتحول إلى تهديد للأمن الصحي العالمي بأسره. ومن هذا المنطلق، اضطلعت منظمة الصحة العالمية، منذ تأسيسها عام 1948، بدور العمود الفقري في منظومة الحوكمة الصحية الدولية. ولا يقتصر تأثيرها على الجوانب التقنية والعلمية، بل يمتد إلى تنسيق السياسات، وبناء التوافقات الدولية، وصياغة المعايير الناظمة للعمل الصحي عبر الحدود. وباعتبارها الوكالة المتخصصة الوحيدة في منظومة الأمم المتحدة المخوّلة بتنسيق الشؤون الصحية العالمية، تظل منظمة الصحة العالمية مؤسسة لا غنى عنها، سواء في إدارة الأزمات أو في ترسيخ قواعد الحوكمة الصحية طويلة الأمد.

 

أولاً: تُعدّ منظمة الصحة العالمية المحورَ الأساسي في منظومة رصد مخاطر الصحة العامة العالمية والإنذار المبكر بها. فمن خلال شبكة ترصد الأمراض التي تمتد عبر الدول، وآليات تبادل المعلومات والإخطار المعتمدة لديها، تستطيع المنظمة جمع البيانات وتحليلها ونشر معلومات موثوقة في المراحل المبكرة من تفشي الأوبئة، بما يوفّر للحكومات أساساً علمياً لصياغة سياسات الوقاية والاستجابة. وفي ظل استمرار المخاطر الصحية العابرة للحدود، يصعب على أي دولة، مهما بلغت قدراتها، أن تنجز بمفردها عملية التعرف الشامل على المخاطر العالمية أو إصدار إنذارات مبكرة ذات مصداقية. وهنا تتجلى الأهمية الخاصة للدور الذي تضطلع به المنظمة في دمج المعلومات وتقييم المخاطر ضمن إطار دولي منسق.

 

ثانياً: تؤدي منظمة الصحة العالمية دوراً محورياً في التنسيق وتقديم الدعم الفني أثناء حالات الطوارئ الصحية. فعندما تتجاوز الأزمة قدرة دولة بعينها على الاحتواء، تمتلك المنظمة القدرة على تعبئة الخبرات الدولية، وتقديم الإرشادات التقنية، وتنسيق الإمدادات الطارئة، ودعم بناء القدرات، لا سيما في الدول ذات النظم الصحية الهشة. ويُعدّ هذا النمط من التنسيق القائم على المهنية والحياد ركيزة أساسية لاستمرار التعاون الصحي الدولي بصورة فعالة ومتوازنة، بعيداً عن التجاذبات السياسية الضيقة.

 

ثالثاً: تضطلع المنظمة بدور تأسيسي في صياغة القواعد والمعايير الصحية الدولية. فمن “اللوائح الصحية الدولية” إلى الأدلة الإرشادية الخاصة بمكافحة الأمراض، تعمل منظمة الصحة العالمية على بلورة توافق علمي عالمي، وتوفير معايير موحدة وقابلة للتطبيق تساعد الدول على إدارة شؤونها الصحية وفق أطر متناسقة. ولا تسهم هذه القواعد في تقليص فجوات السياسات بين الدول فحسب، بل توفّر أيضاً إطاراً مؤسسياً يحول دون تسييس قضايا الصحة العامة أو توظيفها كأدوات ضغط في العلاقات الدولية.

 

إضافة إلى ذلك، تواصل منظمة الصحة العالمية التزامها بالدفع نحو تحقيق قدر أكبر من العدالة الصحية على المستوى العالمي، مع تركيز خاص على احتياجات الدول النامية والفئات الأكثر هشاشة. سواء تعلق الأمر بإتاحة اللقاحات، أو تعزيز البنية التحتية للرعاية الصحية الأولية، أو مكافحة الأمراض المزمنة، أو تحسين صحة الأم والطفل، فإن المنظمة تؤدي دور المدافع والمنسق، وتسعى إلى سد الفجوات بين الشمال والجنوب. وبالنسبة لكثير من دول الجنوب العالمي، تمثل المنظمة بوابة أساسية للاندماج في النظام الصحي الدولي، والحصول على الدعم التقني والموارد اللازمة.

ومن هذا المنطلق، فإن إضعاف مكانة منظمة الصحة العالمية لا ينعكس سلباً على كفاءة الحوكمة الصحية العالمية فحسب، بل يفاقم أيضاً حالة التجزئة وعدم اليقين في مواجهة المخاطر الصحية. فغياب منصة تنسيق عالمية جامعة قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات عدم تكافؤ المعلومات، واختلال توزيع الموارد، وتضارب المصالح بين الدول، ما يعرقل التعاون ويهدد الأمن الصحي الجماعي. كما أن تصاعد النزعات الأحادية والانكفائية من شأنه أن يقوض فعالية الجهود المشتركة، ويزيد من هشاشة النظام الصحي الدولي. إن لجوء بعض الدول إلى تقليص دعمها للمنظمة أو الانسحاب من أطرها التعاونية يمثل، في جوهره، تنصلاً من المسؤولية المشتركة تجاه الصحة العالمية، وهو مسار لا يخفّض المخاطر بل يرفع كلفة الحوكمة ويعمّق التحديات المؤسسية. وعليه، فإن صون فاعلية منظمة الصحة العالمية هو في حقيقته دفاع عن نظام صحي عالمي قائم على القواعد والتعاون والاحتكام إلى العلم.

وعليه، ينبغي للدول كافة أن تدرك بوضوح أن صون مكانة هذه المنصة وضمان حسن أدائها ليس مسؤولية دولة بعينها، بل هو التزام جماعي يقع على عاتق جميع الدول الأعضاء. ويمكن تجسيد هذه المسؤولية ضمن أربعة أبعاد مترابطة في إطار منظمة الصحة العالمية: البعد المالي، والبعد العملي، والبعد القاعدي، والبعد الإصلاحي.

فالالتزام المالي يمثل الأساس الذي تقوم عليه بقية الأبعاد. إذ إن تنفيذ برامج المنظمة وتقديمها للدعم التقني يعتمدان على موارد مالية مستقرة وقابلة للتنبؤ. وإن سداد الاشتراكات المقررة في مواعيدها والوفاء بالالتزامات التمويليّة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تعبير عن احترام التعهدات المؤسسية. وأي إضعاف أو انقطاع في التمويل من شأنه أن ينعكس سلباً على الكفاءة المهنية والقدرة التنفيذية للمنظمة، بما يهدد استقرار منظومة الحوكمة الصحية العالمية برمتها.

أما المسؤولية العملية فهي جوهر الفاعلية. فالمخاطر الصحية بطبيعتها عابرة للحدود، ولا يمكن احتواؤها عبر جهود منفردة أو مبادرات متفرقة. إن تبادل المعلومات في إطار موحد، وتنسيق التدابير الوقائية والعلاجية عبر منصة جامعة، يجنّبان المجتمع الدولي الوقوع في فخ العمل المجزأ أو التنافس غير المجدي. فالتعاون خارج الأطر متعددة الأطراف قد يبدو سريعاً في ظاهره، لكنه غالباً ما يفضي إلى تشتت الموارد وتكرار الجهود وضعف الأثر.

وتأتي المسؤولية القاعدية بوصفها الضمان المؤسسي لاستمرارية النظام. فمن خلال أدوات مثل “اللوائح الصحية الدولية”، تضع منظمة الصحة العالمية معايير ناظمة لسلوك الدول في مواجهة الطوارئ الصحية. وإن المشاركة الفاعلة في صياغة هذه القواعد والالتزام الجاد بتنفيذها يمثلان شرطاً أساسياً للحفاظ على هيبة النظام الصحي الدولي. فغياب الامتثال الواسع للقواعد يفتح الباب أمام التفكك والتسييس، ويحوّل الحوكمة الصحية إلى مشهد مجزأ تهيمن عليه الحسابات الضيقة بدل المصالح المشتركة.

أما المسؤولية الإصلاحية فهي استحقاق طويل الأمد. ففي عالم سريع التحول، لا بد أن تواكب منظمة الصحة العالمية المتغيرات عبر تحديث آلياتها وتعزيز كفاءتها وشفافيتها. غير أن الإصلاح البنّاء يقتضي انخراطاً إيجابياً من الدول الأعضاء، قائماً على دعم التطوير المؤسسي لا على تقويضه عند ظهور الخلافات. فتعزيز الأداء لا يتحقق بالانسحاب أو تقليص الدعم، بل عبر الحوار والمشاركة وتحمل المسؤولية المشتركة عن مستقبل المنظمة.

 

في المحصلة، إن سلطة منظمة الصحة العالمية ليست مفهوماً تجريدياً معزولاً، بل هي نتاج مشاركة مستمرة، مستقرة وعقلانية من جانب الدول الأعضاء. وعندما تتكامل المسؤوليات الأربع- المالية، والعملية، والقاعدية، والإصلاحية- تترسخ دعائم الحوكمة الصحية العالمية بوصفها ركيزة لا غنى عنها للنظام الدولي.

 

وبالنظر إلى المستقبل، فإن تحديات الصحة العامة العالمية لن تتلاشى. فانتقال الأمراض المعدية عبر الحدود، وتأثيرات تغيّر المناخ، وتسارع حركة السكان، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية العالمية، كلها عوامل مرشحة لأن تفرض اختبارات طويلة الأمد على قدرات التعاون الصحي الدولي. وفي هذا السياق، فإن التمسك بمنظمة الصحة العالمية بوصفها محوراً للنظام الصحي العالمي ليس عبئاً إضافياً، بل هو استثمار في تقليل المخاطر عبر تقاسم الأعباء، وفي تنسيق الجهود عبر قواعد موحدة.

إن الإقرار بمركزية منظمة الصحة العالمية يعني الإقرار بأن مواجهة اللايقين لا تتم إلا بالتضامن، وأن إدارة المخاطر لا تنجح إلا بتوحيد المعايير وبناء الثقة. كما أن مفهوم “مجتمع الصحة المشترك للبشرية”، القائم على وحدة المصير وتقاسم المسؤولية وتوزيع المنافع، ينسجم في جوهره مع رسالة المنظمة الداعية إلى تحقيق الصحة للجميع وتعزيز روح التعددية.

ومن منظور أوسع، تظل السلامة الصحية أحد أكثر أشكال الأمن الإنساني شمولاً وأصالة، إذ تمس حياة كل فرد وتؤثر مباشرة في التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وآفاق التنمية المستدامة. ومن ثم، فإن الدفاع عن مكانة منظمة الصحة العالمية ليس دفاعاً عن مؤسسة فحسب، بل هو ترسيخ لخط دفاع أساسي يحمي الحق في الحياة والصحة، ويصون المستقبل المشترك للبشرية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى