الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

تآكل القانون الدولي في ظل سياسات ترامب: تقييم قانوني واستراتيجي

بقلم: أونا أ. هاثاواي

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

منذ بداية رئاسته هدّد دونالد ترامب بزعزعة النظام القانوني الدولي، ففي وقت مبكر من فترته الثانية أعلن أنه سيستعيد قناة بنما ويجعل كندا الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة ويستحوذ على جرينلاند ويُمتلك غزة، استغرب خبراء السياسة الخارجية من هذه التصريحات وامتنعوا عن أخذ ترامب على محمل الجد إذ بدت تصريحاته متقلبة وغير مدروسة جيدًا، ومع ذلك فإن مجرد النطق بهذه الكلمات ألحق ضررًا بالفعل. كما أوضحنا في Foreign Affairs الصيف الماضي فإن تهديدات ترامب تعكس افتقارًا مقلقًا للالتزام بالبنية القانونية التي أنشأتها الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ ثمانين عامًا، لقد كان المبدأ القاضي بتحريم استخدام القوة كما تجسده ميثاق الأمم المتحدة يواجه ضغوطًا بالفعل، لكن تجاهل ترامب العلني لهذا الحظر كان يهدد بانهياره.

وكان هذا قبل أن تغزو الولايات المتحدة فنزويلا وتختطف رئيسها نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني، تمّت العملية العسكرية دون تفويض من مجلس الأمن الدولي ودون تفويض من الكونغرس ودون أي مبرر قانوني للدفاع عن النفس ودون حتى أي مبرر قانوني مقنع، وتمثل هذه العملية أعنف هجوم حتى الآن على النظام القائم على القواعد، وما هو على المحك ليس النظام القانوني الدولي القائم فحسب بل بقاء أي قواعد على الإطلاق – ومعها أي قيود على ممارسة السلطة من قبل الدول.

 

 

صعود وسقوط النظام العالمي

قبل أن تتخلى الدول عن حقها في شن الحرب أولًا في ميثاق كيليغ- بريان عام 1928 ثم في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 كانت الحرب قانونية وشرعية تمامًا، وكانت الوسيلة الرئيسية التي تحل بها الدول نزاعاتها مع بعضها البعض، ومع ذلك حتى في تلك الفترة كانت الحرب مقيدة بالقانون، ففي تصور القانون كانت الحرب تعد الملاذ الأخير ويجوز اللجوء إليها فقط لإنفاذ أو الدفاع عن حقوق الدولة، وكان القتل والاستيلاء على الممتلكات والتدمير مسموحًا به فقط إذا كانت كل العملية مبررة قانونيًا.

في مطلع القرن العشرين ولعدة قرون قبل ذلك لم يكن بمقدور دولة أن تقول ببساطة إنها تريد أرض دولة أخرى، ووفقًا للقانون الدولي العرفي كما فسّره وشهره من يُعرف بـ (أبو القانون الدولي) هوجو غروتيوس في أوائل القرن السابع عشر كان على الدولة تقديم مبرر قانوني قبل خوض الحرب، وكان العنف مقبولًا لكنه يقتصر على ما هو ضروري لتأكيد الحق القانوني. وكان على السلاطين أن يبرروا أن الدولة الأخرى لم تسدد دينًا أو تدخلت بشكل غير مقبول في العلاقات التجارية أو انتهكت معاهدة أو ارتكبت خطأً آخر يُعتبر سببًا مشروعًا للحرب، وحصل هذا المبدأ على مصادقة قانونية رسمية من الدول الموقعة على سلام ويستفاليا عام 1648 التي أقرت بأن من يذهب للحرب يجب أن يقدّم (إدراكًا قانونيًا للسبب)، وقد أخذ السلاطين هذا الالتزام على محمل الجد دائمًا بإصدار بيانات حرب تشرح أسباب دخولهم في النزاع عند بدء القتال، وكانوا يدركون أنه دون هذا المبرر فإن العنف ليس حربًا بل جريمة قتل واعتداء وخطف وسرقة.

خلال الثمانين عامًا الماضية أصبحت الأسباب المشروعة للحرب محدودة بشكل كبير، يقوم النظام الدولي الحالي على مبدأ أن استخدام القوة من قبل دولة ضد أخرى ممنوع ويعد جريمة ما لم يُمارس دفاعًا عن النفس أو بتفويض جماعي من مجلس الأمن الدولي، لم تعد الحرب أداة سياسية اختيارية ولا يمنح الاستخدام غير القانوني للقوة مرتكبه أي حقوق قانونية بينما كان الاستيلاء على الأراضي كافيًا للحصول على ملكيتها في السابق فإن أي دولة اليوم تحصل على أراضي دولة أخرى باستخدام القوة غير القانونية يُلزم باقي العالم بعدم الاعتراف بسيادتها على تلك الأراضي. وقد انتهكت بعض الدول هذه القواعد، أحيانًا بطرق جسيمة لكنها في الغالب قدمت مبررات قانونية، معتبرة أن القتل والاستيلاء على الأراضي والممتلكات يتطلب تبريرًا لا مجرد قوة.

 

لم تعد إدارة ترامب تحاول العمل ضمن هذا النظام، على مدار العام الماضي هاجمت الإدارة البنية القانونية القائمة وشرعت في تفكيكها، فهي تفرض عقوبات على القضاة والمحامين العاملين في المحكمة الجنائية الدولية بحيث لا يمكن محاكمة الجرائم، وتفرض حواجز تجارية وتنتهك اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وتتراجع عن المبدأ التاريخي للتجارة الحرة الذي كان يدعم الاستقرار العالمي، كما تتخلف عن دفع مستحقاتها للأمم المتحدة وتنسحب من أو تنتهك العديد من المعاهدات.

 

وبصورة علنية تهدد الإدارة الدول والمناطق ذات السيادة – اليوم فنزويلا وغدًا كولومبيا وكوبا وجرينلاند والمكسيك – ليس عبر إجراءات قانونية مصادق عليها من مجلس الأمن، بل بالقوة الأحادية غير القانونية والإكراه ونظرًا لاعتماد العديد من الدول على الولايات المتحدة في الدفاع عنها أو في استقرارها الاقتصادي، فقد اكتفى معظمها بمشاهدة ما يحدث مع القليل من التدخل.

 

عودة العالم بلا قواعد

كان من السيئ العودة إلى النظام الدولي قبل الحرب حين كانت الدول تمارس النهب والغزو دون أي اعتذار وتشن الحروب استنادًا إلى انتهاكات حقوق واسعة مع معاناة شعوبها من العنف الواسع النطاق الذي تلاها، لكن ما قد يحدث قد يكون أسوأ على المدى القصير يواجه العالم عدم استقرار عميق فقد يلجأ القادة أحيانًا إلى قواعد ما بعد الحرب وأحيانًا يتجاهلونها حسب مصالحهم، وهذه وصفة لصراعات مستمرة إذ ستصبح الدول في شك بشأن القواعد وكيفية تجنب إثارة العنف وحتى ظهور مجموعة واضحة من القواعد سيظل العالم مكانًا محفوفًا بالخطر. أما على المدى الطويل، فقد يتحول العالم إلى مكان لا تُمنع فيه الدول من اللجوء إلى القوة ويتصرف فيه على الأقل أحد القوى العظمى كما لو أن لا قواعد على الإطلاق، في هذا العالم لن تكون القواعد قابلة للتوقع فحسب، بل ستكون رهينة رغبات من يملك القوة الأكبر في لحظة معينة.

ما يثير القلق هو أن إدارة ترامب تبدو وكأنها تمهد الطريق لمثل هذا العالم، ففي اليوم التالي لاختطاف مادورو وزوجته أوضح كبير مساعدي ترامب ستيفن ميلر فلسفة الإدارة في مقابلة مع CNN نحن نعيش في عالم في العالم الحقيقي يا جيك يحكمه القوة يحكمه السلاح يحكمه السلطة، هذه هي القوانين الحديدية للعالم منذ الأزل ولم يقدم ميلر ولا أي مسؤول آخر أي تبرير قانوني حقيقي للغزو العسكري لفنزويلا – عملية أسفرت عن مقتل 75 شخصًا على الأقل ولم يُقدم أي مبرر قانوني أيضًا لخطة ترامب التي أعلن عنها على وسائل التواصل الاجتماعي للاستيلاء على (ما بين 30 و50 مليون برميل) من النفط الفنزويلي، وبدلًا من ذلك شاركت وزارة الخارجية صورة للرئيس الأميركي مكتوب عليها (هذا نصف كرتنا) واعتبر ترامب نفسه في منشور على Truth Social الرئيس المؤقت لفنزويلا.

والآن بدأت الإدارة توجيه أنظارها إلى جرينلاند، إذ صدر بيان للبيت الأبيض بعد أيام من اختطاف مادورو يؤكد أن الولايات المتحدة (تحتاج) جرينلاند، وأن الاستحواذ على الإقليم يمثل أولوية للأمن القومي. ما يثير القلق في كلمات وأفعال إدارة ترامب ليس مجرد انتهاكها للقانون بل تجاوزها فكرة وجود قيود قانونية على الإطلاق، إذ قال ترامب في مقابلة مع نيويورك تايمز “إن القيود الوحيدة هي أخلاقياتي الخاصة” لا حجج حقيقية تبرر تصرفات الحكومة لا تظاهر ولا محاولة للإقناع، وعندما تُعلن السياسة عبر منشور على الإنترنت دون أي مبرر يترك ذلك شعورًا مزعجًا بأن صناع القرار لا يرون حاجة لتغطيتها بزيف. في الوقت نفسه تتصرف الإدارة كما لو أن مجرد التهديد أو استخدام القوة يمنحها حقوقًا قانونية، فقد عادت دبلوماسية السفن الحربية التي تم رفضها سابقًا بعد تحريم الحرب، وتستخدم الولايات المتحدة حصار النفط والاستيلاء القسري والتهديدات العسكرية للحصول على تنازلات سياسية واقتصادية من دول أخرى في محاولة لإثبات أن القوة وحدها تصنع الحقوق، بغض النظر عن القانون أو العقل.

عالم لا يشعر فيه الأقوياء بالحاجة لتبرير أنفسهم ليس فقط غير عادل بل همجي، فعمليات القتل والسرقة والتدمير تصبح منفصلة عن أي حق قانوني ولا يوجد في هذا العالم أي نظام قانوني، بل مجرد قوة تُوجَّه وفق أهواء شخص واحد.

 

* Oona A. Hathaway and Scott J. Shapiro, The Consequences of Trump’s Assault on International Law, FOREIGN AFFAIRS, January 13, 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى