الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

من الردع إلى المبادأة: هل تشنّ إيران هجوماً استباقياً ؟

بقلم: أ. م. د. عماد جاسم محمد

الجامعة العراقية/ كلية القانون والعلوم السياسية

 

 

يُقصد بالردع، في إطاره العام، توفر القدرة على إرغام الخصم بعدم استخدام قوته العسكرية، إما عبر التهديد بالانتقام، أو من خلال إحباط الأهداف التي يتوخّاها، من خلال التهديد بتكبده تكاليف باهظة تفوق المكاسب التي يتوقعها من الإقدام على الهجوم.

 وبناءً على ذلك، اعتمدت إيران على قدراتها الصاروخية لأداء المهمة الردعية، إلا أنه ومع تصاعد التهديد الوجودي لإيران من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل” بعد حرب الاثني عشر يوماً، بات يُطرح التساؤل حول إمكانية انتقال إيران من منطق الردع إلى منطق المبادأة، عبر توجيه ضربات استباقية تستهدف “إسرائيل” أو القواعد الأمريكية في المنطقة، إذا ما تيقّنت بأن الحرب قد سُعِّر أوارها وبان لظاها، إذ سيكون من المرجح استناداً إلى ما تسميه الدراسات المستقبلية “المتغير قليل الاحتمال عظيم التأثير” (Low Probability–High Impact) أن تبادر إيران إلى الهجوم أولاً، وفقاً لنهج “اغزوهم قبل أن يغزوكم”([1])،معتبرة أن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، وأن المواجهة، رغم خطورتها، ستظل خياراً أفضل من الاستسلام.

 

ولعلّ ما يعزّز ترجيح هذا الاحتمال يتمثل في الآتي:

أولاً: خشية القيادة العسكرية الإيرانية من أن حرب الاثني عشر يوماً قد أفضت إلى تآكل نسبي في مصداقية ردعها التقليدي، جراء تراجع فعاليته في منع الخصوم من تجاوز الخطوط الحمراء، وبناءً على ذلك، قد يندفع القادة الإيرانيون إلى تبنّي خيار “المبادأة الاستباقية”، عبر القيام بعمل عسكري “رادع” يهدف إلى كسر هذا المسار وفرض معادلة ردع جديدة، من خلال إقناع الخصوم بأن كلفة الحرب ستكون مرتفعة وغير مضمونة النتائج، وبهذا المعنى، يمكن تفسير الجاهزية الإيرانية العالية وحالة الاستنفار الشامل بوصفهما تمهيداً لاحتمال الانتقال من منطق الردع إلى منطق المبادأة، وتعبيراً عن هذا التوجه، أعلن القائد العام للحرس الثوري الإيراني، “اللواء محمد باكبور”، في 22 كانون الثاني 2026، “بأن قوات الحرس الثوري في أعلى درجات الجاهزية القتالية”، وأن “الأصابع على الزناد”. وذلك للتأكيد على أن طهران لا تعيد ترتيب أدواتها العسكريّة فحسب، بل تعيد أيضاً تعريف نقطة البداية في أي حرب محتملة.

 

قائد الجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي

 

ثانياً: التوجّه نحو إعادة تشكيل القيادة العسكرية الإيرانية، إذ جرى تعيين اللواء “أمير حاتمي” قائداً عاماً للجيش الإيراني في حزيران الماضي، وهو من المؤيدين لمبدأ “الدفاع الاستباقي” القائم على توظيف الصواريخ والمسيّرات كوسائل هجومية، ورغم فاعلية هذه الأدوات، إلا إنها تظل محدودة من حيث الاستدامة، ومع ذلك، أظهرت إيران قدرة على تقليص هامش التفوق الجوي “الإسرائيلي” خلال حرب الاثني عشر يوماً، عبر التركيز على ضرب الأهداف الحيوية والابتعاد عن النمط العشوائي في الاستهداف، الأمر الذي شكّل تحولاً استراتيجياً أثّر بشكل مباشر على الحسابات العسكرية “الإسرائيلية”، التي فضّلت خيار التراجع عبر وقف إطلاق النار.

 

ثالثاً: تصاعد النبرة الخطابية الإيرانية الداعية إلى “الاستباق الاستراتيجي“، وهو ما تجسّد بإعلان “مجلس الدفاع الإيراني” في 6 كانون الثاني 2026، “بأنّ طهران لم تعد مقيّدة بالرد بعد تعرضها للهجوم”، وأنّها “ستتعامل مع مؤشرات التهديد الموضوعية بوصفها جزءاً من حساباتها الأمنية”، وعلى ما يبدو،أن هذا الموقف قد صيغ بشكل متعمّد من دون الإشارة الصريحة إلى مفهوم “الضربة الاستباقية”، لكنه وسّع، بصورة غير مباشرة، حدود ما تعدّه إيران دفاعاً مشروعاً.

والحقّ أنّ هذا الإعلان لا يمكن قراءته إلّا بوصفه مؤشّراً على انتقال إيران نحو عتبة جديدة في عقيدتها العسكرية، بما يتجاوز منطق “الردع” و”الدفاع الشامل” إلى تبنّي ولو ضمنياً، مبدأ “العمليات الاستباقية” ضد أي تهديد تعدّه جدّياً، إذ إنّ تحرّك إيران الحالي نحو إدخال “العمليات الاستباقية” بوصفها عنصراً ثالثاً في عقيدتها العسكرية، يعني عملياً، توسيع هامش القرار لدى القيادة الإيرانية، بحيث لا تبقى أسيرة رد الفعل، بل تمنح نفسها حقّ المبادأة بالعمل العسكري إذا توفّرت لديها قناعة بأنّ خصميها الرئيسيين، “إسرائيل” والولايات المتحدة، يستعدّان فعلاً للهجوم، وهو ما من شأنه أن يضعهما عملياً أمام معادلة أكثر تعقيداً، فالحرب وفق هذه الرؤية، قد تبدأ من لحظة تقدير إيران للنوايا، لا من لحظة سقوط أول صاروخ معادٍ على أراضيها.

والواقع أنّ منطق التصعيد الإيراني هذا قد أسهم في تعميق المخاوف الأمريكية إزاء المخاطر المحتملة التي قد تواجه القوات الأمريكية المنتشرة في “الشرق الأوسط”، حال الشروع بالعمل العسكري، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” في 28 كانون الثاني 2026، بقوله: “إنّ القوات الأمريكية المتواجدة في “الشرق الأوسط”، والتي يتراوح عددها بين 30 و40 ألف جندي، والموزّعة على تسعة مواقع، هي في متناول الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، الأمر الذي يفرض ضرورة امتلاك قدرة كافية على الرد، ومنع أي هجوم استباقي قد يستهدف القوات الأمريكية وحلفاءها في المنطقة”.

 

الخاتمة

تسعى إيران في سياق إعادة تقييم استراتيجتها العسكرية عقب حرب الاثني عشر يوماً، إلى إعادة هندسة بنيتها العسكرية بصورة شاملة، ليس فقط لسدّ بعض الثغرات التي ظهرت خلال الحرب جرّاء إخفاق استراتيجتها الدفاعية، ولا سيما في إطار ما يُعرف “بالدفاع غير المتماثل”، الهادف إلى منع القدرات الهجومية الأمريكية و”الإسرائيلية” من الوصول إلى أراضيها، بل أيضاً لإعادة توظيف قوتها العسكرية بوصفها أداة للردع والاستباق الاستراتيجي في آنٍ واحد.

وفي هذا الإطار، يبرز اتجاه داخل القيادة العسكرية الإيرانية يدعو إلى تبني ما يمكن توصيفه بعقيدة “التصعيد لخفض التصعيد” (Escalating to De-Escalate)، التي تقوم على الاستخدام المبكر والمحدود للقوة العسكرية بهدف التأثير على حسابات الخصم، إذ إن التهديد بالتصعيد، مقترناً بالقدرة على إلحاق “ضرر رادع”، من شأنه إعادة تشكيل تصوّر الخصم للتوازن بين مكاسب العدوان وتكاليفه المحتملة .

 

وفقاً لهذا المنطق، قد تميل طهران إلى تبنّي ما أطلق عليه ليدل هارت “استراتيجية الهدف المحدود”، التي لا تسعى إلى إلحاق هزيمة شاملة بالعدو، بقدر ما تهدف إلى إرغامه على التعامل مع إيران بوصفها نداً استراتيجياً متكافئاً.

 

 
([1])  وممّا يُروى عن الإمام علي بن أبي طالب (ع) في باب الحث على الجهاد قوله:” اغزوهم قبل أن يغزوكم، فواللهِ ما غُزِيَ قومٌ قطّ في عُقر دارهم إلّا ذلّوا “. يُنظر: نهج البلاغة، ج 1، تحقيق ومراجعة: صلاح الفرطوسي، مؤسسة علوم نهج البلاغة، كربلاء المقدّسة، 2022، ص 232.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى