الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
هل تتجه “إسرائيل” إلى ضمّ أكثر من نصف قطاع غزة؟
قراءة في الغموض الذي يكتنف الخط الأصفر "الإسرائيلي" الجديد

بقلم: جيوفاني ليغورانو
ترجمة: صفا مهدي
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
في مطلع كانون الأول أطلق رئيس أركان الجيش “الإسرائيلي”** إنذاراً لافتاً للمجتمع الدولي معلناً أن ما يُعرف بـ (الخط الأصفر) في غزة بات يُمثّل الحدّ الجديد “لإسرائيل” مع القطاع، وقال رئيس هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع “الإسرائيلي” إيال زامير مخاطباً القوات “الإسرائيلية” المنتشرة في غزة “لن نسمح لحماس بإعادة ترسيخ وجودها لدينا سيطرة عملياتية على مساحات واسعة من قطاع غزة وسنواصل التمركز على تلك الخطوط الدفاعية”، وأضاف “أن الخط الأصفر هو خط حدودي جديد يُشكّل خط دفاع متقدّم لحماية مجتمعاتنا وكذلك خطاً للنشاط العملياتي”.
وبالفعل انسحبت القوات “الإسرائيلية” إلى شرق هذا الخط الذي رُسم في إطار خطة وقف إطلاق النار بوساطة أميركية في تشرين الأول الماضي من دون أن تتراجع إلى ما بعده، وأفضى ذلك إلى واقع ميداني جديد قوامه تقسيم قطاع غزة فعلياً إلى منطقتين منطقة عازلة خاضعة لسيطرة الجيش “الإسرائيلي” تُطوّق القسم الداخلي من القطاع وتعزله، ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة الغارديان شرع الجيش “الإسرائيلي” في تثبيت حواجز إسمنتية لتحديد أجزاء من هذا الخط، وتشير التقديرات إلى أن المساحة الواقعة تحت السيطرة العسكرية “الإسرائيلية” باتت تتجاوز نصف المساحة الأصلية للقطاع إذ تتراوح بين 53 و58 في المئة. وبموجب خطة السلام ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُفترض ألا تقدم “إسرائيل” على احتلال قطاع غزة أو ضمّه، بل أن تسلّم تدريجياً الأراضي التي تسيطر عليها إلى قوة دولية لتحقيق الاستقرار يُتوقع نشرها في مرحلة لاحقة، وتنص الخطة في صيغتها النهائية على نزع سلاح حركة حماس وإقصائها عن أي دور في الحكم المستقبلي لغزة، إلى جانب انسحاب “إسرائيلي” كامل من القطاع.
غير أن مخاوف واسعة تسود من أن يتحوّل هذا الواقع إلى صراع (مُجمّد) طويل الأمد يُكرّس تقسيم غزة بحكم الأمر الواقع منطقة شرقي الخط الأصفر خاضعة للسيطرة “الإسرائيلية” حيث تعمل تل أبيب على دعم مجموعات فلسطينية مناهضة لحماس، ومنطقة أخرى تسيطر عليها الحركة في ظل غياب أي جهود لإعادة الإعمار، وفي هذا السياق قال سام روز القائم بأعمال مدير شؤون غزة في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مقابلة مع مجلة فورين بوليسي “ذا ينسجم تماماً مع النهج “الإسرائيلي” التقليدي القائم على استغلال المسارات السياسية الجارية لفرض أكبر قدر ممكن من الوقائع على الأرض، وعندما تُستأنف المفاوضات يكون هناك ببساطة ما هو أقل للتفاوض عليه”.
وتُشكّل المنطقة الواقعة شرق الخط الأصفر والخاضعة للسيطرة “الإسرائيلية” شريطاً عازلاً يفصلها عن بقية قطاع غزة وتقول “إسرائيل” إنها تحتاج إليه لضمان أمن التجمعات السكنية في جنوب البلاد، غير أن هذا الترتيب يحرم بقية القطاع حيث يتركّز اليوم معظم سكانه الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة من أي تماس حدودي مع مصر، ما يفاقم عزلته مقارنة بالوضع الذي كان قائماً قبل الحرب التي اندلعت عقب هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023. وإلى جانب ذلك تضم هذه المنطقة معظم الأراضي الزراعية التي كان الفلسطينيون في غزة يعتمدون عليها قبل الحرب، سواء لإنتاج جزء من غذائهم أو لتصدير بعض المحاصيل بحسب ما أفادت به الأمم المتحدة، وقال روز في هذا الصدد “إذا أصبحت هذه الأراضي غير متاحة بشكل دائم فإن ذلك ستكون له تداعيات عميقة على اقتصاد غزة”.
ويرى عدد من الخبراء أن الاحتفاظ بهذه المساحات قد يكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية “إسرائيلية” أوسع، ويضيف روز “إذا تراجعت “إسرائيل” لاحقاً خطوة إلى الوراء فسيُنظر إلى ذلك على أنه تنازل في حين أن هذه الأراضي لم تكن في الأساس مطروحة للتفاوض أعتقد أن هذا يعكس إلى حد كبير الأسلوب الذي تنتهجه “إسرائيل” في إدارة مثل هذه الملفات”. وفي 14 كانون الثاني أعلنت الولايات المتحدة أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار يُفترض أن تبدأ، والتي يُتوقّع أن تنسحب “إسرائيل” بموجبها من مناطق إضافية من القطاع، غير أن الإعلان خلا من أي جدول زمني واضح لهذا الانسحاب الذي جرى ربطه بشرط (نزع سلاح) حماس، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الاول.
وفي اليوم التالي وجّه ترامب إنذاراً جديداً إلى حركة حماس، دعاها فيه إلى نزع سلاحها بالتزامن مع بدء المرحلة الثانية رغم أن بنوداً أساسية من المرحلة الأولى لم تُنفّذ بعد، كما طالب بإعادة رفات آخر رهينة “إسرائيلي” يُعتقد أنه لا يزال محتجزاً لدى الحركة. في الأثناء تشير تقارير من بينها ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إلى أن “إسرائيل” ربما وسّعت نطاق سيطرتها على القطاع بدرجة أكبر، عبر نقل الكتل الإسمنتية التي يُفترض أن تحدد خط ما بعد وقف إطلاق النار إلى عمق غزة في عدة مواقع. وفي هذا السياق قال مايكل وحيد حنّا مدير برنامج الولايات المتحدة في (مجموعة الأزمات الدولية) “لا يمكن الحديث في هذه المرحلة عن ضمّ فعلي لأن الوضع لا يزال شديد السيولة والتقلب، وأضاف “أن ما يجري يعكس نزعة قصوى في الموقف “الإسرائيلي” حيث تواصل تل أبيب دفع الحدود إلى أقصاها من حيث مستوى التشدد خلال مرحلة وقف إطلاق النار”.
واعتبر حنّا أن (الخط الأصفر) يُجسّد بوضوح طبيعة الموقف “الإسرائيلي” الراهن مضيفاً “من الواضح أنه لن يكون هناك تقدم حقيقي في تنفيذ بنود وقف إطلاق النار ما لم تمارس الولايات المتحدة ثقلاً سياسياً قوياً وضغطاً فعلياً على الأطراف المعنية”، وأكد أن أي خطة “إسرائيلية” طويلة الأمد للإبقاء على السيطرة على الأراضي الواقعة خلف خط الترسيم ستعني عملياً حرمان غزة من فرصة إعادة بناء نفسها كمجتمع قابل للحياة، وختم بالقول “إن هذا الأمر يمسّ في جوهره قابلية غزة للاستمرار كأحد الأقاليم التي يمكن للفلسطينيين أن يعيشوا فيها”.
تدفع جماعات اليمين المتطرف في “إسرائيل” وبصوت عالٍ منذ الأشهر الأولى للحرب ضد حركة حماس باتجاه إعادة توطين قطاع غزة داعيةً صراحة إلى طرد الفلسطينيين منه، وفي هذا السياق يُنظر إلى استمرار احتلال المنطقة الواقعة خلف (الخط الأصفر) على أنه قد يشكّل خطوة سياسية تهدف إلى إرضاء الجناح الأكثر تطرفاً داخل الائتلاف الحاكم والذي يضم عدداً من المستوطنين “الإسرائيليين” في الضفة الغربية، ويُعد دعم هذه القوى أمراً حاسماً لبقاء بنيامين نتنياهو في السلطة.
وفي 18 كانون الأول أفادت صحيفة تايمز أوف “إسرائيل” بأن مجموعتين من الناشطين التابعين لمنظمة (ناحالا) الاستيطانية عبرتا إلى داخل قطاع غزة، في أحدث محاولة من قبل التيار القومي المتشدد لترسيخ حضور يهودي في القطاع، وقد قام الناشطون برفع العلم “الإسرائيلي” في موقع قالت المنظمة إنه يقع بالقرب من مستوطنة (موراغ) السابقة في جنوب القطاع، قبل أن يرافقهم جيش الدفاع “الإسرائيلي” إلى خارج غزة. ويُذكر أنه في صيف عام 2005 سحب رئيس الوزراء “الإسرائيلي” آنذاك أريئيل شارون الجيش “الإسرائيلي” ونحو 8 آلاف مستوطن يهودي من داخل قطاع غزة بعد أن خلص إلى أن كلفة الإبقاء على المستوطنات هناك وحمايتها تفوق جدواها، غير أن هذا المنطق بات موضع تشكيك من قبل التيار الاستيطاني المتشدد اليوم، وفي هذا السياق قالت دانييلا فايس زعيمة منظمة (ناحالا) “الوقت هو الآن بالضبط لنقول بصوت واضح ما هو بديهي: غزة ملك لشعب “إسرائيل”، يجب أن نبدأ الاستيطان في غزة فوراً”. وقد تكون النتيجة النهائية لاحتلال طويل الأمد أو حتى لضمّ محتمل للأراضي الغزية المحددة بالخط الأصفر هي بقاء ما تبقى من القطاع في حالة دمار شامل بما يجعله غير صالح للحياة إلى حد بعيد ويدفع الفلسطينيين عملياً إلى الرحيل، ومع ذلك يستبعد كثيرون في “إسرائيل” أن تنتهي هذه المنطقة إلى الضم الرسمي، ويجادل هؤلاء بأن الاحتفاظ بها في المرحلة الراهنة ضرورة أمنية وإن ظلّ من غير الواضح إلى متى سيبقى الجيش “الإسرائيلي” متمركزاً في هذا الجزء من القطاع.
وفي هذا الإطار قال كوبي ميخائيل الباحث البارز في (معهد دراسات الأمن القومي) و(معهد مسغاف) وهما مركزا أبحاث “إسرائيليان” “تحاول الإدارة الأميركية الضغط على “إسرائيل” للمضي قدماً نحو المرحلة الثانية “من خطة وقف إطلاق النار”، وهو ما يعني انسحاباً إضافياً للقوات “الإسرائيلية” وإعادة انتشارها”. وأضاف ميخائيل أن “إسرائيل” لن تقبل على الأرجح بأي انسحاب ولو جزئي قبل تسليم جثمان آخر رهينة “إسرائيلي” من غزة وقبل تحقيق أي تقدم في ملف نزع سلاح حماس كما ينص اتفاق وقف إطلاق النار، وقال “طالما أن حماس موجودة هناك سنبقى نحن أيضاً لن يكون هناك أي ضمّ لهذا الجزء من القطاع أو لغيره، الهدف هو ضمان عدم قدرة حماس على إعادة بناء نفسها في هذه المنطقة لأن ذلك سيشكّل في نهاية المطاف تهديداً مباشراً للكيبوتسات “الإسرائيلية” والبلدات الواقعة على طول الحدود”. وفي ظل خلفية خطة وقف إطلاق نار شديدة الهشاشة في غزة تكافح للمضي قدماً فإن استمرار الاحتلال “الإسرائيلي” لجزء من القطاع لفترة طويلة ينذر بأن يصبح عقبة كبرى أمام أي مفاوضات مستقبلية، ويُعد إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار تحل محل القوات “الإسرائيلية” على الأرض ركناً أساسياً في خطة ترامب، ومن دون هذا العنصر سيظل مستقبل غزة معلقاً إلى أجل غير مسمى.
* By Giovanni Legorano, Is Israel Annexing More Than Half of Gaza? The ambiguous meaning of Israel’s new yellow line, FOREIGN POLICY, January 20, 2026.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



