الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
احتمالات وأهداف الحشد العسكري الأميركي ضد إيران

بقلم: أ. د. سعد عبيد السعيدي
مدير مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تتسارع الاحداث العسكرية والسياسية المتعلقة بالحشد العسكري الامريكي في “الشرق الاوسط” والموجه بطبيعة الحال ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية، تحت ضغط كبير تمارسه الادارة الامريكية ضد الحكومة الايرانية يتمثل بتصريحات متضاربة ومتعددة الرسائل، فما بين تصريحات تمتار بقدر عال من التهديد والوعيد العسكري تطلقها وزارة الحرب الامريكية تنذر بتدخل عسكري وشيك الى تصريحات موازية تفتح الباب امام وساطات او تفاوض يتعلق بمطالب امريكية خاصة بالبرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الايراني تقودها وزارة الخارجية الى تصريحات موازنة بين الاتجاهين تصدر من رأس هرم الادارة الامريكية وهو الرئيس الامريكي المتمثلة بالتصريحات والخطابات المموهة التي ليس لها اتجاه معين وتدمج بين كافة الاحتمالات.
وللتفصيل أكثر في الاحتمالات المتوقعة للحشد العسكري الامريكي في المنطقة سنعرض اهمها والتي نتوقع انها تحمل قدر أكبر من غيرها في التحقق وفقا للمعطيات المتوفرة على الارض والتوقعات المرتبطة بطبيعة السياسة الامريكية وتاريخها المتوسط والقريب وكالاتي:
اولاً: احتمالية توظيف الحشد العسكري من اجل التفاوض
يعد هذا الاحتمال من بين اكثر الاحتمالات الوارده في الفترة المقبلة وهناك العديد من المؤشرات المرتبط به ليس اقلها تصريحات الرئيس الامريكي نفسه حينما يكرر بين فترة واخرى ان امام ايران فترة قصيرة لابرام صفقة تتعلق بالبرنامج النووي الايراني والبرنامج الصاروخي والا تعرضت لهجوم عسكري واسع، وفي هذا اشارة محتملة الى ان الولايات المتحدة قد تفضل تحقيق اهدافها دون الدخول في حرب، وانما التلويح باستخدام القوة المفرطة اذا لم توافق ايران على تنفيذ شروطها المتمثلة بتجميد التخصيب ونقل مخزونها من اليورانيوم الى دولة ثالثة ووضع كامل برنامجها النووي تحت مراقبة مشددة لتصفية خطر الملف النووي الايراني على الولايات المتحدة و”إسرائيل” وفقا لما يعتقده قادة البيت الابيض، فضلا عن تقييد وتحديد البرنامج الصاروخي الايراني من حيث العدد والمسافة ونوعية الصواريخ بالأخص الفرط صوتية، وتغيير السياسة الاقليمية الايرانية.
وما يعزز هذا الاحتمال هي الحركات المكوكية المعلنة للدبلوماسية الاقليمية في المنطقة ومن بينها الاجتماعات المقررة في انقره بين وزير خارجية ايران وتركيا ومن المتوقع انضمام شخصية امريكية الى الاجتماع في حال توصل الطرفان التركي والايراني الى ارضية مناسبة للتفاوض مع الطرف الامريكي، فضلا عن وصول وزير الدفاع السعودي الى واشنطن لاجراء مباحثات مع الادارة الامريكية من بين اهم اهدافها التباحث في الشأن الايراني وامكانية تجنب توجيه ضربة عسكرية لايران ستكون تداعياتها وخيمة على الامن الاقليمي ومن بينه الامن الخليجي.
ان هذا الاحتمال وارد جدا لاسيما ان تاريخ الدبلوماسية الامريكية المتعلقة باجراء جولات مختلفة من التفاوض يشير الى تكرار توظيف الولايات المتحدة لقوتها العسكرية لدفع الطرف الاخر الى تقديم تنازلات معينة تحت التهديد والوعيد كما فعلت مثلا في المفاوضات مع فيتنام ومع فنزويلا ومع العراق سابقا عام 1991 بل وحتى مع حلفائها احيانا كما في تهديدها الاخير بالسيطرة على غرينلاند بشكل افضى الى دفع دول الاتحاد الاوربي الى تقديم تنازلات كبيرة في ملفات مختلفة، وهكذا فأن احتمالية تكرار نفس الاسلوب مع ايران وارده وممكنة وقد تجنب الطرفين مواجهة دامية ومكلفة.
الا ان السؤال الاهم هنا هو هل ستستجيب إيران ممثلة بقيادتها التي تمتاز بالصلابة وعدم الثقة بالولايات المتحدة لهذه الضغوط وتخضع للمطالب الامريكية التي تستهدف تحقيق امن “إسرائيل” بالدرجة الاساس دون حرب؟ الجواب يعتمد الى حد كبير على طبيعة تقدير الموقف من قبل القيادة الايرانية وتقييمها للنوايا الامريكية، فاذا كان تقدير الموقف يستند الى نوايا امريكية حقيقية لشن هجوم كبير يدمر البنى التحتية النووية والصاروخية وقد يستهدف مرافق حيوية اخرى كالنفط والكهرباء والمصانع والموانيء واستهداف لاهم مراكز الصناعة العسكرية وقيادة الحرس الثوري (بعد ان تم تصنيفها من قبل الاتحاد الاوربي منظمة ارهابية) فقد يدفع هذا الامر ايران الى الموافقة على صيغة تحقق الشروط الامريكية ولكن بصياغات مرنة تسمح لايران التملص منه لاحقا اي بعد انتهاء فترة ولاية ترامب، اما اذا كان تقدير الموقف الايراني يستند الى ضربات محدودة تشبه الضربات السابقة فستمضي القيادة الايرانية في تحديها للادارة الامريكية وترد بقوة على الهجمات الامريكية عبر استهداف اهداف منتخبة بطريقة غير تصعيدية تمهيدا لتوقف الهجوم الامريكي.
ثانياً: احتمال شن حرب كبيرة على إيران
وهو ايضا من الاحتمالات الواردة والحقيقية، فمتابعة تطورات الحشد العسكري الامريكي وطبيعة الاسلحة والمعدات التي يتم نقلها الى المنطقة تشير الى ان الولايات المتحدة قد تكون جادة وبشكل صارم الى استخدام القوة العسكرية المفرطة لتحقيق اهدافها في إيران إذا ما رفضت القيادة الايرانية التجاوب مع شروطها التي تم اعلانها أكثر من مرة والتي ترتبط باربعة ملفات رئيسية هي على التوالي: الملف النووي، البرنامج الصاروخي، دعم حلفاء إيران في المنطقة ممثلين بمحور المقاومة.
وما تم رصده لحد الان من الاصول العسكرية الامريكية التي تم ارسالها الى منطقة “الشرق الاوسط” تتمثل بحدود ثلاثة حاملات طائرات وخمس بارجات وعشرة سفن عسكرية متنوعة ومن المتوقع انها تصل الى عشرين في حال لم يتوصل الطرفان الى حل سلمي في الايام القليلة القادمة، فضلا عن وصول خمس طائرات خاصة بالتزود بالوقود (الارضاع الجوي للطائرات المقاتلة) والتي تشير الى ان حاملات الطائرات ستبقى في مناطق بعيدة عن البر الايراني ولن تدخل مياه الخليج خشية استهدافها من قبل الصواريخ والطائرات الايرانية المسيرة، وتقلع الطائرات المقاتلة من مسافات بعيدة (البحر المتوسط قرب السواحل القبرصية و”الاسرائيلية”، بحر العرب) مما يجعل بعضها بحاجة الى التزود بالوقود للوصول الى الاراضي الايرانية، كما تم شحن عدد غير معلوم من منظومات الدفاع الجوي الى منطقة “الشرق الاوسط” لمواجهة الصواريخ الايرانية التي قد تستهدف “اسرائيل” او القواعد الامريكية في المنطقة.
ان هذه المعطيات المتعلقة بتزايد الحشد العسكري بوتيرة متسارعة بالتزامن مع تصاعد لغة التهديد والوعيد ليس لها في حال رفضت ايران التجاوب مع الشروط الامريكية التي تبدوا قاسية جدا الا معنى واحد وهو الاستعداد لشن هجوم عسكري كبير سيحاول على الارجح تدمير المنشات النووية ومصانع انتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وقد يستهدف في حال تطورت الاحداث وتم الرد الايراني بقوة بعض المرافق الحيوية الاخرى كالطاقة والمياه والمصانع والموانيء وقيادة الجيش والحرس الثوري وصولا الى استهداف بعض الشخصيات القيادية المهمة في القيادة الايرانية، ومن المتوقع في هكذا حال ان تقوم محاور المقاومة في المنطقة بأستهداف المصالح الامريكية وتستهدف “اسرائيل” مما سيدفع “اسرائيل” حتما الى الدخول الى الحرب بقوة وقد توظف قدراتها لاستهداف حZب الله في لبنان والفصائل في العراق لا سيما الفصائل التي تعد جزء من محور المقاومة كنوع من توزيع المهام العسكرية بين الولايات المتحدة و “اسرائيل”، في حين ستتولى ايران الرد وبقوة عبر مئات الصواريخ والطائرات المسيرة لاستهداف ثلاثة انواع من الاهداف في المنطقة هي “إسرائيل”، القواعد العسكرية الامريكية الثابتة في المنطقة بصرف النظر عن مساهمة الدول التي تستظيف هذه القواعد في الحرب او موقفها من استهداف ايران، الاهداف الامريكية المتحركة كالسفن وحاملات الطائرات.

ثالثاً: احتمالية توظيف هذا الحشد العسكري لفرض حصار عسكري واقتصادي شامل على إيران
وهذا المشهد ايضا يمتاز بقدر من الواقعية النسبية، حيث يمكن ان تقرر الولايات المتحدة (بعد توجيه ضربة عسكرية محدودة او بدون توجيه اي ضربة) بفرض حصار بحري وجوي شامل على الممرات المائية التي تستخدمها الناقلات والسفن لتصدير النفط والمنتجات الايرانية واستيراد ما تحتاجه إيران، وفرض حظر طيران كامل يستهدف منع القوة الجوية الايرانية من التحليق في الاجواء الايرانية في حال السيطرة على الاجواء الايرانية وفرض حظر او تقييد الطيران المدني والتجاري، ومراقبة اجواء دول الجوار لايران لمنع تقديم المساعدة لاحقا.
ويستهدف هكذا اجراء الى تصفير مبيعات النفط والغاز الايراني ومراقبة اي مكونات او شحنات تدخل الى إيران مستقبلا للضغط بشكل كبير على الخيارات السياسية والاقتصادية الايرانية وتفجير الداخل الايراني بالتدريج وتدفع النظام السياسي الايراني الى اليأس من امكانية الصمود والمقاومة لاجبار القيادة الايرانية الى احداث مراجعة داخلية او تفكك النظام بطريقة او باخرى وفقا لما يعتقده الجانب الامريكي، من اجل عقد صفقة لاحقا تتعلق بموافقة إيران على تنفيذ الشروط الامريكية مقابل انهاء هذا الحصار.
ان هكذا احتمال يبدوا لنا صعب التحقق مع امكانية تحقيق جزء مهم من اهدافه المتعلقة بنجاح الحصار البحري والجوي، ومكمن الصعوبة يتعلق بان ايران دولة شبه قارية وبجغرافيا معقدة جدا ولديها حدود طويلة جدا مع دول الجوار وهناك ثلاثة دول على الاقل غير مستعدة للتجاوب التام مع السياسة الامريكية هي افغانستان وباكستان والعراق وعليه لايبدوا ان الحصار البري يمكن ان ينجح، كما ان الحصار البحري والجوي رغم امكانية نجاحه النسبية الا انه يبقى مكلف للغاية لا سيما ان ايران تمتاز بقدرتها على المطاولة والصمود مما يجعل من تكاليف استمرار الحصار البحري والجوي مرتفعة جدا وقد يتم استهداف السفن المرابطة في البحار بوسائل مختلفة (مسيرات، قوارب مسيرة مفخخة، صواريخ مضادة للسفن) لتدمير بعضها ورفع الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية مما يدفع الادارة الامريكية الى مراجعة سياساتها الخاصة بهذا الجانب، كما ان الحصار ومنع مبيعات النفط الايرانية سيفضي الى صعود كبير في اسعار النفط ويستهدف المصالح الصينية والهندية بالدرجة الاساس مما يصعد من الضغط العالمي على الولايات المتحدة ولن تستطيع فنزويلا (بعد سيطرة الولايات المتحدة على قرارها) تلبية النقص بالطلب لان قدراتها الانتاجية ضعيفة جدا وتحتاج الى وقت طويل فضلا عن امكانية تاثر الصادرات العراقية والكويتية والقطرية والاماراتية لانها جميعا ستكون تحت ضغط الموقف الايراني الخاص بمضيق هرمز .
احتمال ضعيف نسبيا مقارنة بالمشاهد الاخرى ويتعلق بتنفيذ عملية امريكية خاصة تحت غطاء قصف جوي وطيران مكثف يستهدف اخماد مقاومة النيران الايرانية لتنفيذ عمليات تصفية او اعتقال لبعض القيادات الايرانية البارزة لضرب النظام السياسي من الداخل او دفعه للانهيار او التفكك او الضعف الشديد وبنفس الوقت تأليب المعارضة لقيادة تمرد وتظاهرات مدفوعة بتحركات لبعض الجماعات الانفصالية لا سيما في المناطق الكردية المحاذية للاراضي العراقية والتركية ومناطق البلوش المحاذية للأراضي الباكستانية، الا ان هكذا احتمال يبدوا صعب التحقق وقد لا يفكر به صانع القرار الامريكي بجدية لا سيما ان القدرات الايرانية في مواجهة هكذا سيناريو عالية جدا ويمكنها ان تحبط اي عملية مشابهة لما تم تنفيذه في فنزويلا، كما ان قدرات الجيش الايراني والحرس الثوري في مواجهة الحركات الانفصالية تبدوا عالية جدا وليس من السهل تحقيق هذا الاحتمال.
لكنه يبقى من الاحتمالات التي قد تفكر فيها الادارة الامريكية إذا ما وجدت ان الاحتمالات الاخرى لن تجدي نفعا او انها قد توظف أكثر من احتمال في نفس الوقت للضغط على القيادة الايرانية ودفعها الى التجاوب مع الشروط الامريكية.
بشكل عام كل ما تم ذكره من المشاهد الاحتمالية التي يمكن ان يفضي لها الحشد العسكري الامريكي الموجه ضد ايران مرهون بطبيعة التفاهمات السرية التي لم يطلع عليها احد ولم تنشر على وسائل الاعلام من جهة وعلى القدرات الايرانية في مواجهة هذه الاحتمالات واحباط المخططات الامريكية من جهة اخرى وعلى مدى استعداد الولايات المتحدة للمضي الى الاخير في التصعيد العسكري وتحمل تكاليفه فضلا عن مدى مركزية و اهمية الاهداف الامريكية و”الإسرائيلية” نفسها الخاصة بتصفية الخطر الايراني على “إسرائيل” والمصالح الامريكية من جهة ثالثة.




