الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

سيناريوهات المواجهة الأمريكية الإيرانية في ظل التوترات الدولية الراهنة

بقلم: الباحث يونس عدنان عبد

مركز الدراسات الإستراتيجية/ جامعة الأنبار

 

يعد الملف الإيراني ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة “الشرق الأوسط”، وقد مثلت العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال العقدين الأخيرين علامة بارزة للصراع والتنافر ضمن ملفات الصراع الدولية المعقدة، ورغم وصولها إلى بعض التوافقات المرحلية خلال فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى إلا أن سمة الخلاف طغت على طبيعة هذه العلاقة التي ترسمها وتحددها العديد من المحددات والمتغيرات التي أفضت إلى المزيد من التعقيد بين الطرفين، نتيجة لسياسة المد والجزر التي يتبعها الجانبين خلال تحركاتهما الدبلوماسية.

 

أولًا: المتغيرات المؤثرة في رسم المواجهة الأمريكية- الإيرانية

 

  1. البرنامج النووي الإيراني

طالما حلمت إيران لامتلاك برنامجا نوويا قادرا على فرض هيبتها الإقليمية وحجز مكانها ضمن النادي النووي للبلدان الكبرى، إلا أن هذه المساعي تصطدم بإرادة أمريكية وبغطاء دولي ولن تسمح لها بامتلاك سلاحا قادرا على تهديد مصالح البلدان الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من توصل مجموعة (5+1) لإتفاق وتفاهم مع الجمهورية الاسلامية في إيران في العام 2015 حول تخفيض أجهزة الطرد المركزي، وفتح مواقعها أمام مفتشي وكالة الطاقة الذرية، مقابل خفض العقوبات الغربية المفروضة على الجمهورية الاسلامية في إيران، إلا أن هذا الاتفاق سرعان ما تبدد بعد اعلان الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من بنوده عام 2018([1]). الأمر للذي اعطى حرية اكبر لإيران لزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم لتصل إلى نحو (60%) وهي نسبة عالية جدا مقارنة بالنسبة المقررة للتخصيب للاستخدامات السلمية والبالغة (25%) فقط، لذا فقد بقي الملف النووي أحد أهم قضايا الخلاف والتصعيد الأمريكي- الإيراني، ومعرقلا للوصول لأي اتفاق ثنائي بسبب تمسك إيران ببرنامجها النووي من جهة والإصرار الأمريكي الغربي على انهاؤه بشكل كامل، الأمر الذي تجلى خلال الضربات الأمريكية على منشآت إيران النووية (نطنز وفوردو واصفهان) في 22 حزيران 2025، وإحدات أضرار كبيرة في قدرة الجمهورية الاسلامية في إيران على بناء قاعدة متكاملة لتخصيب اليورانيوم، لكن هذه الضربات لم تثني الإدارة الإيرانية وأعلنت عن مواصلة سعيها لامتلاك سلاح نووي وأن الضربات الأمريكية لم تؤثر على عمل هذه المنشآت، وسط تضارب التصريحات حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني وقدرته على الصمود أمام الضربات والتهديدات الأمريكية في المواجهات القادمة.

 

  1. العقيدة العسكرية الإيرانية

تبنت إيران بعد انتصار الثورة فيها عام 1979 مبدأ تصدير الثورة وأخذت على عاتقها نشر مبادئ نظامها السياسي في محيطها الخارجي([2]). إذ يعد النظام السيساسي الإيراني نفسه حاميًا للعقيدة الإسلامية ويفوض نفسه الحارس الأول للدفاع عن المسلمين وفق ما جاء في المادة 11 من الدستور الإيراني([3]). وهذه العقيدة أعطت للجمهورية الاسلامية في إيران الحق في التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الاسلامية تحت مبرر حماية الإسلام وتحقيق العدالة الإسلامية.

 

 

حماية أمن “إسرائيل”

تعد مسألة الأمن القومي “لاسرائيل” من أهم أولويات الإدارات الأمريكية على مختلف توجهاتها، إذ تعمل الولايات المتحدة على تجنب بروز قوة إقليمية من الممكن ان تشكل تهديدا او خطرا على أمن “إسرائيل”، وعلى هذا الأساس عملت على تحقيق نوع من الاتزان الاستراتيجي في القدرات العسكرية والسياسية لبلدان المنطقة، بالاعتماد على تضارب المصالح في بين هذه الدول تارة، وتارة أخرى بإدخال المنطقة بحرب إقليمية لاستنزاف قدرات هذه الدول على غرار الحرب العراقية- الإيرانية، إلى جانب الحروب بالوكالة التي أدخلت المنطقة بفوضى كبيرة، خاصة بعد ما يعرف بثورات الربيع العربي، واستهلاك القدرات البشرية والاقتصادية للدول بحروب بينية دون تحقيق اهداف او غايات قومية تذكر، على العكس من ذلك فقد أدت هذه الصراعات الى تراجع الدور العربي وتفاقم الانشقاقات والاصطفافات، التي تمخض عنها تغير واضح في سياسة دول المنطقة الخارجية عبر عن هذا التغيير صراحة بالاتفاقيات الإبراهيمية وتطبيع بعض الدول العربية لعلاقاتها مع “إسرائيل” (الإمارات، المغرب، السودان، البحرين) على أثر السياسات الأمريكية وزيادة التهديدات في المنطقة، لذا فإن التحول في سياسات هذه البلدان يبرهن على الاجندات الأمريكية المتواصلة لحماية أمن “إسرائيل” ومنع بروز قوة إقليمية معادية للمشروع الصهيوني في المنطقة.

 

ثانيًا: السيناريوهات المستقبلية

 

إن التنبؤ بسياسة دولة ما يخضع للعديد من المؤشرات السابقة والآنية التي قد تكون مجتمعة أدوات مساعدة لا تفي بالغرض لتحليل أفعال الدول التي عادة ما تخضع لأهواء ومصالح متغيرة وفقا لرؤى وتطلعات صانعو القرارات لكل دولة، وفي هذا السياق فإن التكهن بالتحركات الأمريكية في المنطقة في ظل وجود الرئيس دونالد ترامب في الحكم، تجعل عملية التنبؤ بالخطوة التالية للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة غاية الصعوبة، إذ تكمن الصعوبة احيانا في الوضوح الذي يبديه ترامب أثناء تصريحاته والكشف عن نوايا وخفايا بعض الرؤساء والدول متجاوزا للسياقات البروتوكولية، وهو ما يخضع أحيانا لمبدأ اظهار القوة وتكريس الهيمنة كجزء من استراتيجية أمريكية تهدف إلى ارباك الخصوم وتجنب الاعتماد على سياسة ممنهجة واحدة كما هو معتاد سابقا، لذا وبالرغم من هذه العقبات إلا أن التوجهات الأمريكية إزاء إيران في ظل التطورات الأخيرة من المرجح ان تكون ضمن احدى السيناريوهات الآتية:

 

 

  1. السيناريو الأول (الحرب المفتوحة): يرتكز هذا السيناريو على احتمالات تزايد حدة التصعيدات العسكرية والسياسية بين الطرفين، خاصة بعد وصول المفاوضات الثنائية لطريق شبه مسدود وفشل الوساطة التركية وتمسك إيران بمتبنيات نظامها الاقليمي، وبعد إعلان الوفد الإيراني إجراء المفاوضات في عمان مع الولايات المتحدة الأمريكية بدون وسطاء وهو ما يشير إلى اختلاط الأوراق واعتبار هذه الجولة التفاوضية هي المرحلة الحاسمة والأخيرة قبل قرار الحسم العسكري، ويدعم هذا الخيار إعلان رئيس اركان الجيش الإيراني عبدالرحيم موسوي عن تغير العقيدة العسكرية لإيران وتحولها للاستراتيجية الهجومية في رسالة واضحة إلى أن الجانب الإيراني مستعد لخوض حرب واسعة النطاق إذا ما اضطرت بلاده لذلك([4]). إلى جانب التعرضات العسكرية التي تقوم بها بعض المسيرات الإيرانية في محيط الأسطول الأمريكي في مياه بحر العرب،  وإعلان القيادة الأمريكية الوسطى اسقاط مسيرة إيرانية اقتربت من حاملة الطائرات ابراهام لينكولن([5]). إذ يمثل تكرار هذه المناوشات العسكرية مفتاحًا لمزيد من التعقيد، او تنفيذ الولايات المتحدة لضربات جوية مكثفة بالتزامن مع الاحتجاج الشعبي الداخلي في الجمهورية الاسلامية في إيران، كما ويتوقف ذلك على نية إيران في القيام بعمليات هجومية بمسيرات انتحارية وصواريخ باليستية على أهداف أمريكية في المنطقة على الأسطول الأمريكية اذا ما تعرضت لموجة ضربات جوية جديدة، مما  قد يعجل من فرص قيام حرب شاملة بين الطرفين رغم التداعيات الخطيرة والمأساوية لمثل هكذا حرب نظرا لإمكانيات ونفوذ الطرفين.

 

  1. السيناريو الثاني (التهدئة وإعادة الحوار بدل الخيار العسكري): يبقى مشهد إعادة الاتفاق حول ملفات الخلاف مطروحا بين الجانبين، سيما وأن الجمهورية الاسلامية في إيران تدرك جيدا مدى خطورة الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد تمثل خطر على امنها القومي وعلى نظامها السياسي، وخاصة بالتزامن مع موجة الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد، إلى جانب تضرر الهياكل النووية وقواعد الدفاع الجوي بعد حرب حزيران 2025، في المقابل فإن الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” على إدراك واسع بحجم التكاليف التي ستنتج عن الدخول بحرب مباشرة مع إيران، إذ تتمتع الجمهورية الاسلامية في إيران بعمق استراتيجي وجغرافي قد يمنحها فرصة اكبر للمناورة ونقل المنشآت النووية والاستراتيجية بعيدا عن الضربات الأمريكية، وعليه فإن هذا السيناريو قائم على أساس استعراض القوة والتحشيد العسكري المستمر لتحقيق سياسة الضغط القصوى التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد قدوم ترامب، ويدعم هذا السيناريو خشية ترامب من حرب شاملة رغم تأكيده على امكانية تحقيق انتصار ضد إيران إلا أن ذلك سيكون مكلف اقتصاديا، وقد يمهد لموجة من التنديدات الجماهيرية في الداخل الأمريكي. علاوة ذلك، يراهن البعض على تأسيس مجلس السلام العالمي في كانون الثاني 2026 لتحقيق نوع من التهدئة والانفراج في الملف النووي، في ضوء سعي الولايات المتحدة الأمريكية  لإعادة إعمار غزة وتحقيق الاستقرار العام في المنطقة، على الرغم من المآخذ والسلبيات الكبيرة التي تتسم بها هيكلية هذا المجلس الذي يقوم على القيادة الشخصية من قبل الرئيس الأمريكي ترامب، وشرط التمويل المالي لعضوية هذا المجلس، واجبار الاطراف الخاسرة للدخول في المجلس كشرط لتوفير الدعم التنموي([6]). وبالرغم من كونه اداة جديدة لتكريس الهيمنة الأمريكية إلا أن انشاء هذا المجلس في هذه المرحلة قد يتيح فرصا اكبر لحل الخلاف مع إيران،  لما يمثله من إعلان امريكي لتحقيق السلام، ودافع يمهد لانضمام العديد من دول المنطقة والعالم لهذا المجلس.

 

  1. السيناريو الثالث (توجيه ضربات محدودة): يشير هذا السيناريو إلى احتمالية تنفيذ بعض الضربات الأمريكية على اهداف إيرانية في العمق الإيراني، وضد حلفاء إيران في المنطقة لتحجيم الدور الاقليمي لإيران، والحصول على تأييد شعبي اكبر مقارنة بحرب شاملة، إلى جانب ذلك، يرجح البعض إمكانية فتح قنوات تواصل دبلوماسي جديدة قد تسهل عملية خلق بيئة متوازنة بين الطرفين، وتقديم الجمهورية الاسلامية في إيران لبعض التنازلات حول ملفاتها النووية والصاروخية، وقد ينتج عن ذلك بعض العمليات العسكرية المحدودة من قبل الطرفين، عبر قيام الجمهورية الاسلامية في إيران باستهداف بعض السفن والقواعد الأمريكية بضربات محدودة لتجنب رد أمريكي واسع، مقابل تنفيذ الولايات المتحدة لضربات تكتيكية ضد أهداف إيرانية معينة، وتعطيل بعض المنشآت والأصول العسكرية المهمة لضمان عدم فاعلية سلاح الردع الإيراني، ولتجنب سيناريو الحرب الشاملة وانعكاساته الكارثية على الجانبين، ويعزز هذا النهج الممارسات والعمليات الأمريكية الأخيرة في فنزويلا بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعملية عسكرية محدودة، ما يشير الى السلوك الأمريكي الجديد القائم على مواجهة الخصوم بأقل التكاليف، وقطع شرايين الإمداد الطاقوي للصين في العالم من دون الانخراط بحرب مفتوحة.

 

 

المصادر
  1. دستور إيران الصادر 1979 والمعدل سنة1989، ترجمة المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات.
  2. إلياس ميسوم، شكل نظام الحكم ومبدأ تصدير الثورة كمتغيرين في الصراع الإيراني- السعودي، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية، المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، الجزائر، المجلد 7، العدد 1، حزيران 2020.
  3. خالد هاشم، مجلس السلام الأمريكي: مجلس سلام ام استسلام، مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد، شباط 2026.
  4. الجزيرة نت، ترامب يعلن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، تاريخ النشر: 8 أيار 2018، شوهد بتاريخ: 6 شباط 2026، متاح على الرابط الآتي: https://2u.pw/COv5S.
  5. العربيةCNN، رئيس أركان الجيش الإيراني: تحوّلنا إلى العقيدة العسكرية الهجومية، تاريخ النشر: 2 شباط 2026، شوهد بتاريخ: 6 شباط 2026، متاح على الرابط الآتي: https://2u.pw/TGLQ4.
  6. الجزيرة نت، الجيش الأمريكي يعلن إسقاط مسيّرة إيرانية اقتربت من الحاملة أبراهام لينكولن، تاريخ النشر: 3شباط 2026، شوهد بتاريخ 6 شباط 2026، متاح على الرابط الآتي: https://2u.pw/x284u.
([1]) الجزيرة نت, ترامب يعلن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني, تاريخ النشر: 8 أيار 2018, شوهد بتاريخ: 6 شباط 2026, متاح على الرابط الآتي: https://2u.pw/COv5S.
([2])  إلياس ميسوم، شكل نظام الحكم ومبدأ تصدير الثورة كمتغيرين في الصراع الإيراني – السعودي، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية، المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية, الجزائر, المجلد 7، العدد 1، حزيران 2020، ص 108.
([3]) دستور إيران الصادر 1979 والمعدل سنة1989, ترجمة المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات.
([4]) العربيةCNN, رئيس أركان الجيش الإيراني: تحوّلنا إلى العقيدة العسكرية الهجومية, تاريخ النشر: 2 شباط 2026, شوهد بتاريخ: 6 شباط 2026, متاح على الرابط الآتي: https://2u.pw/TGLQ4.
([5]) الجزيرة نت, الجيش الأمريكي يعلن إسقاط مسيّرة إيرانية اقتربت من الحاملة أبراهام لينكولن, تاريخ النشر: 3شباط 2026, شوهد بتاريخ 6 شباط 2026, متاح على الرابط الآتي: https://2u.pw/x284u.
([6]) خالد هاشم, مجلس السلام الأمريكي: مجلس سلام ام استسلام, مركز البيان للدراسات والتخطيط, بغداد, شباط 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى