الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

العناصر المناخية ودورها في تحقيق الراحة الفسيولوجية للإنسان

بقلم: د. مروه خضير عباس العميدي

جامعة بابل/ كلية التربية للعلوم الانسانية

 

الراحة الفسيولوجية هي شعور الانسان بالراحة او الاتزان الحراري اثناء قيامه بنشاطاته المختلفة وممارسة اعماله في ظل الظروف المناخية السائدة دون الشعور بالتعب والارهاق، اذ يؤدي المناخ  بعناصره (الاشعاع الشمسي، درجة الحرارة، الرطوبة النسبية، الرياح والضغط الجوي) دورا رئيسا في التأثير على الانسان ونشاطاته، اذ تعد العلاقة بين المناخ والانسان علاقة وطيدة وقوية ومتبادلة التأثير والتأثر،  فمنذ القدم كان للمناخ دورا كبيرا في تحديد نشاط الانسان وامكانياته وقدراته، اذ ذكر احد العلماء ان جميع مكونات النظام البيئي (الحيوي) توجد، تنمو، تزول تحت مظلة المناخ، اذ مارس الانسان حرفة الزراعة نتيجة لتلائم الظروف المناخية من امطار ودرجة حرارة وغيرها، اذ كان الانسان يعتمد على الطبيعة اعتمادا كليا في توفير احتياجاته الاساسية من الطعام والمأوى، وبعد ذلك اخذ العالم بالتقدم والتطور، اذ خطى بشكل سريع جدا في هذا المجال مما ادى الى حدوث تغيير في معالم سطح الارض ومناخها، نتيجة للتطور الصناعي الكبير وما اطلق عليه بالثورة الصناعية، اذ ترتب عليها اطلاق كميات كبيرة من الغازات الملوثة الى الجو، فضلا عن ذلك اضافة مكونات غريبة للهواء مما ادى ذلك الى تلوث الغلاف الجوي وتغيير قيم غازاته ومكوناته وفقدان توازنه الطبيعي، اذ ترتب على ذلك تكون مصطلح التغيرات المناخية التي تعنى بتغير قيم ومعدلات العناصر المناخية واتجاه بعضها نحو الانخفاض في حين اتجه القسم الاخر من العناصر المناخية نحو الارتفاع في القيم، اذ اخذت درجة حرارة سطح الارض بالارتفاع التدريجي، اذ تراوح معدل ارتفاعها نحو (1-2.4) م°، اذ يؤدي ارتفاع درجة الحرارة الى شعور الانسان بعدم الراحة في العمل وانخفاض انتاجيته وزيادة جهده وفقدانه الشغف والحيوية اثناء العمل وهذا يؤثر سلبا على الراحة الفسيولوجية للإنسان وانتاجه، اذ يحافظ الانسان على درجة حرارة جسمه التي تبلغ حوالي (37) م°، اذ يقوم بتنظيم درجة حرارته من خلال عملية الموازنة بين الحرارة المكتسبة والمفقودة، اذ يحصل على الطاقة الحرارية بواسطة الطعام الذي يتناوله وتفاعله مع البيئة المحيطة به، ويفقدها عن طريق ممارسة اعماله والعمليات الفسيولوجية كالتعرق والارهاق، اذا كانت الكمية المكتسبة مساوي للمفقودة عندئذ يشر الانسان بالاتزان الحراري والشعور بالراحة، ويحدث العكس في حالة عدم التوازن، تتراوح درجة الحرارة الملائمة للإنسان وفعالياته المختلفة بين (18-33)م° .

 

أحد الباعة المتجولين (كبير بالسن) يتخذ من الورق المقوى غطاء لرأسه من حرارة الشمس العالية في بغداد

 

لكن ما تشهده منطقة الدراسة (العراق)، هو ارتفاع درجة الحرارة صيفا، اذ تبلغ تقريبا (51) م° مما يؤدي الى شعور الانسان بالتعب والارهاق في العمل، نتيجة لزيادة الجهد في وقت قصير مما يؤثر سلبا على صحته وانخفاض انتاجه، والدليل على ذلك تقليص ساعات العمل صيفا في منطقة الدراسة لعدم قدرة الانسان على تحمل درجات الحرارة العالية  وقدرة التحمل تعتمد ايضا على العمر، الجنس والبيئة التي يعيش فيها، في حين يتصف فصل الشتاء بانخفاض درجة الحرارة، اذ تبلغ حوالي (14) م° وهذا يؤثر على الانسان وراحته الفسيولوجية مما يقلل نشاطه اثناء العمل وبالتالي شعوره بالتعب بعد وقت قصير من ممارسة العمل مما يؤدي الى انخفاض انتاجه، فضلا عن الظواهر المناخية القاسية (الامطار والضباب) التي يقتصر حدوثها خلال الفصل البارد من السنة وهذه ايضا تؤثر على الراحة الفسيولوجية للإنسان ونشاطاته المختلفة، وفي بعض الاحيان تعطل الدوائر الرسمية في حالة سقوط الامطار الغزيرة وحدوث الضباب الشديد، وتحتل الرطوبة النسبية المرتبة الثانية من حيث اهميتها في التأثير على راحة الانسان الفسيولوجية، اذ تتراوح معدلاتها الطبيعية الملائمة للإنسان بين (40-75%)، اذ يمارس الانسان نشاطاته واعماله براحة نفسية ضمن هذه المعدلات، في حين يشعر بالتعب والارهاق في حالة ارتفاع او انخفاضها عن هذا المعدل الطبيعي، كما يؤدي الاشعاع الشمسي دورا كبيرا من حيث التأثير على الراحة الفسيولوجية للإنسان، اذ تساهم وفرته في اصابة الانسان بالعديد من الامراض كضربة الشمس والامراض الجلدية المختلفة وهذا يؤثر على راحة الانسان الفسيولوجية وشعوره بالتعب الشديد في العمل وانخفاض قدرته في تأدية عمله، اذ يؤدي ارتفاع رطوبة الهواء مع درجة الحرارة العالية الى انخفاض قدرة الجسم البشري في تحقيق التوازن الحراري، لان ذلك يفقد الجسم على امكانية التعرق للتخلص من الطاقة المكتسبة وبالتالي حدوث الاجهاد الحراري وفقدان الراحة الفسيولوجية للإنسان وانخفاض عمل اجهزته في القيام بمهامها الحيوية، ثم يأتي بعد ذلك دور العناصر المناخية الاخرى كالإشعاع الشمسي، الرياح والضغط الجوي في التأثير على الراحة الفسيولوجية للإنسان، اذ تساهم الكميات الوفيرة من الاشعاع الشمسي وهذا ما تشهده منطقة الدراسة (العراق) الى اصابة الانسان بالعديد من الامراض المتمثلة بضربة الشمس والامراض الجلدية التي تضعف من جسم الانسان وتعمل على  فقدانه التوازن الطبيعي الذاتي وشعوره بالتعب والارهاق عند قيامه بأبسط الاعمال مما يقلل من امكانيته في تأدية الاعمال المكلف بها، في حين يأتي دور الرياح فهي احد العناصر المناخية المؤثرة على راحة الانسان الفسيولوجية، اذ تساهم في تنظيم التبادل الحراري، فهي تعمل على تلطيف الجو اذا كان معدلها طبيعي  لا يتجاوز (2) م/ثا وشعور الانسان بالراحة اثناء العمل، بينما في حالة زيادة سرعة الرياح يؤدي ذلك الى حدوث ظاهرة العواصف الترابية التي تعد من الظواهر الطقسية القاسية لدورها السلبي على الانسان واصابته بأمراض الجهاز التنفسي المتمثلة ب (الربو، القصبات الهوائية والاختناق) ، والشعور بالتعب والارهاق وتقلب المزاج في العمل مما يؤثر سلبا على الانسان ونشاطاته المختلفة، اما الضغط الجوي فهو يؤثر تأثيرا مباشرا على راحة الانسان الفسيولوجية، فهو وزن عمود الهواء المسلط على وحدة المساحة، اذ يبلغ المعدل الطبيعي حوالي (760) ملم، بينما تسبب التقلبات الجوية في قيم الضغط الجوي ولا سيما انخفاضه في تمدد انسجة الجسم والغازات الداخلية، وهذا يسبب العديد من امراض المفاصل، الجيوب الانفية والصداع وبالتالي انخفاض قدرته الحيوية اثناء العمل، ومما تجدر الاشارة اليه تشهد منطقة الدراسة (العراق) تتمتع بظروف مناخية متطرفة متمثلة بالتغيرات المناخية التي يشهدها العالم اليوم التي تمس آثارها مختلف معالم البيئة ولا سيما الانسان الذي يمثل القلب الحيوي للبيئة، اذ يمثل فصلي الصيف والشتاء بعدم توفر الراحة الفسيولوجية  للإنسان في العمل مما دفع ذلك الى استخدام وسائل التقدم التكنولوجي بـ(التبريد والتكيف) للتأقلم مع المناخ السائد، في حين يتمتع فصلي (الخريف والربيع) باعتدال مناخها مما يترتب عليه تمتع الانسان براحة فسيولوجية مثالية، اذ يساهم ذلك في شعور الانسان بالراحة والحيوية في المنزل والعمل وبالتالي زيادة الانتاجية وتقليل الجهد والارهاق والتعب، يتضح مما تقدم ان توفير الراحة الفسيولوجية للإنسان تكمن في الحفاظ على معدلات العناصر المناخية وحدودها العليا والدنيا، اي معالجة مشكلة التغيرات المناخية باتباع ما توصلت اليه المعاهدات والاتفاقيات الدولية والدراسات العلمية والالتزام بأهم توصيتها ولاسيما في مجال الصناعة لكونها احد الاسباب الرئيس في تفاقم التغير المناخي نتيجة لأطلاقها الملوثات الغازية الى الجو مما يساهم في اختلال التوازن الذاتي للغلاف الجوي وبالتالي حدوث تطرف مناخي شديد يرافقه ظواهر مناخية قاسية تتسبب في خلق بيئة ملوثة وغير مناسبة للكائنات الحية وخاصة الانسان، اذ سرعان ما يشعر بالتعب والارهاق في العمل وبالتالي انخفاض انتاجه ونشاطاته الحيوية، وهذا يؤثر سلبا على تقدم منطقة الدراسة (العراق) في جميع جوانب الحياة (الاقتصادية، الاجتماعية والصحية) ، لذلك تعد منطقة الدراسة ضمن البلدان النامية، لكون الانسان هو العنصر الفعال للبيئة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى