الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
من السرية إلى العلنية.. تطور عمليات التحليل الاستخباري باستخدام المصادر المفتوحة

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تعد الاستخبارات من الأدوات التقليدية التي تستخدمها الدول لفك شفرة الغموض المحيط بالطرف الآخر، حيث ترتكز وظيفتها الاساسية على إنتاج المعرفة عبر تحويل المواد الخام الى معرفة بما يخدم أهداف صانع القرار، وقد شهدت الاستخبارات التي يقوم عملها على السرية في الحصول على المعلومات، تطورا كبيراً في اداءها حتى بدأ طابع السرية يتراجع بشكل كبير في السنوات الأخيرة مع زيادة الإفصاح عن العمليات الاستخبارية السابقة وظهور أنماط جديدة من إنتاج المعرفة الاستخبارية ، والتي من بينها ما بات يعرف بـ ( استخبارات المصادر المفتوحة) “OSINT” تحاول هذه المقالة قراءة أهمية هذا التحول في العمل الاستخباري المعتمد على المصادر العلنية.
المعلومات الاستخبارية بين السرية والعلنية
يعد مؤسس الجانب التنظيري في العمل الاستخباري هو المفكر الامريكي وضابط المخابرات السابق شيرمان كينت من خلال كتابه الاستخبارات الاستراتيجية للسياسة الامريكية العالمية لعام 1949، حيث أسس لدراسة الاستخبارات بوصفها معرفة قبل ان تكون عملية جمع للمعلومات، حيث ركز على اولوية التحليل الاستخباري دون غيره، وفي كتابه يؤكد على ان جزء من المعرفة يتم اكتسابها بالوسائل غير المشروعة ويقصد بها الأدوات الجاسوسية السرية، لكن معظم المعرفة التي يتم اكتسابها تأتي من القنوات الرسمية والمتاحة، وقد أسس في مقولته هذه لثورة في علم الاستخبارات التي كانت تقوم على اولوية المعلومات السرية على حساب المعلومات العلنية المتاحة، فغالبا ما كان قادة الأجهزة الاستخبارية يولون أهمية الى البحث عن المعلومات السرية والغامضة والتي تبدو ذات قيمة كبيرة ولكن في الحقيقة فإنهم يفوتون على أنفسهم معلومات ذات قيمة اعلى تكون متاحة عبر القنوات الرسمية العلنية. وهو ما اكد عليه مايكل هيرمان ايضا في كتابه عام 1996 المعروف بـ(بالقوة الاستخبارية في السلام والحرب) حيث شرح تطور الاستخبارات واكد ايضا على أهمية المعلومات التي يمكن الحصول عليها من المصادر المفتوحة مثل الصحف ووسائل الإعلام وغيرها . الا ان التأصيل النظري الحقيقي للاستخبارات المفتوحة المصدر برز من خلال مقالة نقدية للمحلل في وكالة الاستخبارات المركزية اﻻمريكي (ستفين سي مريكادو) بعنوان (إعادة فحص التمييز بين المعلومات العلنية والأسرار) والصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية ال CIA حيث اكد على ان المصادر المفتوحة غالباً ما تعادل، بل وتفوق المعلومات المصنفة بـ(السرية) في مراقبة وتحليل قضايا ملحة مثل الإرهـ ـاب، وانتشار الأسلحة، ومكافحة التجسس، واعتقد ان تهميش الاستخبارات المفتوحة المصدر والتي سماها بـ ((OSINT لصالح تلك السرية التي يتم الحصول عليها بتكلفة باهضة جداً ليست بالنهج السليم لإدارة مجتمع الاستخبارات ودعا الى تخصيص تكلفة الى الاستخبارات المفتوحة المصدر للحصول على معلومات تفوق تلك التي يمكن الحصول عليها من خلال المصادر السرية وبكلفة اقل. وقد وجه مريكادو نقدا للعقلية التقليدية السائدة حول الاستخبارات والتي تربط العمل الاستخباري الطابع السري، واعتبر انها فكرة قاصرة عن فهم آلية عمل الاستخبارات حيث اكد كما فعل من سبقه على ان العمل الاستخباري يقوم على انتاج المعرفة والتي لا تتطلب بالضرورة الحصول على المعلومات الخام اللازمة لها بواسطة أدوات سرية وضرب مثالا واضحا على تصريح للرئيس ريتشارد نيكسون الذي انتقد عمل وكالة الاستخبارات المركزية بكلمات تلخص هذا الخطأ الشائع عن فهم دور وعمل الاستخبارات وربطه بالسرية، حيث يقول : “مالفائدة منهم؟ لديهم أكثر من 40 الف شخص هناك يقرؤون الصحف” وفي تأكيد اكبر على صحة ادعاءاته أوضح مريكادو خصائص الاستخبارات المفتوحة المصدر التي تميزها عن تلك السرية كالاتي:
-
السرعة: عند اندلاع أزمة في منطقة نائية، يلجأ المحللون وصناع القرار أولاً إلى التلفزيون والإنترنت.
-
الكمية: عدد المدونين والصحفيين والباحثين في العالم يفوق بمراحل عدد ضباط العمليات.
-
الجودة: التقارير السرية قد تشوبها أكاذيب العملاء أو تزييفهم، بينما المصادر المفتوحة تظل بمنأى عن ذلك.
-
الوضوح: في الاستخبارات البشرية (HUMINT)، غالباً ما تُخفى هوية المصدر بدعوى الحماية، مما قد يضلل المحللين (كما حدث في قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية 2002-2003)، بينما المصادر المفتوحة تتيح فحص المصدر بشكل أوضح.
-
التكلفة: قمر صناعي يكلف المليارات قد يعطيك صورة لسطح مصنع، بينما مجلة أجنبية باشتراك 100 دولار قد تنشر صوراً للمصنع من الداخل.
تحديات إدارة المعلومات من الندرة الى الوفرة
لقد ادى تطور وسائل جمع المعلومات الاستخبارية في القرن الحادي والعشرين لاسيما مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الرصد الجوي والبحري والجغرافي ، فضلا عن الكثير من الأدوات كل ذلك ساهم في ازدياد أهمية المصادر المفتوحة في العمل الاستخباري حتى لم تعد عملية جمع المعلومات الاستخبارية تقتصر على أجهزة الاستخبارات فدخل رواد وسائل التواصل الاجتماعي والخبراء التقنيين والهواة في هذا المضمار ايضا وعلموا على تشكيل فرق خاصة بجمع معلومات من المصادر المفتوحة واليوم تنتشر على وسائل التواصل المختلفة حسابات باسم OSINT اي انها تعلن عن دورها المحدد وهو استخبارات المصادر المفتوحة.
كل هذه التطورات ادت إلى تدفق هائل للبيانات على المحلل الاستخباري بشكل ادى بروز اشكالية من نوع مختلف مرتبطة بإنتاج المعلومة الاستخبارية وهي وفرة البيانات، فقد اصبح من الصعب على المحلل الاستخباري معالجة هذا الكم الهائل من البيانات المتاحة التي تتدفق بوقت واحد وتحتاج سرعة اكبر لمعالجتها.
وقد عمدت أجهزة الاستخبارات الحديثة الى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عملية ادارة التدفق المعلوماتي لاسيما عبر المصادر المفتوحة وذلك بهدف فلترة اكبر قدر من المعلومات وفرز الحقيقي منها عن المظلل لاسيما في مجال الاستخبارات العسكرية منها فمثلا نظام مافن الذي يعمل الجيش الأمريكي على تطويره يساعد صانع القرار على فلترة كم هائل من المعلومات الاستخبارية مختصرا وظائف المئات من محللي الاستخبارات البشرية، وذلك بهدف تعزيز الوعي الظرفي بالوضع العملياتي مما يساعد على صانع القرار على اتخاذ القرار في سرعة اكبر، ما يحقق مرونة كبيرة في الاستجابة للتطورات الميدانية.
الخاتمة
بناء على ما تقدم لم يعد الاعتماد على المصادر السرية يشكل حجر الزاوية في العمل الاستخباري المعاصر، حيث أصبحت المصادر المفتوحة توفر بيئة غنية بالمعلومات الخام للمحلل الاستخباري سواء عبر وسائل التواصل او عبر وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية المختلفة، فبات اهتمام أجهزة الاستخبارات ينصب على كيفية التعامل مع الكم الهائل من المعلومات المتاحة أكثر من الانشغال بكيفية الاختراق وزرع الجواسيس على الرغم من أن هذا الأسلوب مازال مستخدما لكن ربما في إطار عمليات أخرى لا تتعلق بجمع المعلومات السرية، وبالتالي فإن مستقبل العمل الاستخباري لن يُقاس بمدى سرية ما يُجمع من معلومات، بل بقدرة مؤسسات الدولة على دمج المصادر العلنية والتقنيات التحليلية المتقدمة ضمن استراتيجية شاملة لإنتاج المعرفة، تحفظ الفعالية، وتقلل الكلفة، وتستجيب لتعقيدات البيئة الدولية المعاصرة.
من السرية الى العلنية



