الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
جيوسياسية السرعة: كيف يُعاد تشكيل العالم عبر الحسم الخاطف؟

بقلم: د. ساعود جمال ساعود
جامعة دمشق
وفق العقد المكونة لسلسلة التعامل الاستراتيجي من قبل الدول الكبرى خصوصاً القطب المهيمن مع الأزمات الدولية والمتكونة من الاحتواء- الصراع- إدارة الصراع- ثم تحييد الدبلوماسية- وصولاً إلى التخلي عن سياسة الصبر الاستراتيجي أو استراتيجيات النفس الطويل، واللجوء إلى الحسم السريع باستراتيجيات مستحدثة بطرق مباشرة أو عبر فواعل ثانوية، وهذا ما يصدّره الواقع الدولي من مشاهد، وليس محض رأي، والشواهد جمّة منها تسريع عمليات الإبادة في غزة، اغتيال السيد حسن نصر الله وإضعاف حZب الله في لبنان، إسقاط نظام بشار الأسد، استهداف إيران، والتي انتهت بالفشل في حرب الـ 12 يوم، ومحاولات التضييق على فصائل المقاومة العراقية، والتخلّي جزئياً عن قسد ودعم الحكومة السورية الانتقالية على استعادة المنطقة الشرقية ذات الأهمية الاستراتيجية، والاستمرار باستنزاف روسيا، والتحرّكات الخفية والخجولة لحلف الناتو باتجاه روسيا وما أعقبه من تهديدات رئيسها باستخدام النووي وتغيير العقيد النووية قرابة الثلاث مرات، وصولاً إلى قطع رأس النظام الفنزويلي، وإحراج الصين التي تكتفي بسياسة التنديد السياسي تحت دعاوي الأولوية للتنمية الاقتصادية والسلام العالمي، وأحاديثها عن التعددية القطبية في زمن بلغت به القوة الأمريكية ذروتها، إضافة لما تشهده القارة الأفريقية من حروب داخلية يتم استغلالها دوليا في خضم الصراع على الموارد الاستراتيجية، وصولاً إلى التنافسات حول الممرات المائية وسلاسل التوريد، والسباق الجنوني بتطوير الأسلحة والإنفاق العسكري، وتجاوز القوانين الدولية، بحيث توحي أحداث المشهد الدولي اليوم بأن المجتمع الدولي يعيش بغابة يعيش بها القوي ويحكمها الأقوى.

والملاحظ المثبت أن معطيات الحراك الدولي المتسارع، تجاوزت كونها مؤشرات، والأدّلة متعدّدة إضافة للمحدّدات التي رسمت معالم المشهد ومنها التمدّد إلى مناطق تركيز استراتيجي جديدة، وتدافعات النفوذ والمصالح، واتضاح- بما لا يدع مجالاً للشك- عودة “الأحلام الإمبراطورية” إلى الوجود، كما يروق لفاليري نيكولايفيتش جاربوزوف مدير معهد الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وصفها في دراسته المنشورة في صحيفة غازيتا زافيستمايا الروسية، والتي تحدّث بها عمّا سمّاه “الأوهام المفقودة في العصر الماضي”، إشارة منه إلى ثلاثة برامج جيوسياسية لأقوى ثلاث دول في العالم الحديث لكونها تمتلك برامج عالمية خاصة (الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا) فجميعها ذات أحلام إمبراطورية تأمل بتحققها عبر مشاريعها الجيوسياسية التي تختلف بطابعها وأدواتها ولكنها تشترك من حيث تشابه الهدف، وأمام هذا الواقع الذي بلغه المجتمع الدولي، هناك تغيّر في دينياميكيات إدارة الصراع وتطوير أشكاله وأنماطه، حسب طبيعة الصراع من جهة ومستوى قوة الدولة من جهة وتوازن الردع من جهة أخرى، ومقدار أهمية المصالح بوصفها محدّد أساسي لأدوات الصراع ووقت حسمه، فمجمل هذه العوامل بالإضافة لأخرى، أدت إلى تغيير طريقة التعامل مع الأزمة الدولية ومصادرها وأطرافها ومسببيها، وهذا ما نجم عنه التحوّل إلى إدارة الصراع في النظام الدولي من الاحتواء إلى الحسم المتسارع، علماً أن التسريع بالحسم يخدم التسريع بتنفيذ المشاريع الجيوسياسية التي مضى عقود على وضعها، من قبيل مشروع “إسرائيل الكبرى” التي لم يتبقى عقبة بوجهه في “الشرق الأوسط” إلا الجمهورية الإسلامية، ما يفسر تتالي المحالات لكسب المشاركة الأمريكية والأوربية في توجيه ضربة عسكرية إلى إيران.
شهدت السياسة الدولية في السنوات الأخيرة تحوّلات جوهرية في طريقة إدارة الصراعات والأزمات، حيث باتت القوى الكبرى والإقليمية تميل إلى ما يمكن تسميته بـسياسات التسريع بالحسم، هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأنّ إدارة الأزمات لفترات طويلة لم تعد خياراً مجدياً سواء بسبب الكلفة الاقتصادية أو المخاطر الأمنية أو التغير في الرأي العام الداخلي للدول الفاعلة، إذ لم يعد الهدف احتواء الصراع، بل إنهاؤه أو إعادة هندسته بسرعة، حتى لو كان ذلك عبر حلول قسرية أو مؤقتة.
الدوافع الدولية المفسرة لسلوك الدول المطبقة لأسلوب الحسم السريع متعدّدة، أهمها حالة السيولة في النظام الدولي، فبعد تراجع الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة التي لم تترافق بنشوء نظام متعدد الأقطاب متماسك، نشأ فراغ استراتيجي يسمح بالتحرّك السريع وفرض الوقائع بالقوة الصلبة، هذا ما ظهر بوضوح في أوروبا الشرقية حين انتقلت الأزمة الأوكرانية من مرحلة التوتر السياسي إلى الحرب المفتوحة خلال فترة زمنية قصيرة، في ظل عجز المؤسسات الدولية عن لعب دور كابح، كما أنّ القرار بالحسم العسكري لم ينتظر توافقاً دولياً، بل فُرض كأمر واقع، ثم جرى التعامل معه سياسياً لاحقاً.
التحولات في أساليب الحسم تراوحت من إدارة الصراع إلى إنهائه بالقوة لا سيما في منطقة “الشرق الأوسط”، التي يتجلّى بها هذا التحول بوضوح، فبدل الإبقاء على صراعات منخفضة الحدة، باتت بعض القوى تسعى إلى إنهاء ملفات كاملة دفعة واحدة، ومثال هذا ما جرى في جنوب القوقاز، حيث انتهى نزاع استمر لعقود خلال أيام قليلة عبر عملية عسكرية خاطفة أعادت رسم “السيطرة الجغرافية”، دون أن يُتاح للمجتمع الدولي الوقت الكافي للتدخل أو الوساطة، وهذا ما يعكس عقلية جديدة ترى أن الحسم السريع أقل كلفة من إدارة نزاع مزمن.
بالنسبة للعوامل التي ساعدت على تنفيذ سياسة الحسم السريع، فقد تعدّدت منها التكنولوجيا كعامل حاسم، حيث لعب التطور التكنولوجي دوراً محورياً في دعم هذه السياسات، إذ أصبح استخدام الطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة والقدرات السيبرانية في النزاعات الحديثة عاملاً حاسماً في تحقيق نتائج سريعة، والمثال الأوضح إفريقيا، حيث سمحت هذه الأدوات لبعض الجيوش النظامية بحسم مواجهات مع جماعات مسلحة خلال أسابيع، بعدما كانت تلك المواجهات تستمر لسنوات، وبذلك تقلص زمن المعركة وهو ما شجّع صانعي القرار على تفضيل الحسم بدل الاستنزاف.
وعطفاً عمّا سبق، فإن الوكلاء المحليون يوظفون كأدوات للحسم السريع، حيث لا يتم الحسم عبر التدخل المباشر، بل من خلال إعادة هندسة موازين القوى المحلية، وهذا ما شوهد في عدّة دول من أمريكا اللاتينية، حيث جرى دعم قوى سياسية أو مؤسسات أمنية بعينها لإعادة ترتيب السلطة بسرعة، بدل الدخول في مسارات تفاوض طويلة، والنتيجة غالباً ما كانت وتكون تغييراً سياسياً سريعاً، يبدو داخلياً في شكّله، لكنه في جوهره مرتبط بتوازنات دولية أوسع.
وعملاً بمبدأ حسم بلا حرب، فإن سياسات التسريع بالحسم لا تعتمد دائماً على القوة العسكرية، بل أصبحت العقوبات الاقتصادية أداة مركزية لتحقيق نتائج معجّلة، والتاريخ الدولي يذكر العديد من الحالات، التي أُجبرت فيها الحكومات على تغيير سلوكها أو القبول بتسويات سياسية نتيجة ضغط اقتصادي مكثف ومركز استهدف مصادر التمويل الحيوية بدل المجتمع ككل، هذا الأسلوب اختصر سنوات من المواجهة العسكرية المحتملة، وحقق نتائجاً سياسية خلال فترات زمنية قصيرة.
السمات المميزة لتطبيق هذه السياسات يكمن بتراجع الاعتبارات الأخلاقية والقانونية، ففي سبيل الحسم السريع، تُهمَّش قضايا مثل حقوق الإنسان أو العدالة الانتقالية، وفي بعض مناطق “الشرق الأوسط” وإفريقيا، جرى القبول بترتيبات سياسية غير مكتملة أو سلطوية، فقط لأنها وفّرت استقراراً سريعاً ومنعت انهيار الدولة، وأصبح الاستقرار في المفهوم الدولي السائد يعني غياب الفوضى وليس بالضرورة تحقيق العدالة.
وفي سبيل تقييم الأثر العملي لسياسات الحسم السريع، فرغم فعالية هذه السياسات على المدى القصير إلا أنّها تحمل مخاطراً استراتيجية، حيث غالباً ما ينتج استقراراً هشاً، قابلًا للانفجار عند أول اختبار جدي، وهذا ما تظهره التجارب العديدة في آسيا وإفريقيا، إذا أن أغلب الصراعات التي حُسمت بالقوة دون معالجة جذورها الاجتماعية والسياسية، عادت لاحقاً بشكل أعنف، فالتسريع بالحسم قد يغلق ملفًا مؤقتاً، لكنه لا يضمن إغلاقه نهائياً.
ومن منطلق النتيجة الأعم والأشمل، يمكن استناداً لما سبق، القول بأنّ سياسات التسريع تعكس عالماً تُدار فيه الصراعات بمنطق الزمن القصير، وتُقاس فيه القرارات بقدرتها على إنتاج نتائج فورية، غير أن هذا التحوّل، رغم ما يتيحه من فرص ومصالح إلا أنّه يؤجل انفجارات أكبر في المستقبل من منطلق حالة عدم الاستقرار التي يعيشها النظام الدولي، إضافة إلى تقديم اعتبار القوة على التوافق والسرعة على المعالجة العميقة للأزمات الدولية.
جيوسياسية السرعة



