الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
أوروبا على أعتاب إنشاء قوة عسكرية مستقلة في ظل تهديدات واشنطن

بقلم: لوك ماكجي
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
أول عام كامل لعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أثار المزيد من الأسئلة الوجودية لأوروبا أكثر من كامل ولايته الأولى، فقد كرر ترامب الادعاءات بأن التهديد الحقيقي لأمن القارة ليس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وأن هوسه الأخير يتمثل في ضم غرينلاند من الدنمارك حليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
حاول الأوروبيون مرارًا وتكرارًا التكيف مع إدارة أمريكية غير متوقعة والحفاظ على رضا ترامب من خلال الموافقة على زيادات كبيرة في ميزانيات دفاعهم الوطني مع الحرص على كسب رضا الرئيس الأمريكي، خلال العام الماضي أبرموا صفقات تقضي بأن تدفع الحكومات الأوروبية فعليًا للولايات المتحدة لضمان استمرار تسليم الأسلحة إلى أوكرانيا، والتزام قواتهم الخاصة لحماية سيادة كييف بدلًا من أي ضمانات أمريكية مباشرة.
مع ذلك تغيرت هذه الحسابات خلال الأسبوعين الماضيين، فقد بدا أن ترامب المستفز بنجاحه في القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مصمم على تحويل خيالاته الجيوسياسية المستمرة إلى واقع، سواء كان ذلك يعني غزو غرينلاند أو التخلي عن أوكرانيا. أبرز تحول في التفكير الأوروبي ظهر هذا الأسبوع عندما طرح أندريوس كوبليوس مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي، فكرة إنشاء مجلس أمني أوروبي يضم 10–12 دولة أوروبية يمكنها قيادة قوة مشتركة تصل إلى 100 ألف جندي دائم، برئاسة المفوضية الأوروبية.

فكرة قوة أوروبية دائمة ليست جديدة، فقد ناقش الأوروبيون فكرة ما يشبه الجيش الأوروبي لسنوات مع نتائج متفاوتة، رغم وجود إجراءات تسمح للاتحاد الأوروبي بنشر أصول الناتو فإن فكرة قيادة كاملة للاتحاد واجهت دائمًا صعوبات في التوافق بين الدول الأعضاء، وبينما معظم الدول الأعضاء في الاتحاد هي أعضاء في الناتو فإن بعض الدول مثل أيرلندا ومالطا تتمتع بالحياد الرسمي.
قال مسؤول سابق في الناتو بشرط عدم الكشف عن هويته إن “المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل اقترحت فكرة مجلس أمني أوروبي في 2015، المشكلة كانت أن الدول الكبرى مثل فرنسا (وبشكل سابق المملكة المتحدة) أحبّت الفكرة، بينما الدول الصغيرة والمتوسطة لم ترغب بأن يكون لـ(الأقوياء) في الاتحاد الأوروبي تأثير أكبر على أمنها الوطني ويكرروا ما هو موجود بالفعل عبر الناتو”. وأشار المسؤول إلى أن بعض الدول الحدودية المجاورة لروسيا كانت غير مرتاحة لمبادرة تمنح ألمانيا دورًا رئيسيًا في قدرتها على حماية نفسها من عدوان الكرملين، خاصةً في ظل اعتماد ألمانيا آنذاك على الغاز الروسي الرخيص.
كما عارضت الدول الأوروبية سابقًا فكرة أن يكون للمفوضية الأوروبية دور قيادي في أي هيكل قيادي حيث يثير أي دور رسمي للمفوضية تساؤلات حول قدرتها على تمثيل جميع الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد نظرًا لتباين وجهات النظر داخل الاتحاد نفسه، فعلى سبيل المثال حتى بين الدول المتشددة تجاه روسيا ترفض بولندا إرسال قوات حفظ سلام إلى أوكرانيا بينما التزمت فرنسا بالفعل بذلك في حال تم التوصل إلى اتفاق سلام، ويزداد التعقيد عند النظر إلى دول أكثر ودية تجاه روسيا مثل المجر وسلوفاكيا.
لكن عام 2026 غيّر الحسابات بالفعل، قال مصدر أوروبي في مجال الأمن “هناك فرصة حقيقية لتحقيق ذلك الآن” وأضاف المصدر “على عكس المحاولات السابقة لن يكون هذا هيكلًا خاصًا بالاتحاد الأوروبي فقط كما قال كوبليوس لأنه سيشمل المملكة المتحدة” والتي تعتبر واحدة من قوتين نوويتين مستقلتين في القارة، مما يجعلها أساسية لنجاح مجلس أمني أوروبي بقيادة أوروبية. وأشارت مصادر حول كوبليوس إلى أن هذه التصريحات لا تمثل تغييرًا رسميًا في سياسة الاتحاد لكنها تعكس قبولًا واسعًا في بروكسل بأن التفكير في الأمن الأوروبي، بما في ذلك دور الاتحاد في أي هياكل مستقبلية بحاجة إلى إعادة نظر، وأن المؤسسات الأوروبية قد تحتاج إلى التراجع لضمان مشاركة جميع الأطراف. وفي الأسابيع القليلة الماضية ظهرت دلائل عديدة على استعداد الدول الأوروبية بما في ذلك أعضاء الناتو لمواجهة إدارة ترامب بشكل مباشر، فقد وقع قادة ست دول أوروبية- بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا- بيانًا مشتركًا مع الدنمارك مؤكدين أن “غرينلاند تنتمي لشعبها ولا يمكن لأي طرف غير الدنمارك وغرينلاند اتخاذ قرارات تتعلق بعلاقاتهما”.
في الظروف العادية كان هذا البيان سيبدو عاديًا، لكنه جاء بعد تهديدات متكررة من البيت الأبيض بغزو الإقليم الدنماركي كما أن هذه الدول إلى جانب أعضاء آخرين في الناتو، أرسلت قوات إلى غرينلاند ضمن مهمة استطلاعية.
السبب الرسمي للمهمة بحسب ألمانيا، هو “استكشاف الخيارات لضمان الأمن في ظل تهديدات روسيا والصين في القطب الشمالي”، لكن الجمهور المستهدف واضح وهو واشنطن. لقد كشفت الأوهام الأوروبية المريحة- أن بوتين ليس تهديدًا كبيرًا، وأن الأمريكيين سيكونون دائمًا هناك – بوضوح أنها خاطئة، هناك حاجة ملحة لتوفير بديل أوروبي موثوق للأمن بعيدًا عن القيادة الأمريكية للناتو. مع ذلك يبدو أن الهياكل الجامدة للاتحاد الأوروبي لا تستطيع تلبية المرونة المطلوبة أو العضوية اللازمة، ومن المرجح أن يتطلب مجلس أمني أوروبي شيء جديد بالكامل لا يرتبط بأي معاهدة قائمة ولا يعتمد على هياكل موجودة مثل اتفاقية برلين بلس بين الاتحاد والناتو، التي ما تزال تتضمن الولايات المتحدة وتتيح للدول المعرقلة حق النقض.
الهياكل التي تجمع الدول ذات التوجهات المشتركة دون معاهدات موجودة بالفعل – مثل مجموعة السبع والمجتمع السياسي الأوروبي – يمكن أن تشكل نقطة انطلاق جيدة لأي هيكل أمني أوروبي جديد يقوم على التوافق السياسي المتبادل.
قد يبدو في بعض الأحيان من السريالي رؤية مثل هذه الاقتراحات مكتوبة على الورق لكن في 2026 حوّل ترامب الولايات المتحدة من حليف غير متوقع إلى دولة محتملة معادية قد تهدد مستقبل الناتو، لم تعد أوروبا لديها الوقت للتنقل بين الهياكل السياسية المعقدة للمؤسسات القديمة القائمة على افتراضات لم تعد صالحة، كما قال مصدر أمني أوروبي كبير عن تصريحات كوبليوس “نحن نعيش في واقع جديد علينا تغيير عقليتنا أيضًا”.
* By Luke McGee, Europe Is Prepared to Create Its Own Army, FOREIGN POLICY, January 21, 2026.



