الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

قانون النفط المُحدَّث في فنزويلا: فرصة ضائعة أم بداية تحول؟

كاراكاس تفتح الباب للمستثمرين وسط بيئة غير مشجعة

بقلم: كيث جونسون

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

إن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحويل السيطرة الفعلية لواشنطن على الاقتصاد الفنزويلي إلى نهضة في صناعة النفط، باتت الآن متداخلة مع فكرته القاضية باستخدام النفط الفنزويلي لفك ارتباط الهند بالنفط الروسي، غير أن أياً من هذين الهدفين لا يُرجَّح تحققه في المدى القريب.

ومن منظور الولايات المتحدة تكمن الأخبار الإيجابية في أن الحكومة الفنزويلية المنصاعة قد أقدمت مؤخرًا على تعديل شامل لقانون إنتاج النفط يعود إلى عقود مضت، في خطوة تهدف إلى جعل البلاد- التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم- وجهة جذابة للاستثمار من جانب شركات الطاقة بعد سنوات طويلة من التراجع والانهيار، ويُعد هذا الإصلاح الذي أُقِرّ الأسبوع الماضي من حيث المبدأ مراجعة جذرية نسبيًا لنموذج (الاشتراكية الريعية) الذي ساد في عهد الزعيم الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، والذي أسهم في إدخال البلاد في دوامة الانهيار الاقتصادي. غير أن الإشكالية تكمن في أن هذه التعديلات لا تزال حتى الآن حبرًا على ورق- وقد صيغت على عجل كذلك، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت التغييرات المتعلقة بقواعد المشاريع المشتركة والاستثمار الخاص ومعدلات الإتاوات وغيرها، كافية لطمأنة شركات النفط الكبرى التي تعرضت مرارًا لخسائر فادحة في فنزويلا منذ سبعينيات القرن الماضي.

وقال غراهام كيلاس نائب الرئيس الأول للأبحاث المالية العالمية في شركة الاستشارات الطاقوية (وود ماكنزي) مستحضرًا أن إصلاح قطاع النفط في نيجيريا استغرق أكثر من 15 عامًا من جهة يُعدّ هذا تقدمًا لافتًا، إنها خطوة أولى مهمة لكن لا يزال هناك شوط طويل قبل الوصول إلى عقود يمكن للشركات الخاصة التوقيع عليها، وبعد ذلك فقط يمكن أن تبدأ الاستثمارات بالتدفق. وقد استقطب إصلاح قانون النفط الفنزويلي اهتمامًا واسعًا في الأيام الأخيرة، لأن الإطارين القانوني والتعاقدي اللذين يحكمان استثمار مليارات الدولارات على مدى عقود شكّلا أحد أكبر العوائق أمام عودة اهتمام شركات النفط الدولية ولا سيما الأميركية، وكانت فنزويلا قد شرعت في مصادرات واسعة لأصول نفطية أجنبية في منتصف سبعينيات القرن الماضي ثم عادت وكررت ذلك عام 2007.

 

وخلال اجتماع في البيت الأبيض مطلع كانون الثاني وقبل إقرار إصلاح قانون النفط وصف الرئيس التنفيذي لشركة (إكسون موبيل) دارين وودز فنزويلا بأنها غير قابلة للاستثمار، مؤكدًا الحاجة إلى “ضمانات استثمارية مستدامة” و “تغيير في قوانين الهيدروكربونات في البلاد”، غير أنه حتى بعد إقرار الإصلاح النفطي لا يبدو أن (إكسون) باتت مقتنعة باستقرار النظام القائم أو قابليته للتنبؤ على المدى الطويل، إذ شدد وودز على أن الانتقال إلى الديمقراطية يظل شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة كبار المستثمرين بمستقبل البلاد.

وفي المقابل سارعت جهة واحدة إلى اغتنام هذه الإصلاحات القانونية في كاراكاس وهي وزارة الخزانة الأميركية التي أصدرت بالفعل ترخيصين عامين محدودين يعفيان بعض التعاملات المتعلقة بالنفط الفنزويلي من العقوبات وقد تُصدر قريبًا ترخيصًا ثالثًا، ويتيح الترخيصان الصادران حتى الآن للشركات الأميركية- وحدها دون غيرها- بيع النفط الفنزويلي في الأسواق كما يسمحان ببيع فنزويلا المواد المُخفِّفة الخفيفة اللازمة لتحويل نفطها الثقيل إلى ما يشبه النفط الخام القابل للتسويق، ويُقال إن ترخيصًا إضافيًا قيد الإعداد قد يفتح الباب أمام أنشطة إنتاج نفطي محدودة في فنزويلا لصالح الشركات الأميركية. ومن المفارقات أن قانون إصلاح قطاع الهيدروكربونات الذي يسعى إلى تقليص دور الدولة الفنزويلية في إدارة صناعة النفط جاء في وقت ملأت فيه الحكومة الأميركية هذا الفراغ، وأصبحت عمليًا الجهة التي تقرر أي الشركات يمكنها العمل في الحقول النفطية الفنزويلية، وتحت أي شروط.

ويُعد أحد أبرز عناصر القانون الجديد تعهده بكسر احتكار شركة النفط الوطنية بتروليوس دي فنزويلا  (PdVSA)للقطاع، ففي السابق كان يتعين أن تكون كل المشاريع المشتركة مع الشركات الأجنبية مملوكة بأغلبية ومُدارة فعليًا من قبل (بي دي في إس إيه)، وهي شركة تعاني فسادًا مستشريًا واستنزافًا طويل الأمد للكفاءات.

أما القانون الجديد فيتيح للشركات الأجنبية الخاصة توقيع ما يشبه عقود تقاسم الإنتاج مع الحكومة، على غرار النموذج الذي تعمل به شركة (شيفرون) الأميركية في فنزويلا خلال السنوات الأخيرة، ولا يمثل ذلك خصخصة كاملة للقطاع لكنه يشكل خطوة مهمة نحو جذب رأس المال والخبرة الأجنبية إلى صناعة نفطية تحتاج إليهما بشدة لرفع الإنتاج من مستوياته المتدنية الحالية- نحو 900 ألف برميل يوميًا – إلى ما يقارب 1.2 مليون برميل يوميًا.

ومن العناصر الجوهرية الأخرى في إصلاح قطاع الهيدروكربونات إعادة هيكلة نظام الإتاوات والضرائب المفروضة على شركات النفط الأجنبية- وهو في الوقت نفسه أكثر الجوانب غموضًا في القانون الجديد، فقد أدركت كاراكاس منذ سنوات أن معدلات الإتاوة العقابية (إلى جانب المصادرات العشوائية) أسهمت في نفور المستثمرين الأجانب، لكن الاقتصاد الفنزويلي المتصلب في عهد تشافيز ثم نيكولاس مادورو لم يترك للحكومة خيارًا سوى الضغط المتزايد على القطاع النفطي. وتتمثل المشكلة اليوم في عدم وضوح حجم هذا الضغط بموجب القانون الجديد، إذ ينص على إمكانية فرض إتاوة أساسية (تصل إلى) 30% إضافة إلى ضريبة- إتاوة أخرى تصل إلى 15% دون احتساب ضرائب الدخل التي تُفرض لاحقًا، كما يلمح القانون إلى إمكانية تعديل معدلات الضرائب والإتاوات وفق سلم متحرك يعكس مستوى المخاطر في أنواع المشاريع المختلفة، غير أن حصة حكومية تبلغ 45 % من العائدات ستضع فنزويلاeven – بعد الإصلاح- في صدارة الدول الأعلى اقتطاعًا عالميًا بمعدلات تفوق تلك المعمول بها في العراق والأرجنتين وكازاخستان أو الإمارات العربية المتحدة بحسب كيلاس.

وقال كيلاس “جوهر النقاش كله يتمحور حول عبارة تصل إلى، وهذا ما سيكون محورًا لكثير من الجدل إلى أي مدى يمكن خفضها ولمدة كم وهل يمكن التمييز بين المشاريع المختلفة ومستويات المخاطر المتباينة؟”. وبصورة عامة وكما خلص لويس باتشيكو الزميل غير المقيم في مركز بيكر بجامعة رايس بالتعاون مع أحد زملائه فإن الخطوات الأولية المتحفظة نحو إصلاح قطاع النفط الفنزويلي قد تُغري على الأرجح شركات أصغر قد تجد في قاعدة الموارد الضخمة والمستكشفة جيدًا فرصة مغرية، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الشركات الدولية الكبرى ستضخ عشرات أو مئات المليارات من الدولارات في فنزويلا استنادًا إلى شهر واحد فقط من التغيرات السياسية المحدودة وإصلاحات جزئية لقوانين النفط القائمة. وكتب باتشيكو الذي شغل سابقًا منصبًا تنفيذيًا في (بي دي في إس إيه) “إذا كان مطلوبًا من الشركات استثمار مليارات الدولارات على مدى سنوات، فإنها ستحتاج بالتأكيد إلى ما هو أكثر من إصلاح متسرع فُرض تحت ضغط واشنطن”.

ويجعل كل ذلك من غير المرجح أكثر أن تتمكن فنزويلا من إحلال نفسها محل روسيا كمصدر رئيسي للنفط إلى الهند كما لمح ترامب في منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين، صحيح أن فنزويلا مثل روسيا تنتج نفطًا ثقيلًا عالي الكبريت يناسب المصافي الهندية، لكن المشكلة الأكبر تكمن في الحسابات الرقمية. فالهند تستورد حاليًا نحو 1.3 مليون برميل يوميًا من النفط الروسي صعودًا من مستوى شبه صفري عند اندلاع الحرب الأوكرانية الأخيرة، وقد تمكنت من ذلك لأن قلة من الدول الأخرى كانت مستعدة للشراء إذ سارعت أوروبا والولايات المتحدة إلى وقف وارداتهما من النفط الروسي إلى حد كبير، ما ترك الهند والصين لاقتناص ملايين البراميل يوميًا من النفط المخفّض السعر.

أما فنزويلا وبعد عقدين من سوء الإدارة والفساد ونقص الاستثمار وشح الخبرات فقد تراجع إنتاجها النفطي من نحو 2.5 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 900 ألف، وحتى أكثر السيناريوهات تفاؤلًا بشأن تعافي الإنتاج على المدى القصير في ظل قانون النفط الجديد لن تقترب من تعويض اعتماد الهند على الخام الروسي، حتى لو كانت نيودلهي مستعدة لدفع أسعار السوق التي تطالب بها إدارة ترامب الآن لقاء نفط فنزويلي لا تملكه فعليًا.

 

* By Keith Johnson, Venezuela Reformed Its Oil Law. Now What? Caracas is trying desperately to boost investment in its oil patch, but it may be disappointed, FOREIGN POLICY, February 6, 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى