الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
كيف استطاعت ماليزيا اختراق عقل ترامب؟
تقاطع في الرؤى انسجام شخصي محسوب وميزة البقاء خارج دائرة الحلفاء

بقلم: ديريك غروسمان
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
منذ عودته إلى سدة الرئاسة أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة على نحو جعلها أكثر نزعة صفقاتية وأقل قابلية للتنبؤ مقارنة بجميع الإدارات السابقة بما في ذلك ولايته الأولى، ولا يقتصر هذا التحول على التصدعات التي أحدثتها واشنطن في علاقاتها مع أوروبا والأميركيتين بل يمتد ليشمل منطقة الهند- المحيط الهادئ بأكملها، حيث لا يزال حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها يواجهون ارتدادات سلوك ترامب المتقلب.
ويُعدّ الملف الكوري الجنوبي أحدث مثال على ذلك، فقد اعتقدت سيول أنها توصلت إلى تفاهم مع واشنطن لخفض الرسوم الجمركية المتبادلة من 25 في المئة إلى 20 في المئة قبل أن يفاجئها ترامب الأسبوع الماضي بإعادة فرض الرسوم عند مستوى 25 في المئة، مبررًا قراره بأن كوريا الجنوبية لا تتحرك بالسرعة الكافية لتنفيذ بنود الاتفاق الأصلي. في جوهر الأمر إن ما يصفه ترامب بـ”الاتفاقات” لا يتجاوز في الغالب تفاهمات غير ملزمة قائمة على المصافحة، تظل رهينة مزاجه الشخصي وحساباته السياسية الآنية، وعليه فإن أي اتفاق تعقده دولة ما مع الولايات المتحدة في عهده يبقى قابلًا للنقض في أي لحظة، وهو ما يفسر فشل محاولات كثيرة في منطقة الهند- المحيط الهادئ لاحتوائه أو استرضائه.
الهند تقدم نموذجًا صارخًا على ذلك فبعد الزيارة الاحتفالية التي قام بها رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى البيت الأبيض في شباط 2025، بادر ترامب إلى فرض رسوم جمركية أعلى من المتوقع، شملت تعريفات إضافية قيل إنها تستهدف معاقبة نيودلهي على استيراد النفط الروسي، غير أن الدافع الأرجح كان غضب ترامب من مودي لعدم تبنيه روايته عن نجاحه في التوسط لإنهاء الحرب القصيرة التي اندلعت بين الهند وباكستان العام الماضي، كما عمد ترامب إلى تأجيل توقيع اتفاق تجارة حرة ثنائي قبل أن يوافق أخيرًا هذا الأسبوع على صفقة وُصفت بأنها مجحفة بحق الهند ولم يتردد فوق ذلك في وصف الاقتصاد الهندي بأنه ميت إلى جانب إعادة تنشيط العلاقات الأميركية مع باكستان التي يحمّلها مودي مسؤولية الهجوم الذي فجّر الصراع.
أما اليابان الحليف الأميركي التقليدي المرتبط بمعاهدة دفاعية فقد واجهت مسارًا مشابهًا، فبعد سنوات من الضغوط الأميركية لحث طوكيو على زيادة إنفاقها الدفاعي والاستعداد للمشاركة في أي مواجهة محتملة مع الصين حول تايوان طلب ترامب من رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي أواخر العام الماضي التخفيف من لهجتها العلنية بشأن حماية تايوان، وعلى الرغم من أن الحكومة اليابانية الحالية تتجه إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول آذار أي قبل الموعد المخطط له بعامين- جزئيًا في محاولة لاسترضاء ترامب- فإن واشنطن لم تقدم مقابلًا يُذكر، بل إن الرسوم الجمركية المفروضة على السلع اليابانية لا تزال عند مستوى مرتفع يبلغ 15% وهو رقم لافت بالنسبة لحليف طويل الأمد. ولا تقتصر قائمة المتضررين من سياسات ترامب في المنطقة على الهند واليابان فحسب، بل تمتد لتشمل دولًا أخرى مثل كمبوديا وإندونيسيا والفلبين وسنغافورة وتايوان وتايلاند وفيتنام وغيرها.
في مقابل ذلك تبرز ماليزيا بوصفها حالة استثنائية، فحتى الآن نجحت كوالالمبور في الحفاظ على علاقات ودية ومنتجة نسبيًا مع واشنطن من دون تقديم تنازلات تمس ثوابتها السياسية أو الانخراط في سياسات استرضاء مباشرة لترامب، وهي تجربة قد تحمل دلالات أوسع خلال السنوات الثلاث المقبلة. ومع ذلك لم تكن انطلاقة ماليزيا ميسّرة، فبعد هجوم حركة حماس على “إسرائيل”** في عام 2023 وما أعقبه من اجتياح “إسرائيلي” واسع وقصف مكثف لقطاع غزة أعلن رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم دعمه العلني لحماس، ورغم أن ترامب لم يكن قد عاد إلى السلطة حينها فإن مواقفه المؤيدة “لإسرائيل” جعلت من المرجح أن تشهد العلاقات مع كوالالمبور توترًا ملحوظًا. غير أن هذا السيناريو لم يتحقق، فمع تولي ترامب الرئاسة تمكنت ماليزيا من التوصل إلى اتفاق يفرض رسومًا جمركية منخفضة نسبيًا بنسبة 19% على صادراتها- وهي النسبة نفسها المفروضة على كمبوديا وإندونيسيا والفلبين وتايلاند لكنها أقل من تلك التي طالت عددًا من دول جنوب شرق آسيا الأخرى، كما حرصت ماليزيا على تجاوز الخلافات المرتبطة بملفات “الشرق الأوسط” ووجهت اهتمامها نحو دورها بوصفها رئيسة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لعام 2025.
وفي هذا السياق قام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بزيارة رسمية إلى ماليزيا في صيف العام الماضي لكنها لم تتجاوز 36 ساعة، وقال أنور، مازحًا أمام روبيو “هل يمكنني مصادرة جواز سفره؟“.
ورغم قصر الزيارة ومحدودية نتائجها المباشرة فإنها أسست لمسار أتاح مشاركة ترامب في قمة آسيان التي انعقدت في كوالالمبور في تشرين الأول، ويبدو أن الدافع الأساسي لترامب لم يكن مضمون القمة بقدر ما كان رغبته في تصدر المشهد الإعلامي وتعزيز فرصه في نيل جائزة نوبل للسلام التي يسعى إليها منذ سنوات. ولتعزيز هذا المسار أتاح أنور إبراهيم لترامب رعاية مراسم توقيع اتفاق سلام بين كمبوديا وتايلاند، وخلال القمة بدا أن أنور يسعى كذلك إلى بناء علاقة شخصية مع الرئيس الأميركي إذ قال مازحًا، في إشارة إلى نحو تسع سنوات قضاها في السجن “كنت في السجن وترامب كاد أن يصل إلى هناك”، وهو تعليق لاقى استحسان ترامب بلا شك.
وعلى مستوى أكثر جوهرية وافقت ماليزيا- إلى جانب كمبوديا وتايلاند – على توقيع اتفاق جديد يمنح الولايات المتحدة وصولًا أوسع إلى مواردها من المعادن الحيوية، ويُعد التركيز على تأمين سلاسل إمداد هذه المعادن ومنع وقوعها تحت النفوذ الصيني أحد الثوابت الأساسية في ولاية ترامب الثانية، وفي السياق نفسه حاولت باكستان استمالة ترامب بعروض مماثلة فيما يبدي اهتمامًا متزايدًا بأستراليا وإندونيسيا بل وحتى بميانمار التي تعصف بها الحرب للغرض ذاته.
ثمة عامل إضافي يصب في مصلحة ماليزيا في تعاملها مع ترامب ويتمثل في أنها لا تحمل أي توقعات تحالفية، فهي شريك للولايات المتحدة وليست حليفًا مرتبطًا بمعاهدة وهو فارق جوهري، فالحلفاء الستة للولايات المتحدة في منطقة الهند- المحيط الهادئ- أستراليا واليابان ونيوزيلندا والفلبين وكوريا الجنوبية وتايلاند- يتوقعون بحكم الالتزامات الرسمية التي تكرسها تحالفاتهم مستوى أعلى من الانخراط والدعم الأميركي، غير أن الولاية الثانية لترامب المنغمسة بلا هوادة في منطق “أميركا أولًا” دفعت معظم هؤلاء الحلفاء إلى التذمر من تراجع التزام واشنطن وتعاونها. في المقابل تكاد ماليزيا ألا تمتلك أي توقعات تُذكر من الولايات المتحدة في هذا السياق، ومع مرور الوقت أثبت ترامب تفضيله الواضح لعلاقات خالية من الأعباء والالتزامات الموروثة على حساب تحالفات تقيده بتعهدات مسبقة، وهو ما يجعل طبيعة العلاقات الثنائية الراهنة مريحة إلى حد بعيد بالنسبة لكوالالمبور.
وإلى جانب ذلك تستفيد ماليزيا من تقاطع واسع في الرؤية الكونية مع ترامب وإدارته، فكما يتضح من استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني الأميركيتين الجديدتين ينظر ترامب إلى النظام الدولي من منظور هرمي صارم يقسم العالم إلى دول قوية وأخرى ضعيفة ويرى أن النظام الدولي يشهد انتقالًا من الأحادية القطبية إلى تعددية قطبية تتصدرها الولايات المتحدة والصين بوصفهما قوتين متنافستين، وفي هذا الإطار يفضل ترامب تعايش القوتين ضمن نظام جديد يقوم على الاعتراف المتبادل بمجالات النفوذ. صحيح أن لكوالالمبور خلافاتها مع بكين ولا سيما فيما يتعلق بالنزاعات السيادية في بحر الصين الجنوبي إلا أنها في الوقت نفسه تولي أهمية كبيرة للحفاظ على علاقات مستقرة وبنّاءة مع الصين، وتسعى ماليزيا شأنها شأن معظم دول جنوب شرق آسيا إلى تبني نهج عدم الانحياز تجنبًا لاستفزاز أي من القوتين العظميين دون داعٍ، وقد أظهر ترامب نفورًا واضحًا من تبني مواقف تصادمية حاسمة ضد خصوم قد يرغب يومًا ما في إقامة علاقات ودية معهم- سواء تعلق الأمر بالصين أو بروسيا- وهو ما عزز تقارب ماليزيا معه.
ومع ذلك ينبغي التعامل مع هذه الخلاصة بحذر، فترامب بطبيعته شديد التقلب وقد ينقلب على أي طرف في أي لحظة ولأسباب قد تبدو هامشية ومن دون إنذار مسبق، ومع ذلك نجحت ماليزيا- حتى الآن- في إثبات أن البقاء ضمن دائرة الرضا الترامبي ممكن بل وقابل للاستدامة حتى مع معارضتها لبعض سياساته، مثل تأسيسه (مجلس السلام). وغالبًا ما يصعب تفسير أسباب إخفاق دول أخرى في التعامل مع ترامب غير أن العامل المشترك في معظم هذه الحالات يتمثل في غياب واحد أو أكثر من العناصر التالية: علاقة شخصية فعالة مع ترامب ومخرجات سياسية ملموسة والتحرر من قيود التحالفات الرسمية وتقاطع في الرؤية العامة للعالم، وعندما تغيب هذه العناصر ينشأ الاحتكاك مع البيت الأبيض.
وتقدم التجربة الماليزية نموذجًا إرشاديًا ذا قيمة، ورغم أن هذا النموذج ليس سهل الاستنساخ- لا سيما بالنسبة للدول المرتبطة بتحالفات رسمية مع الولايات المتحدة- فإنه يشير إلى أن إدارة العلاقة مع ترامب قد تكون أقل ارتباطًا بتقديم تنازلات مباشرة، وأكثر اعتمادًا على الموازنة الدقيقة والحساب المدروس.
وبالنسبة للدول القادرة والراغبة في خوض هذه اللعبة، تُظهر ماليزيا أن من الممكن ليس فقط الصمود في عهد ترامب، بل وربما الازدهار في ظله.
* By Derek Grossman, How Malaysia Unlocked Trump A shared worldview, some personal rapport, and not being a U.S. ally makes all the difference, FOREIGN POLICY, February 3, 2026.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



