الاكثر قراءةتحليلات و آراء

الحوكمة وتعقيد السياسات.. إعادة النظر في ذكاء الديمقراطية

بقلم: الباحثين أليكسا لينز، وخافيير فرنانديز آي مارين،

 وماركوس هينترليتنر، وكريستوف نيل، وإيف ستاينباخ

مراجعة: م.د. مصطفى صادق عواد*

 

يتسم العالم في الوقت الحالي بتشابك غير مسبوق بين الأزمات الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية والاجتماعية، وفي ظل هذا التشابك عادت مسألة قدرة الأنظمة السياسية على إدارة التعقيد إلى واجهة النقاشات النظرية والتطبيقية في علم السياسة، وقد دأبت الأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة على افتراض تفوق الديمقراطيات في التعامل مع المشكلات المعقدة، استنادًا إلى انفتاحها المؤسسي، وتعدديتها المعرفية، وآلياتها التشاركية، غير أن هذا الافتراض بات محل مساءلة متزايدة، في ضوء تنامي ما يُعرف في أدبيات السياسات العامة بـ”تضخم السياسات”*، و”التحميل الزائد التنظيمي”**، وما يرافقهما من تحديات تتعلق بالفعالية التنفيذية والشرعية السياسية في آن واحد.

ويقدم بحث لينزرمز وزملائه إسهامًا نوعيًا عبر مساءلة فكرة شائعة مفادها أن تعقيد السياسات هو نتاج طبيعي، بل حتمي، للحكم الديمقراطي، فالبحث لا يكتفي بتفكيك هذا الافتراض، بل يعيد بناءه ضمن إطار تحليلي أكثر دقة، كما وأنه يُميز بين التعقيد بوصفه عبئًا تنظيميًا، والتعقيد بوصفه قدرة تكيفية، مقترحًا مفهومًا تحليليًا ضمنيًا يمكن تسميته بـ«ذكاء الديمقراطية»، وهو توجه ينسجم مع مناهج حديثة في فهم الحوكمة كشبكات معقدة من التفاعلات غير الهرمية.

 

أولاً: تعقيد السياسات بين الضرورة والاختلال

ينطلق البحث من مسلّمة أساسية مفادها أن تعقيد السياسات لا ينشأ اعتباطًا، بل غالبًا ما يكون انعكاسًا مباشرًا لتعقيد المشكلات الخارجية، فالمشكلات المعاصرة، وعلى رأسها تغيّر المناخ، لم تعد قابلة للمعالجة عبر أدوات تنظيمية بسيطة أو سياسات قطاعية معزولة، بل تتطلب محافظ سياسات متعددة الأهداف والأدوات، تتفاعل فيما بينها بطرق غير خطية، وتنتج آثارًا متبادلة يصعب التنبؤ بها، ويتماشى هذا مع ما يراه باحثون معاصرون في مجال التعقيد الاقتصادي: من أن تحليل وتعزيز التنويع الاقتصادي وعمقه لا يقتصر على توسعة محافظ السياسات فحسب، بل يتطلب فهمًا لتفاعلات المعرفة، والقدرات الإنتاجية، والروابط بين القطاعات التي تشكل بنية الاقتصاد بهدف توجيه السياسات بذكاء وليس بزيادة حجمها فقط.

 

ثانياً: الديمقراطية كمُنتج للتعقيد… ومُدير له

يقدم البحث إطارًا نظريًا ثلاثي المراحل يربط بين تعقيد المشكلات، وتعقيد السياسات، وخصائص النظام السياسي، وتذهب إلى أن الديمقراطيات، بحكم انفتاحها المؤسسي وتعدد قنوات المشاركة فيها، تميل إلى إنتاج مستوى أساسي أعلى من تعقيد السياسات، حتى عندما تكون المشكلات نسبيًا محدودة التعقيد، ويعود ذلك إلى إدماج عدد كبير من الفاعلين، وتنوع التفضيلات، والحاجة المستمرة إلى التوافق والتسويات.

وهذا الاستنتاج ينسجم جزئيًا مع دراسات كثيرة في السياسة العامة المعاصرة وترتبط به نتائج من أبحاث تجمع بين الديمقراطية والتعقيد من زاوية أخرى: مثلاً فقد وجدت دراسة (ترافيس .أ. ويستل وأخرون) التي جاءت بعنوان (الديمقراطية والتعقيد والعلم: استكشاف المصادر الهيكلية للأداء العلمي الوطني)، أن العلاقات بين الديمقراطية وتعقيد الأنظمة العلمية أو الإنتاجية ليست خطية بالضرورة، بل تتداخل مع عوامل أخرى مثل التنويع الاقتصادي والمستوى التكنولوجي، وهو ما تم توثيقه في دراسات تربط الديمقراطية بقدرة الأنظمة على تعزيز الأداء العلمي الوطني من خلال أنظمة معقدة للتعاون الدولي، وهو ما يعزز فكرة أن الديمقراطية تسمح بإدارة التفاعل بين التعقيد المؤسسي والبيئي بشكل أكثر مرونة من الأنظمة الأقل انفتاحًا.

 

ثالثاً: سياسات المناخ بوصفها مختبرًا تحليليًا

اختيار سياسات المناخ كحالة دراسية يعكس إدراكًا لطبيعتها العابرة للقطاعات، وعالميتها، وارتباطها الوثيق بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، فمن خلال تحليل بيانات (134) دولة خلال الفترة 1998–2022، يُظهر البحث أن تعقيد السياسات المناخية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتعقيد البنية الاقتصادية، وهو ما يتقاطع مع دراسات في الأدبيات حول التعقيد الاقتصادي وضرورة المواءمة بين بنية الإنتاج والسياسات المستجيبة للتحديات الهيكلية.

غير أن الإضافة الأساسية للبحث تكمن في إظهار أن هذا الارتباط لا يعمل بصورة محايدة، بل يتخذ أشكالًا مختلفة تبعًا لدرجة التداول والمشاركة السياسية، إذ تكشف النتائج أن الديمقراطيات، رغم إنتاجها المبكر لتعقيد السياسات، تتجنب لاحقًا الزيادات المفاجئة وغير المخطط لها في السياسات العامة التي تُميّز استجابات الأنظمة الأقل ديمقراطية عند تجاوز عتبات معينة من التعقيد الخارجي، مما يجعل الديمقراطية أكثر ذكاءً تكيفيًا في التحول من التعقيد كعبء إلى التعقيد كأداة للتعلّم والسياسات المدمجة.

 

رابعاً: إعادة التفكير في سرديات التدهور الديمقراطي

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في سياق الدراسات التي تُرجع تراجع الثقة بالديمقراطية إلى عجزها عن الحكم الفعّال في عالم معقد، بعض الأدبيات الحديثة تؤكد أن النقد الموجَّه للديمقراطية لا ينعكس دائًما ضعف النظام بحد ذاته، بل يمكن تفسيره عبر تحولات في آليات صنع القرار وتفاعل النخب مع الجمهور واحتياجات السياسات المعقدة، وقد لوحظ في أبحاث تحليلية أن الديمقراطيات القادرة على دمج تنوع الفاعلين ضمن آليات مؤسسية متماسكة تميل إلى تحقيق نتائج أفضل على المدى الطويل مقارنة بالأنظمة التي تقمع أو تقلص المشاركة السياسية، وهو ما يدعم فكرة أن المرونة المؤسساتية الذاتية للنظام الديمقراطي يمكن أن تضطلع بدور إيجابي في إدارة التعقيد بدلًا من كونه عائقًا. 

 

 

الخاتمة

يمكن القول إن القيمة الأساسية لهذا العمل تكمن في انتقاله من سؤال “هل الديمقراطية تُنتج تعقيدًا مفرطًا؟” إلى سؤال أكثر عمقا وهو” كيف تُحول الديمقراطية التعقيد من تهديد إلى مورد؟“، فمن خلال الجمع بين تحليل نظري متماسك وتصميم تجريبي مقارن واسع النطاق، ينجح البحث في إعادة تأطير العلاقة بين الحوكمة الديمقراطية وتعقيد السياسات، بعيدًا عن الثنائيات التبسيطية بين الكفاءة والشرعية

 

إن “ذكاء الديمقراطية” الذي تبرزه هذه الدراسة لا يتمثل في تقليل التعقيد، بل في القدرة على ترويضه واستيعابه تدريجيًا، وتحويله إلى أداة لحل المشكلات بدل أن يكون سببًا في تقويض النظام ذاته.

 

المصادر
  1. Hurka, S. (2023, 11 30). The institutional and political roots of complex policies: Evidence from the European Union. European Journal of Political Research, pp. 1168-1190.
  2. Knill, C., Steinebach, Y., & Zink, D. (2024, 6 8). How policy growth affects policy implementation: bureaucratic overload and policy triage. Journal of European Public Policy, pp. 324-351.
  3. Lourenço, R. P. (2023, 1 30). Government transparency: Monitoring public policy accumulation and administrative overload. Government Information Quarterly, pp. 1-10.
  4. Whetsell, T. A., Ana-Maria Dimand, Koen Jonkers , Jeroen Baas , & Caroline S Wagner. (2021, 10). Democracy, Complexity, and Science: Exploring Structural Sources of National Scientific Performance. Science and Public Policy, pp. 697–711.
  5. Whetsell, Ana-Maria Dimand, Koen Jonkers , Jeroen Baas , & Caroline S Wagner, 2021
  6. اكرم عبد العزيز عبد الوهاب. (2019). أثر الحوكمة في تنويع الاقتصاد العراقي. المجلة العربية للنشر العلمي، الصفحات 327 – 354.
  7. منشور في: مجلة السياسية العامة الاوروبية/ بتاريخ 5/10/2025 في عدد خاص بعنوان: )Victims of their own success? How successful liberal orders can become self-undermining على الرابط: https://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.1080/13501763.2025.2553756
*  جامعة النهرين/ كلية العلوم السياسية/ قسم النظم السياسية والسياسات العامة
*  تضخيم السياسات: هي حالة التوسع التراكمي وغير المنسق في عدد وأدوات السياسات العامة، بما يتجاوز القدرة المؤسسية على التنفيذ والتنسيق، ويؤدي إلى تراجع الفعالية والوضوح والمساءلة”. ينظر: (Lourenço, 2023) و ( (Hurka, 2023).
**  التحميل الزائد التنظيمي: هو حالة تنشأ عندما يتجاوز عدد السياسات والقواعد واللوائح التنظيمية وصيغ التدخل الحكومي قدرة الإدارة العامة أو الجهات المختصة على تنفيذها وتطبيقها ومتابعتها بفعالية، بحيث تتراكم الأعباء التنفيذية والإدارية دون توافر موارد كافية أو قدرات متناسبة. ينظر: (Knill, Steinebach, & Zink, 2024)

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى